مصيبة اسمها الإسلاميون

منذ سنوات وأنا أتأمل مختلف مشاهد الحياة السياسية في الدول المسلمة، مكتفيًا بمحاولة جادة للفهم، لكن في الوقت ذاته متفاعلا مع كثير منها وأحيانا مؤيدا لها، خصوصاً تلك التي تتعلق بإقامة دولة إسلامية، معتمداً على أمرين:

الأول، انتمائي للمسجد لجهة حفظ القرآن في وقت مبكّر من عمري، وتلك هي طبيعة قرى الجزائر وأريافها خصوصا في الصحراء وأنا منها، وهذا ما يفسّر عدم انتشار الإرهاب بشكل ملحوظ في الجنوب الجزائري مقارنة بباقي المناطق الجزائرية الأخرى، والحديث هنا ينصبّ على الجماعة ولا يدخل فضاء الأفراد. والأمر الثاني، ذلك الشوق العام الذي يحرّك ما في الصدور لدى عامة المسلمين وخاصتهم من العودة إلى حيث لحظة الانطلاق الأولى لعزة المسلمين ونصرتهم، وهذا لا يتأتّى إلاّ بالعمل أو الدعوة أو حتى الأمل في قيام دولة تلتزم بحدود الله.

بعد هذا كلّه انتهيت إلى قناعة، قد يراها بعضٌ من الذين مزجوا بين السياسة والدّين نوعا من التجني وعدم إدراك للمقاصد الكبرى لأصحاب المشاريع السياسية، مفادها: أن أغلب الذين يسمّون أنفسهم بالإسلاميين أو يعتبرهم الآخرون كذلك، مصيبة في ديار المسلمين تضرب بجذورها في تربة الخلاف الأولى أيام الفتنة الكبرى بين المسلمين، ولنتتبّع ما حدث للمسلمين في كل الدول التي طرحت فيها مشاريع لتغيير الحكم بهدف أسلمته، ألم تنته إلى فتنة وحرب؟!، وانتهى أصحابها بعد ذلك إلى واحدة من أربع: إما الدخول مع الحكومات القائمة في لعبة السلب والنهب لخيرات البلاد والرضا بالفساد وأحيانا المشاركة فيه، مع الترويج لمبرر رفض العنف، وإما اللجوء إلى القتل والتدمير واعتبار الشعب هو وقود الحرب، وإما التحالف مع الدول الأخرى لإزالة النظام الحاكم، وإما السقوط في لعبة المخابرات الدّولية.

غير أن هذا لا يعني أن الأنظمة القائمة بريئة مما يحصل، لأنها بكل تأكيد طرف فاعل ومؤثر ويتمنّى سقوط الإسلاميين في الوحل، لكن هل فعلاً مشكلتنا مع الأنظمة الحاكمة على ما فيها من سوء ومفاسد؟ بالنسبة لي مشكلتنا مع جميع الذين لا ينتجون ويحكمون من ينتجون، وهذا الوصف يشمل جميع الذين تخلوا عن الجهاد الأكبر ليركّزوا على الجهاد الأصغر، لنضرب بضعة أمثلة دالة على سيطرة المواقف السياسية على القناعة الدينية، دون إنكار بعض حالات التغيير في الوعي وفي السلوك الاجتماعي.

لقد كان المصريّون ـ أقصد هنا المسلمين ـ أمة واحدة قبل ظهور حركة الإخوان المسلمين، أي حين كان الّدين جامعاً وليس مفرّقاً، فكيف أصبحوا بعد ظهورها؟… وإلى وقت قريب كان الجزائريون أمة واحدة تحتوي جماعات مختلفة في الأساليب، متحدة في الهدف حتى دخل الذين كانوا في الدعوة ـ كما يقولون ـ إلى المعترك السياسي، فأصبحنا جماعات متفرّقة ساد فيها اليوم الذين تركوا البلاد تحترق لولا قيام مجلس وطني انتقالي من قيادات الأحزاب الصغيرة، التي كانت ضمن وقود الحرب الدائرة، هل نسي المثقفون الجزائريون المنتمون للتيار الإسلامي والوطني أو المتعاطفون مع من كنّا نقف في السبعينيات والثمانينيات؟، ألم نكن صفّا واحدا يبدأ من العامة ويمر بكل المنتمين لمختلف الحركات لينتهي عند مشروع الدولة القوية، التي حين يلتزم أهلها الإسلام يصبحون أعزاء، لا فقراء ومطاردين؟، ولا يبرّرون الأخطاء الكبرى ثم يقولون: هذا مطلوب سياسيا من أجل الدين لأنه يقوم على الحوار والتسامح، لكن أن يقتل أو ينهب أو ويبعد بعضنا بعضا فذاك أمر عادي.

و إلى أيام قليلة قبل الحرب الظالمة على العراق كان العراقيّون أمماً متفرّقة تجمعهم دولة قوّية يحسون من خلالها بنعمة الانتماء وحضن الوطن، وبعد تحالف الحركات الإسلامية ـ بمختلف مذاهبها ـ من أجل إسقاط النظام، ضاع الوطن وانتفى وجود الدّولة وعمّت الفوضى والفتنة والحرب الأهليّة، وعلى نفس الحال يمكن أن نرى السودان في المستقبل نتيجة الاختلاف حول مشروع الدولة بين الجماعات الإسلامية وعلى النمط نفسه تسير الأمور في فلسطين ولبنان وأفغانستان وباكستان وتركيا وفي القريب إيران.

لنتساءل بكل صراحة: أي جماعات سياسية دينية هذه التي إذا تمكّنت من السلطة أفسدت وتجبّرت وقسّمت الأوطان وأحدثت الفتنة وأصرت على رفض الشورى وعدم التخلي عن السلطة، وإذا لم تفز في الانتخابات، أو حصلت على عدد قليل من المقاعد، شككّت في ذمم الآخرين وفي اختيارات الشعوب، وإذا شاركت في الحكم وأخطأت مثل كل القوى السياسية تحوّلت إلى معارضة داخل الحكم مستفيدة من الامتيازات وغير معترفة بأوزار وجرم الحكومات، وإذا نجحت في الانتخابات وأبعدت، ظلماً أو حماية للوطن، أدخلت البلاد في بحور الدّماء وتحالفت مع الشيطان من أجل الوصول إلى السلطة؟

أي جماعات هذه التي تريد أن تقيم دولاً تواجه فسطاط الشرك والإلحاد وكل قوى الشّر وقد جعلت البأس بيننا شديدا، وتفعل فينا مثل الأعداء تماماً؟، لتحاسب نفسها قبل أن تُحَاسب، ولنبحث سويًًّا على صيغة مشتركة للتعايش، فهي لا تقوم بحرب فتوحات كما في العهود الأولى للإسلام، وإنّما تقوم بتدمير كل القيم السامية لهذا الدّين، لذلك علينا أن ننبذ القتل ونرفض تطويع الدّين لصالح السياسة، وألا تكون لغة المصالح هي الكلمة السواء بيننا، فقد جعلت تلك الجماعات خاصة المسلمين في حيرة من أمرهم فما بالك بعامّتهم؟!، ألم تسأل نفسها لماذا تصبح المجتمعات المسلمة بوصولها إلى الحكم أو مشاركتها فيه أكثر تخلفا وتشتّتا وفسادا؟.

إن معظم قيادات ما يعرف بالأحزاب والحركات الإسلامية، يعد مصيبة كبرى في تاريخ هذه الأمة، وأن بعضها قد يكون حسن النيّة لكنه في حقيقة الأمر حين يكون جزءاً من مشروع التخلف ويستجيب سريعاً إلى فريق الذين نراهم مقبلين على المشاركة في الحكم أو رفض استقرار الدولة لكونهم أبعدوا من السلطة، علينا أن نجاهر في وجههم بقول الحق، لأننا رأيناهم في قيادة الشعوب أبشع من الحكاّم أنفسهم الذين لم يقولوا بالمشروع الإسلامي.

نشرت في الشروق الجزائرية في 6/2/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق