مطبات في”المطبات”

لا أعلم بالضبط ما الذي كان يدفعني دائماً للهروب من استحقاقات الكتابة في مسائل وموضوعات ثقافية رغم متابعتي النشطة لوقائع ومجريات ويوميات الثقافة إلى الحد الذي طغى فيه اهتمامي هذا على انشغالي الأكاديمي الصرف، لا بل أستطيع القول، مع بعض زملائي، أنه يسرقني منه في أحيان كثيرة.

مع ذلك، لطالما تربيت من الكتابة لعبء الكلمة ومسؤوليتها، ولحرص قد يكون مبالغاً به، على أن يكون ما يكتب يستحق فعلاً وقت القارئ، وإلا فلا، وقد يكون للأمر علاقة بكسل طبيعي ملازم للشخصية يتلطى وراء ذاك الحرص والتهيب، وإذا ما كانت ممانعتي السابقة قد صمدت ونجحت حتى وقت قريب في تمكيني من الإفلات من حصار محاولات عديدة،فإنّ الأمر اختلف هذه المرّة، فقد نجحت الرائعة روز في إخراجي من شرنقة الكسل والتسويف والتهيب. وأسلحتها كانت ماضية، فالمناسبة ذكرى رحيل مثقّف حقيقيّ من الطراز الرفيع، والموضوع هاجس يشغل حيزاً واسعاً من اهتمامي: المرأة.

وسأعمل على تعويض الفوات الزمانيّ، بإقامة حوار افتراضيّ مع بوعلي ياسين، لأرصد من خلاله المطبات التي وقع فيها في رصده للمطبات(1) على مسيرة تحرّر المرأة العربية، ولن أفترض في حواري الذي أتى متأخراً كثيراً أنّ بوعلي لم يتعوّد أن يسمع النقد إلا من الخصوم، كما يتّهم هو النساء، بل سآخذ موقعه عندما كشف عن تلك العثرات، وسأحاول النقد من موقع الصديقة والمعجبة بكتاباته، وبجرأته على اقتحام التابوات والإفساح عما هو مسكوت عنه في وضعية المرأة العربية، وفي الوقت نفسه من موقع المتحفّظ على بعض الأحكام المتسرّعة، وعلى الذاتية المتخفّية وراء قناع الثقافة التقدمية، والتي كثيراً ما أخلّت بالتحليل الرصين والموضوعيّ الذي لطالما رسم كتاباته.

أوّل مطبّ يقع فيه بوعلي، اتّهامه النساء بأنهنّ تعوّدن نيل المكتسبات على أطباق من ذهب، وأنّ لديهن رضا زائفاً عن الذات، داعياً المرأة عموماً إلى التخلّي عن ذلك، وعن موقع المتفرّجة على قتال الرجال المتنافسين للفوز بها، والنزول بنفسها إلى الساحة والقتال في سبيل حقوقها ليس مع النساء ضدّ الرجال ولا مع الرجال ضدّ النساء، بل مع كلّ من يريدها فاعلة في المجتمع، مضيئاً في ذلك شمعة في حالك الظلاميين الذين يريدون إعادتها إلى، أو إبقائها في، عصر الحريم.

وإذا ما كنت أوافق بوعلي على أن الحقوق تؤخذ ولا تعطى، وكذا الحريات، وأنّ كثيراُ منها نالته المرأة بالعطاء، كمنحة أو هبة من فوق، ما جعلها لا تدرك قيمتها لأنها لم تناضل في سبيلها، لكن بعضاً منها نالته بأظافرها وأسنانها، ما يعني خطر تعميم أنّ المرأة تقف موقف المتفرج حيال ذلك، وقد أتفهم، ولا أبرّر لبوعلي، صرخته تلك الصادرة عن نصير للمرأة بدأ يستشعر الخطر القادم من فريق يتهمه، مع أمثاله– بالخروج على الدين والأخلاق– وأحياناً الهوية… لكن بوعلي وهو يهيب بالمرأة التخلّي عن سلبيتها، معنّفاً، وناعتاً إياها باللاواعية، أو بالتي تمتلك وعياً زائفاً، إنما يفعل ذلك من موقع الذكر في المجتمع الأبويّ، الأكثر إدراكاً والأقوى والأعلى، الناصح والمرشد والموجّه.

ومن موقعه ذاك، لم يفهم– كما يقول– ردّات الفعل الغاضبة على ما كتبه، ويسمها بـ”الطفولية” ويعتريه إحساس بنكران الجميل من قبلها بعد أن ناصرها وشدّ أزرها وأخذ بيدها!!..

مع أنّ بوعلي لم ينس اتخاذ الاحتياطات العلمية والموضوعية المعتادة من نفي وجود نموذج نسائيّ ممثّل لجميع النساء العربيات، وحتى لغالبيتهن، وبأنّ للمرأة العربية نماذج وفئات ومراحل تاريخية وحضارية متفاوتة، وأنّها قطعت أشواطاً في مسيرة التحرر، لكن بالنسبة للبعض ما زالت تتأهب، أو هي بدأت بالسير.

ومن ثم يؤطّر دراسته بتحليل لنمط الإنتاج الذي بدأت معه الحضارة ليميّز مباشرة بين طريق نسوانيّ مساير وطريق رجاليّ مجابه، على حدّ قوله، موحياً أنّ مسألة المسايرة والمجابهة مسألة تتعلّق بطبيعة أزلية منذ الوجود الأوّل لكلّ من المرأة والرجل، فمع اعترافه بأنّ المرأة هي التي بدأت مسيرة الحضارة عبر اكتشاف الزراعة نتيجة انشغالها بالتقاط الثمار، وأتبعتها بتدجين الحيوانات، معلنة بداية العصر الأمومي وانتصار طريق اللقّاطة المستأنسة على طريق الصياد المقدام المجابهة، إذن هما منذ البداية يتسمان بطبيعتين مختلفتين، وبالتالي كل السمات والخصائص، ومن ثمّ الأدوار التي يقومان بها هي ثابتة، جوهرية، أزلية، ومن ثم أبدية، هكذا بضربة واحدة يقع بوعلي ليس في مطبّ، بل في هاوية إلغاء السياق التاريخي الاجتماعي الاقتصادي الذي يضفي خصائصه على مراحل بأكملها ويطبع بطابعه شخصيات الأفراد عبر الأدوار التي يلحقها بكل منهم والتي تتغير عادة بتغير المنظومة التي أنتجها.. مع أنه، أي بوعلي، يشير إلى أن الرجل هو من استثمر استئناس الطبيعة محوّلاً إياها لصالحه عبر إخضاع المرأة نفسها بتحديد فضائها وحركتها ضمن المنزل وما حوله، وبوصفها غير مؤهلة للمجابهة الخارجية سيما وأنها لم تشغل ذهنها يوماً للتغلّب على إشكالات العمل على حدّ قوله..

ولا نلبث إلا نسمعه واقعاً في مطبّ النطق بلسان المجتمع الذكوري الذي نظر إلى خروج المرأة عن إسار التقسيم التقليدي للعمل “غزواً” للفضاء الخارجي، المفترض أنه فضاء “رجالي” محض، نتج عنه اعتبارها ضيفة غير مرغوب فيها من قبل مالكي حقّ الاستعمال الحصري للمجالات العامة– الخارجية– مستغرباً أن هذا التغيير في المجال لم يصاحبه تغيير في علاقتها بالطبيعة إلا قليلاً، مسجلاً عليها ضعف علاقتها بالطبيعة دون أن تقوى علاقتها بالحضارة، متغاضياً عن حقيقة أنّ علاقتها تلك بالطبيعة– هذا في حال قبلنا توصيفه التعسّفي ذاك- استمرت آلافاً من السنين، وأن “غزوها” للمجال الجديد– الحضارة كما يسميه– ما يزال حديث العهد، فكيف سيصلح “عطار” السنوات المعدودة، ما أفسده “دهر” السنين المؤلفة؟ وكيف يمكن للمادي التاريخي أن يكون “لا تاريخياً”؟

ولا يكاد بوعلي يخرج من هذا المطبّ حتى يقع في آخر تجلّى في دعوته المرأة للوقوف في وجه تمادي الرجل في تدمير الطبيعة، فالمضمر في خطابه الايكولوجي هذا أنها بجوهرها الثابت تنتمي إلى هذه الطبيعة وهي مطالبة بالتالي بالدفاع عنها وحمايتها، ومن ثم فإن “غزوها” للمجال العام ومحاولتها الخروج من جلدها لن تغير من أمرها “الطبيعي” شيئاً، رغم أنه في موضع آخر يأخذ عليها، كما أشرنا، تغير علاقتها بتلك الطبيعة عبر سنوات قليلة مؤرخة لتقسيم العمل الجديد، هكذا، وبمنهج مماثل للمنهج الاستشراقي– الجوهراني– على المرأة واجب المحافظة على جوهرها النقي “الطبيعي” الذي خلقت به ولم تكتسبه عبر أنماط العمل الممارسة والشروط الاجتماعية والاقتصادية المنتجة والمرافقة لذلك، والتي تتغير عبر التاريخ وتغيره.

والأكثر غرابة وقوع بوعلي– اليساري العنيد– في مطب النظر إلى المرأة المفترض أنها نده وشريكته، بوصفها “مستهلكة” وليس أبداً منتجة.

المرأة التي تقوم بكل الأعمال المنزلية والتي تهيئ شروط استمرار الحياة، وتربي الأولاد، وتضطلع بالاقتصاد المنزلي، مقابل طعامها وسكنها ،”مجرد مستهلكة” بنظرة، كيف فات بوعلي أوجه الشبه بين وضع المرأة هذا وبين وضع العبيد في عصر الرق، وهو الفطن اللماح والقارئ المتمعن لأنماط التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية؟ ألم يدر بخلده سؤال عن سبب قلة إسهامات العبيد في انجازات الحضارة، كي يكف عن مطالبة المرأة بالمساهمة في الإجازات العلمية والتقنية، معيباً عليها تقصيرها في ذلك، غافلاً عن الحذاء الصيني الذي سجن عقلها فيه مكبلة بأصفاد دورها النمطي ضمن جدران تربيتها التقليدية.

يلتقط بوعلي بذكاء علاقة مفاهيم الجمال ومعاييره بالطبيعة والحضارة، فالرجل الجميل هو الأسمر الذي لوّحته الشمس، والمرأة الجميلة هي ناصعة البياض، انسجاماً مع الأدوار المعطاة لكل منهما، مرة أخرى، فإنّ المضمر في كلامه أن من لوحته الشمس صقلته الطبيعة وجعلته أقوى وأخشن، في مقابل تلك الناعمة التي “لا تعمل” لإنجابه وتتحدّى، وهذه لعمري مضامين لفهم “ذكوريّ” يكيّف الجمال وفقاً لمتطلباته، كيف غاب عن بوعلي أنّ علاقة المرأة والرجل بالطبيعة، وفقاً لما يذهب إليه هو نفسه، متشابهة تاريخياً، في حين أن معايير الجمال مختلفة ومتنوعة ونسبية بين الشعوب وغير متطابقة بالضرورة مع معاييرنا ومفهومنا للجمال؟

يلوم بوعلي المرأة العربية على لهاثها وراء جمال اصطناعي، داعياً إياها للاقتداء بالمرأة الغربية التي بدأت بنزع المساحيق وإظهار الجمال الطبيعي، مستنكراً وجود عدد كبير من الشقراوات الاصطناعيات في بلدنا أكثر مما هو في لندن، وإذا ما كان بوعلي هنا محقاً في توصيفه، إلا أنه يقع في مطبّ تجاهل أنها في ما يأخذه عليها تفعل ما تمليه عليها تنشئتها الاجتماعية التي لطالما عملت على قولبتها لتلبية المتطلبات الذكورية، ولتكون موضوعاً للإعجاب من قبل الذكر نراها تجهد في ابتكار الأساليب التي تعتقد أنها ترضيه وتجعله مكتفياً بها، إنها مع تحرّرها الظاهري بفعل التعليم والعمل، بقيت تقليدية في العمق، وبقي مشرعها الوحيد هو الظفر بزوج وإنجاب الأولاد، وهذه غاية لا تدانيها غاية، وفي سبيلها يهون كل غال ونفيس، وتتم التضحية على مذبحها بكل المشاريع الأخرى كنيل الشهادات العالية أو النجاح في العمل، هكذا تربت ونشأت وتأطرت، وهي تسلك بشكل منطقي ومنسجم مع تلك السيرورة، ولكن بشكل متناقض في سيرورة تحررها “الخارجي”. في المقابل منذ أن أصبح للمرأة الغربية مشروع حياتها الخاص، بمعزل عن الرجل أو معه، لا فرق، مشروع تحقق من خلاله وجودها وكينونتها بذاتها لا بغيرها، لم تعد مسألة المساحيق والتجميل مسألة ذات أهمية قصوى بالنسبة لها.

ولأن بوعلي تعرّض للتنميط المنهجي ذاته، لكن بمضمون مختلف ومعاكس فها هو، مع كل ما حصله من ثقافة ومع كل ما امتلكه من إرادة لتغيير ما بنفسه وما بالآخرين، يقع في مطبّ التمييز الجذريّ عندما يصرخ بأن دوافع الرجل للهجرة إلى المدينة كانت طلباً للعمل، كيف لا وهو، أي الرجل، في وعي بوعلي أو لاوعيه- لا فرق الإنسان العاقل الكامل ذو الغايات السامية والنبيلة والمتصدي للمهام الجسيمة– بينما كانت دوافع المرأة للهجرة صغيرة وسطحية وسخيفة مثلها، كالسعي وراء الراحة والانبهار بأضواء المدينة، هكذا، وكأن الأمر الواقع لم يكن على النقيض من ذلك، لقد هاجرت المرأة من الريف إلى المدينة مرغمة، تبعت زوجها أو ابنها أو أخاها أو أباها صاغرة، وانبهارها بأضواء المدينة لم يكن نتيجة طبيعية لتسطح اهتماماتها وقدراتها بقدر ما هو “صدمة” الحداثة، بعد أن حددت الأدوار التقليدية حركتها ضمن البيت وما حوله، وهو الأمر نفسه الذي يحدث للرجل عندما يهاجر إلى الغرب وينبهر بأضواء الحضارة الأوروبية أو الأمريكية.

ثم كيف للمرء أن يوافق مع بوعلي في أنّ ابتعاد الرجل عن الريف والزراعة كان محاولة للتقدم الحضاري، بينما كان ابتعاداً للمرأة عن الطبيعة دون تقدّم حضاري، أليس في هذا وقوع في مطبّ تمييز عنصريّ، فالرجل رجل والمرأة امرأة، هناك اختلاف جوهريّ في السلوك والشخصية والسمات، بحيث أن تعرض كل منهما للظروف ذاتها لا يعطي النتائج ذاتها بل نتائج مختلفة بسبب ذلك الاختلاف الماهوي؟ على ماذا نراهن إذن؟ أليس من الأفضل أن نكفي أنفسنا مشقة ذلك؟ فوفقاً لمنطق بوعلي علينا ألا نأمل في إحداث أي تغيير في هذه الوصفيات، لأنه سيكون خلافاً لطبيعة كل من الرجل والمرأة؟ إنها، أي المرأة، أقل وأدنى من أن يكون لديها طموح للتغيير وأقصى ما يمكن أن تحققه هو أن تتطبع بطابع الحضارة الاستهلاكي؟

ولا يخرج عن ذلك تحليله لأسباب خروج المرأة للعمل، والذي يوقعه في مطب هو العجب العجاب، فالمرأة تعمل إما للحاجة إلى دخل، ودليله على ذلك أنها تقعد عنه عند الكفاية، ما يعني أن الرجل يعمل بحكم طبيعته البشرية– العاقلة، ولا يقعد عن العمل عند الكفاية؟

أما المرأة، ذلك الكائن الذي لم يصل هذه المرتبة الراقية، فهو يعمل للضرورة فقط، وأحياناً، ووفقاً لبوعلي، لتغيير الجوّ بعيداً عن العمل المنزلي، أو للتسلية دفعاً للملل والخمول، فالمرأة امرأة لا تختلف باختلاف الفئات والطبقات، والعمل بالنسبة لها ليس أساسياً ولا ضرورياً.

لكن، كيف يمكن لبوعلي أن يستخدم هذا التوصيف المبسط– والسطحي ليقدم إدانته المضمرة للمرأة؟ إن المضي خطوة أعمق في التحليل كانت ستحيله إلى الأسباب الحقيقية لهذا النكوص عن العمل، وعدم رغبتها في التصدي لدور جديد متعلقة بكون التقسيم الجديد، بما أتاحه لها من أدوار، أضاف على كاهلها أعباء جديدة، في حين لم يحررها من الأعباء القديمة، وبوعلي إذ يقر بأن خروج المرأة إلى المجتمع والفضاء العام تطوّر إيجابي إلا أنه اقتصر في رأيه على تحسّن علاقتها بالعمل فقط، ولم يمتدّ إلى تحسين علاقتها بالمجتمع، فكيف يلومها على ما ليست مسؤولة عنه، ألا وهو عدم تقبل المجتمع بالأساس لدورها الجديد، وأيضاً، عدم تهيئها للتكيف مع متطلبات هذا الدور.

ولعلّ هذا أمرٌ منطقياً ومتوقّعٌ في كلّ المراحل الانتقالية، سيما وأنّ عهدها دخلته وهي محملة بأثقال ورواسب أدوارها التقليدية، وتنشئتها كذلك، التي أعدتها للعمل المأجور داخل المنزل وما حوله ولحساب الأسرة، وهو الأمر الذي مارسته واعتادت عليه عبر آلاف السنين.

وفي متابعة رصده للتغيرات التي طرأت على حياة المرأة جراء عملية تحرّرها والتي يفهم من عباراته أنها أنجزت وتمّت، يتابع بوعلي تشكّل النموذج الأسري الجديد إثر الاستقلال الاقتصادي للأبناء وما ترتب على ذلك من تراجع لنمط الأسرة الممتدة بكل بناها وعلاقاتها، لصالح بنية جديدة مكنت المرأة بالانفراد بزوجها وأولادها، والاستمتاع بسلطتها على منزلها التي لم تكن لتحصل عليها إلا عندما تصبح”حماة”، هذا التغير الذي يرى فيه بوعلي دعماً للتطور الرأسمالي، وفي الوقت نفسه يقع في مطبّ تحميل المرأة مسؤوليته، مختزلاً بها كل العوامل الاقتصادية والاجتماعية… الخ، قافزاً دفعة واحدة إلى القول بأنها انتزعت زوجها من بيت أهله كالشعرة من العجين، وفي هذا مجافاة صارخة للمنطق والواقع، وهو لا يكتفي بذلك بل يندفع إلى موقف الشماتة بها لأنها خسرت علاقاتها ببنات جنسها مقابل ما كسبته من استقلالية وسلطة على بيتها، وناكصاً بنوستالجية لا تنسجم مع خلفيته الثقافية، لكنها تنسجم مع وعيه الذكوري، مسترجعاً العلاقات الطيبة التي كانت سائدة بين المرأة ونساء القرية، متناسياً أن ذلك يعود إلى طبيعة العلاقات المنفتحة في الريف والتي تفرضها أنماط العمل السائدة فيه وعلاقات القربى… الخ.

مرة أخرى، يقع بوعلي في مطبّ إدانة محاولات المرأة في النمط الأسريّ الجديد الاحتفاظ بالزوج في البيت عبر اختراع”حجج وهمية”لمنعه من”ممارسة حقه”في الالتقاء بأصدقائه. والحجج التي يراها وهمية هي الاهتمام بالأولاد وعدم رغبتها بالبقاء وحيدة… الخ، هكذا يرى بوعلي أن من واجب المرأة الاهتمام بالبيت والبقاء فيه والعناية بالأولاد وترك الزوج ليتفرغ لعلاقاته بأصدقائه، بينما هي بلا صداقات الآن، ألم يعيب عليها ذلك قبل قليل ؟ حسناً، إن كلاً منهما، الرجل والمرأة، يحاول في النمط الأسري الجديد الاستفادة القصوى من ميزاته مع الاحتفاظ أيضاً بميزات النمط القديم، والهروب عبر ذلك من الالتزامات التي يفرضها النمط الجديد. يدافع بوعلي عن موقفه غير المبرّر بالتذرّع بأنّ بقاء الزوجين في المنزل معاً يسبب الملل والخلافات، ومن ثمّ يخلص إلى أنّ الرجل يجب أن يخرج من البيت، والمرأة ينبغي أن تبقى، ويا لبؤس نتيجة كهذه تصل إلى سجن المرأة ضمن جدران أربعة بعد أن خسرت في المدينة ذلك الفضاء المفتوح في الريف، وتلك الإمكانية الواسعة للتواصل مع الآخرين التي تفتقر إليها المدينة حيث الآخر هنا وتلقائية، وفي هذا عودة أكثر قسوة للتقسيم الاجتماعي القديم الجديد إلى فضاء داخلي خاص بالمرأة. وفضاء خارجي مفتوح للرجل.

وفي هذا دحض لمقولة بوعلي السابقة بأنّ المرأة صممت عن وعي وقصد هجر مجتمعها “النسائي”، وإنما فرضت بفعل التغيرات التي طرأت على بنية الأسرة والتي كان على المرأة مواكبتها، وإذا ما كانت كما يقول بوعلي لا تدرك حاجة الرجل إلى مجتمع الرجال الذي عاشه أسلافه آلاف السنين، فلماذا لا يدرك هو حاجتها إلى مجتمعها الجديد المشترك معاً، أم أن إمكانية ذلك غير واردة والمطلوب الإبقاء على ذلك الفصل المنبوذ حداثياً بين حرملك وسلملك حتى اتخذ أشكالاً مختلفة وجديدة.

بالنوستالجيا المشار إليها آنفاً، يقع بوعلي في مطبّ الادّعاء بأنّ تربية الأسرة القديمة– الممتدّة للأولاد أفضل وأسلم برأيه نظراً لاشتراك أشخاص عديدين فيها، هكذا، يطيح بوعلي بعبارة واحدة بكل الدراسات والأبحاث التي رصدت وكشفت عيوب التربية التقليدية ذات العلاقات العمودية المبينة على قيم الرضوخ والطاعة والامتثال، وتأثير كل ذلك في إنتاج شخصيات ضعيفة هشة مطيعة وصاغرة تجاه من هو أعلى منها، ومتسلطة وقاسية وعنيفة وآمرة تجاه من هو أدنى منها، وذلك غيض من فيض مما يسود في بنى المجتمع الأبوي المستحدث.

المطبّ الجديد الذي يقع فيه بوعلي يتمثل في تحسره على فقدان أسرة “أهل” الزوج مكانتها في منزل الأسرة الجديدة لصالح أهل الزوجة كما يقول، آخذاً على المرأة اقتصار ولاءاتها على أسرتها الصغيرة، متهماً إياها بالأنانية الأسروية في مقابل الموضوعية الاجتماعية التي يتمتع بها الرجل.

فالمرأة ما تزال برأيه تابعة فكرياً وعاطفياً للرجل، ضعيفة الولاء لمجتمعها، لا تعير الشأن العام والقضايا السياسية أدنى اهتمام، وموقفها إزاءها موقف تابع للرجل، لا تقرأ من الصحف إلا ما يفيدها في زينتها ومنزلها ولقتل الوقت فقط، ولا تقتني من الكتب إلا كيف الغرام والكتب السطحية، وإذا ما كان بوعلي هنا يقدّم توصيفاً يقترب كثيراً من الواقع، لكنه كالعادة، لا يمضي إلى أبعد من ذلك ليتقص الأسباب التي تقبع في قلب الذهنية الثقافية السائدة وعلاقات المجتمع الأبوي والأدوار المتاحة بكل من الرجل والمرأة فيه والملقنة عبر أساليب التنشئة الاجتماعية المعتمدة، والتي احتفظت بفاعليتها وصلاحيتها رغم اقتحام آليات الحداثة مفاصل الحياة المختلفة من التعليم إلى العمل فالأسرة التي لم تستطع النفاذ إلى العمق وبقيت تأثيراتها على السطح. منتجة امرأة ورجل تقليديين في الجوهر، حداثيين في الشكل، فالأنثى ظلت تربّى على أن الرجل هو محور حياتها،ـ وإسعاده وإنجاب الأولاد له مهمّتها الأساسية التي لا تعادلها مهمّة، وتتآزر هذه المهمّة مع آليات التعويض المجتمعية التي تضفي هالة مقدّسة على أدوار الأمّ عبر رفعها إلى مرتبة أسطورية، يجعل المرأة تشعر بالرضا، وتندفع بكل طواعية إلى تنفيذ ما هو مطلوب منها.

والرجل أيضاً لم يتغير، ما زالت نظرته إلى المرأة تختزلها إلى جسد، وما يزال تعامله معها محصوراً ضمن الصور التقليدية والأدوار النمطية، وما زال حتى الآن ينظر إلى اهتمام المرأة بالشأن العام تدخلاً فيما لا يعنيها، وما ليست مؤهلة له بوصفه عالماً ذكورياً بامتياز.

ومن الأدلة التي يسوقها بوعلي على ضعف ولاءات المرأة الحديثة علاقتها بالعمل خارج المنزل، حيث يتهمها بأنها أقل إبداعاً لضعف الاهتمام، وأنها أقل طموحاً لعدم ثقتها بنفسها أمام الرجل ولأنها لا تجد فيه تحقيقاً لطموحاتها التي تنحصر في الزواج وبناء أسرة، ومن ثم فهو يرى أنها أقل استعداداً للتضحية في سبيل الشأن العام – والعمل من ضمنه، ومع أنه يعترف بقدرتها الكبيرة على العطاء، لكنها لا تبذل جهداً في عملها إلا خوفاً من عقوبة أو تحقيقاً لمكسب مادي، ومن ثم فهي تفخر بجمالها بدلاً من أن تفخر بإتقانها لعملها ونجاحها فيه، تستغل وقت العمل لمصلحة بيتها (تحضير الواجبات وتبادل الخبرات المنزلية)، وتلجأ إلى التمارض للحصول على تقارير طبية دون أدنى تأنيب للضمير، ولا يحتاج المرء هنا إلى كبير عناء ليتأكد من صحة ما يورده بوعلي هنا، لكنه ولمرة إضافية أخرى، لا يسأل نفسه لماذا هي على هذا النحو، وبالتأكيد لن تستعصي الإجابة عليه، فالمسألة لا تتعلق فقط بأن الحدود ملتبسة عندها بين العام والخاص، لحداثة عهدها بالأول وطول عهدها بالثاني، بل أيضاً لأنها تدخل مجال العمل خارج المنزل وهي مثقلة بأعباء دورها التقليدي الذي يتركها منهكة جسدياً ومشغولة ذهنياً بتلك الأعباء المتجددة يومياً، وبالتالي، كيف ستتمكن من إخلاصها لعملها الجديد وبذل الجهد فيه بعد استنفاذ طاقاتها وقواها، وهي فيما إذا فعلت ذلك، ستعد خائنة لدورها “المقدس” فالمجتمع والرجل قبل بعملها مضطراً شرط ألا يتعارض مع دورها كأم وكزوجة، وهو سيتعارض بالضرورة طالما أن أدوارها التقليدية خاصة تربية الأطفال والأعمال المنزلية ينظر إليها على أنها أدوارها لوحدها فقط، وأدوارها الوحيدة أيضاً، فهي عندما تعود مع زوجها من العمل، يتّكئ “سي السيد” على الأريكة لمطالعة الصحف بينما تهرول المرأة إلى المطبخ لإعداد الطعام، وبعده يذهب هو للنوم آمراً بعدم الإزعاج، وسيكون عليها العودة إلى المطبخ وإنجاز المهام المنزلية الباقية والاعتناء بدراسة الأولاد وضبطهم كي لا يزعجوا “الوالد المستريح”، فكيف ستتمكن بعد كل ذلك من أن تبذل جهداً إضافياً في عملها، أو حتى أساسياً؟!

وإذا ما كان بوعلي يرى بأن وضع المرأة الجديد يتطلب منها مشاركة الرجل بقضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية، وهذا مطلب حقّ، فإنه ينسى في الوقت نفسه أن وضعها الجديد يفرض على الرجل مشاركتها في كل أعباء أدوارها النمطية والتقليدية، مما يتطلب توزيعاً تشاركياً لهذه الأعباء بما يسمح لكل منهما بمتسع من الوقت والجهد لتكريسه للعمل خارج المنزل. لكن بوعلي لا يرى ذلك، بل على العكس، يعلن بالفم الملآن، موقعاً نفسه في مطبّ جديد، بأنه لا يطلب من المرأة أبداً ترك الطبخ وإهمال البيت وعدم العناية بالأطفال ونبذ الزينة، بل يريد منها، بالتوازي مع كل ذلك، تكوين آراء وتنمية مهارات ومتابعة هوايات وخلق اهتمامات عامة بدلاً من الأحاديث التافهة والقراءات السطحية والهموم البيئية المزمنة والنزعة الاستهلاكية، ماذا يفعل بوعلي هنا، إنه فقط يلقيها في اليمّ مكتوفة ويطلب منها ألا تبتلّ بالماء (ما أسهل هذا المطلب، وما أهون تحقيقه، إنها فقط بحاجة إلى أن تكون سوبر إنسان لكي تستطيع فعل ذلك بإتقان ونجاح، وليتسنّى لها تقديم أوراق اعتمادها إلى المنظومة الحداثية التي يحرس بواباتها الرجال دون أن يدخلوا هم أنفسهم إليها).

ها هو بوعلي يبرّر رفض المجتمع الذكوري لعمل المرأة نافياً أن يكون ذلك من باب التعصب “الرجالي”، فهو يرى بعيون أبناء جنسه أن وجودها “يلطّف الأجواء”. هكذا !! بما أنها روح لطيف وكائن جميل، وليست بالضرورة كائناً بشرياً عاقلاً، إنها موضوع جسدي وليست ذاتاً، وهذا لعمري مطب أوقع نفسه فيه لا يدانيه أو يوازيه أي مطب آخر.. وفي السياق ذاته يرى أن رفض المجتمع لعمل المرأة هو سبب تدنّي إنتاجيتها، مما يجعل مسألة الاعتماد عليها صعبة في زحمة العمل والملمات، وكالعادة، لا يتعب بوعلي نفسه في السؤال الأبعد عما يكمن وراء هذا الواقع، وهي أمور كنا قد ألمحنا إليها في مواضع سابقة وتتمحور حول أن انشغالها الأساسي إنما هو بأسرتها، والدليل على ذلك أنها أحياناً قبل الزواج، وأحياناً بعد التحرر من الأعباء والالتزامات الأسرية– في سنوات ما بعد الخمسين تتحسن إلى حدّ كبير علاقتها بالعمل، وقد خرجت دراسة أجريت مؤخّراً حول النساء المتميزات بنتائج تؤيد قولنا هذا، حيث بينت أن الغالبية العظمى من هامة النساء كن إما عازبات (عانسات) أو أرامل ومطلقات وتتراوح أعمارهن بين 50– 60. بعبارة أخرى، هن نساء متحررات إلى حدّ كبير من أعباء المنظومة الأبوية ومتطلباتها….

يتساءل بوعلي مندهشاً، أو ربما مستنكراً، ما الذي بقي على المرأة انجازه من أعمال المنزل، بعد وجود كل هذه التسهيلات التقنية التي حررتها من تلك الأعباء، بحيث لم تعد مضطرة برأيه لقضاء وقت طويل لانجاز مهامها المنزلية، فهل فعلاً لم ينتبه إلى أن الأدوات الكهربائية والتقنيات الحديثة هي إحدى سمات الحياة العصرية التي سلبت من المرأة بيد، راحة كانت قد أعطتها إياها باليد الأخرى، فكثرة تجهيزات المنزل الحديث وتعقيدها وتشعب متطلبات الحياة أضافت أعباء جديدة أكثر من تلك التي أزيحت بفعل التطور، فالحمام أصبح يومياً وكذلك الغسيل بعد أن كان أسبوعياً أو نصف شهري، وعدد الواجبات ازداد وطرق تقديمها وعدد أصنافها وطرأت عملية الكوي وتلميع البلاط والبورسلان وزجاج الواجهات…….الخ.

ومن ثم اعتقد أنه لم يكن عليه أن يقع في مطبّ الشكوى من شكوى المرأة وتذمّرها من ضيق الوقت بصفها شكوى وهمية برأيه، وناجمة عن سوء تدبير للمرأة التي تصرف وقتها في انشغالات غير ضرورية “وهوسية” على حد تعبيره، كالاهتمام المسرف بالنظافة والأولاد مدرجاً ذلك في باب التظاهر، رغم أنه قد يكون من باب حرصها على أهمية ما تقوم به وكثرته كآلية دفاعية في وجه ثقافة سائدة تجعل من عمل المرأة المنزلي وملحقاته عملاً غير ذي شأن.. ومن ثم كان بإمكانه توفير بكائيته غير المبررة على فقدان المرأة لمهارات جدّتها التي كانت تشغل وقتها بكل ما فيه من مفيد ونافع، كعجن العجين وخبزه وتربية النحل والقز والغزل ونسج البسط وتصنيع المحفوظات الغذائية…. الخ. ولأنّ المرأة العصرية لم تعد تفعل ذلك فقد أصبحت بنظر بوعلي متخلّفة جداً، غافلاً عن أنّ التطورات الاقتصادية جعلت من أنماط العمل تلك غير مجزية وغير ضرورية اجتماعياً.

وبرصد دقيق لكنه غير عميق، ينزلق إلى مطبّ التوصيف دون التحليل، يرى بوعلي أن مجالات النفاذ التي دخلت منها المرأة إلى الفضاء الاجتماعي، هي تلك التي تتصف بسهولة الولوج وتؤمن لها الراحة النفسية، ولا تتطلب جهداً ووقتاً طويلين يبعدانها عن المنزل.. كالتعليم والأعمال المكتبية والتمريض.

وأعتقد أن بوعلي يعلم تماماً أنها لم تدخل إلى هذه المهن بإرادتها الواعية، بل استطيع القول أنها دفعت إلى ذلك شبه مرغمة، بوصف الأعمال المذكورة هي الأقل تعارضاً مع دورها المقدس، أو بوصفها استطالات له، وهو ما جعلتها تنشئتها الاجتماعية وتربيتها مستعدة بشكل جيد له..

وفي إشارة لمّاحة ومبكّرة، انتبه بوعلي إلى المخاطر التي ستنجم عن تأنيث التعليم، لكنه اقتصر على التنبيه إلى مخاطره وتأثيره على توازن شخصية الطفل عبر إقصاء الدور “الرجالي”، فكما أنّ التربية تحتاج إلى الأب والأم معاً، كذلك التعليم يحتاج إلى المعلم والمعلمة معاً، لكن بوعلي وقع هنا في مطبّ إغفال أن توجّه المرأة– أو توجيهها – للعمل في التعليم ليس مرتبطاً بمقدرتها أو استعداداتها، بقدر ما هو تكريس لأدوارها التقليدية وامتداد له، والمتمحورة حول تربية الأطفال عدا عن أن التعليم أحد أكثر المجالات التي يتسامح المجتمع ويشجع المرأة على العمل فيها، خاصة وأن هذا الخروج للفضاء العام لا يتضمن اختلاطاً إلا فيما ندر مع الرجال، فضلاً عن الحيز الكبير من الوقت الذي يعطيه للمرأة عبر العطلة الصيفية والانتصافية، وعدد ساعات الدوام المحدودة، وهي مميزات تتيح لها المواءمة بين متطلبات العمل الجديد ومتطلبات عملها التقليدي في المنزل، وهذا عزّ الطلب !!

وفي السياق ذاته يأتي تشجيع المرأة على مجالات عمل محددة بوصفها تتناسب مع طبيعتها (الناعمة– الجميلة) كأعمال السكرتاريا والمهن المكتبية، أو بوصفها تناسب طبيعتها (الحنونة والعاطفية) كالتمريض، وهنا يتساءل بوعلي محقاً– إذا كان الأمر كذلك فلم لا يتمّ تشجيع المرأة على مهنة الطبّ وهي أيضاً مهنة إنسانية لا تقل عن التمريض في هذا المجال! أم أن إنسانية التمريض تقتصر على الجهد الجسدي– الخدمي– والوجه الجميل واللمسة الناعمة. أما إنسانية الطب فتتجلّى في العمل العقليّ، ولذلك فإنّ هذه الرجال وتلك النساء!! وانطلاقاً من نظرته الصائبة هذه، يخرج بوعلي من عباءته الذكورية ليعلن أنّ كل مجالات العمل يجب أن تكون متاحة للمرأة دون تمييز، شرط التأهيل والتدريب، داعياً إياها بجرأة إلى مقاومة محاولات المجتمع الذكوري، من موقع وصائي منع المرأة من بعض الأعمال بدعوى الحرص عليها، مطالباً إياها أن تكفّ عن سرورها “الساذج” بقوائم المنع الطويلة التي تصدرها الجهات الوصائية، كوزارة الشؤون الاجتماعية، والتي تحظر على المرأة العمل فيها بالحجّة إياها: الحرص، ومراعاة الخصوصية الجسدية، والظروف الاجتماعية… الخ.

لن يطيل بوعلي مكوثه في موقعه التقدّمي هذا، إذ سرعان ما يعود إلى عباءته الذكورية سالماً، وبوحي مباشر منها يقع في مطبّ القول بأنّ المرأة لأنها تعودت أن يعيلها الرجل فإنها عندما عملت بأجر وقعت في أعذار الاحتفاظ بأجرها، وحصر مشاركتها في الإنفاق على أمور هامشية، متهماً إياها بأنها تساهم بذلك في إدامة “النظام العائلي العتيق” كما يسميه، والذي يبقى الرجل في موقع السلطة عبر الاحتفاظ بمسؤوليته الاقتصادية عن الإنفاق على الأسرة، وإذا ما كان الجزء الأخير من قوله صحيحاً، فإن المقدمة التي انطلق منها تنطوي على مغالطة صارخة، فهل يعتقد بوعلي حقاً أن الرجل يعيل المرأة، وهل هو ينفق عليها؟! حتى لو لم تكن تعمل بأجرها خارج المنزل فإنها تعمل داخل ولصالح الأسرة طيلة فترات حياتها بنتاً وأختاً وزوجة وأمّا، ولا تنال مقابل عملها هذا إلا ما كان يناله العبيد مقابل جهدهم: الطعام والمأوى.

وإذا ما كان بوعلي محقاً في الاستنتاج بأن تمسكها بدخلها يوقعها في تناقض مع مطلبها في التحرر والمساواة، داعمة بذلك، من حيث لا تدري أنصار اللامساواة ومؤيدي سلطة الزوج– الذكر– بحجة الإعالة والإنفا، فإنّه يقع هنا في مطبّ تجاهل السبب الكامن وراء سلوكها هذا، وهو شعورها الطاغي بعدم الأمان في حياتها، ورغبتها في ادّخار أجرها لحمايتها من غدر الزمان أو الزوج. كالترمّل أو الطلاق أو الزواج من ثانية. سيما وأنّ القوانين المرعبة لا تلحظ لها حقاً في أيّ شيء تمتلكه الأسرة بعد الزواج ونتيجة الحياة المشتركة، كما تفعل الكثير من القوانين في بلدان أخرى.

وأعتقد أن بوعلي كان سيوافق معي بأنّ وجود تشريعات تحفظ لها حقوقها سيجعل الوضع مختلفاً، سواء من حيث رغبتها في الاستئثار بدخلها، أو حتى موافقتها غير المفهومة على استمرار مؤسّسة المهر الذي يختزلها– بمعجّله ومؤجله– إلى سلعة قابلة للبيع والشراء، وللتعويض مقابل حق الاستخدام.

هكذا هي المرأة في الوعي الذكوري، وهذه الصورة المقدّمة تفصح عن أزمة حقيقية تصوّره رغم التأييد اللفظي والدعم الشكلي وبعض الإلمامات هنا وهناك، إنها في وعي هذا الوعي سطحية التفكير ساذجة، تنشغل بأمور تافهة، ألم يعلمها المجتمع أنّ القضايا الكبيرة والهامّة ليست من شأنها، ولا من اختصاصها، وأنّ لها أدواراً محددة وفضاءً خاصّاً عليها أن تمضي حياتها في النوسان بينها، فكيف لنا بعد ذلك انتقادها على إعادة إنتاجها للأنماط التقليدية عندما تربّي أولادها: الذكر على أن يكون رجلاً كأبيه متميّزاً على أخواته ومتفوّقاً عليهن، والأنثى على التكيّف مع الواقع المفروض عليها وعلى طاعة الزوج وإرضائه، وعلى جعل مشروع الزواج مشروع حياتها والتحدّي الأساس الذي يختزل وجودها بوصفها كائناً بغيرها بذاتها، إنها فعلاً تعيد إنتاج ظروف اضطهادها وتخلّفها وتحارب قضيتها من حيث لا تدري، ها هي تصرّ على إنجاب الذكور ظنّاً منها أنّها بذلك تؤمّن حماية نفسها، ولعلّها في قرارة نفسها لا تريد إناثاً.

سيتعرّض لمعاناة شبيهة بمعاناتها، إنّها باحثة دائمة عن هذا الأمان من موقع وعيها الزائف بقدراتها والغائب بحقوقها، تبحث عنه من زوج أكبر سناً وأعلى مركزاً، في اعتراف ضمني بعلوّ شأن الرجل وهذا ما يأخذه بوعلي عليها رغم علمها وعملها، ولا يأخذ على الرجل في الوقت نفسه رغم علمه وعمله وبحثه عن زوجة أصغر سناً وأقلّ شأناً وعلماً منه، ويتسامح بل يسعى إلى أن تكون أكثر جمالاً منه، لأنه في قرارة نفسه وأعماق وعيه يريدها جسداً فقط، جسد يتمتع ويحمل وينجب ويخدم، وليس عقلاً يفكر ونداً يشارك ويناقش، يقبل ويرفض، يعي ويفهم…

وأعتقد أننا الأمور لن تصلح والمطبّات لن تزول في مسيرة تحرّر المرأة العربية إلا بتحرّر وعي كلّ من المرأة والرجل من قيود الصورة التقليدية لكل منهما عن الآخر، بما يؤمّن لكلّ منهما سهولة الولوج في المنظومة الحداثية والخلاص من عسر الانسلاخ من المنظومات القديمة.

لا أعلم إلى أيّ حدّ كان بوعلي سيوافقني على ما أوردته، ولا كم مطبّا كان سيرصد وقوعي فيه.

بوعلي تحيّة لروحك في ذكراها العطرة.

{{هامش:}}
1- إشارة إلى عنوان مقالة بوعلي ياسين “مطبّات في مسيرة المرأة العربية على طريق التحرر والمساواة” المنشورة في كتابه أزمة المرأة في المجتمع الذكوري، دار الحوار، ط1 1992.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق