مطبخ الروح / بقلم وائل عبد الفتاح

على باب المطبخ قُتلت. تركت روحها وسافرت.

على باب المطبخ بصمات مشاعرها ساخنة. تلمسني كلما تركت رائحة القهوة. تتجول الرائحة تتسلق جسدها الذي يبحث عن قاتل، والقاتل يمدد ساقه بجوار كلب شوارع، يضع ذيله بين فخذيه، ويطلق نباحه متقطعا. الكلب مشتاق، مثله، الى ما لا يعرفه.

‫…

الطبّاخ يرشق سكينته، ويواصل السفر.

القاتل يسعده دفء كوب الشاي، ويلمس عن بعد وجهها، المتحول الى جمال مرسوم على مقابر الفيوم.

‫…

الوقوف هنا بجوار ماء ينتظر العدس. يذوب في قائمة أملتها أمي وأضافت عليها توابل واعشاباً، في وصفات سارت مع رحلات العابرين. ‫الوقوف ايضا في انتظار ذوبان العسل الاسود في نسيج مذبوح بعناية من بقرة نامت ببطء في اليوم السابق على تحولها امامي موضوعا منتظرا للمتعة. النار توقظ الدفاع عن الحياة، تلسع الرغبة النائمة وتقتل بردا تسرب الى الروح. تتسلق هي الدواليب لتبقى هناك بزيارات عجولة ورغبة في قتل الجوع. اول قبلة عادةً، تشعلها الحواس المركونة بين العلب الزجاجية والخضر المتناثر على طاولات السعيد بوحدته. هل ستعصر طبيخك يدويا؟ كل هذه الاجهزة الحديثة، توقظ شهوة الى الطبيعة.

للمطبخ روح خضراء، بلون ليمون مشحون بالوعود، يأتي في الربيع انتفاخاته، تثير زهوة فرح بالصحة، وسعادة طفولتها مع العسل. لا تنتظر الشوكولاته طويلا، تقتحم، تفتح الباب عارية، زهرتها زنبق، تنام أوراقه، في انتظار لمسة حنان. تتفتح بهجتها الخطرة، الزنبق يتوحش.

الشوكولاتة تنزلق بجوار اعصاب ملتهبة، تغوص في سيارتها وتدور بعنف في المدينة، دوراناً كلما زادت سرعته اختفت هي من اعين المتلصصين، وطارت الى باب المطبخ. ‫ثرثرة أمي ترتب المطبخ بطريقتها، تضع التوابل مشحونة بنعيم الاستقرار، بينما توابلي متحمسة، لايقاظ كل ما نام من سنين.

لا تنسي الزنجبيل

دواء الروح المحشورة في جسد متعب

تبني مناعةً تمزقت في التوافق مع الطعام الصحي للعائلة.

‫لا تنساه

مخلوطا بالليمون

وبين اجنحة دجاجة

وعلى سطح يغلي بخلطة الخضروات

لسعة الزنجبيل لن تقتلك

مثل الثوم

بعد الخبرة الاولى يترك جسمك قائمة المستأنسين الى غير رجعة. ضعه على الويسكي، جرّبه في الحلوى او بين المشروب الثلاثي مع القرفة والليمون او الحليب. ‫لا تتركه على الرف طويلا. هو علامة تحولاتك.

وكما أصبحت بعد السيجارة شخصاً لا يشبه من كان قبلها، يمنحك الزنجبيل جسما جديدا. الطبّاخ الغجري علّق رسالته بالسكّين، رشق فيها وصفات للقلوب المشتعلة والطاقات المتجددة، لم يعرف “بسبوسة” اليأس، ولا اثارت ضحكته كما فعلت مع صاحبنا الذي ترك حطامه على باب المصعد، واختلى بضحكته في حجرة امه.

لم يفعل مثلنا.

نهرب من رائحة مطابخ تطمئن القطط الاليفة. الصبية الحلوة تدنو من بخار تمسح فيه وجهها. سنوات عمرها امامي على طاولة مزدحمة، الشبت الاخضر يغريها بقتل اشباحها الرائحة. وحدها تقتل الخوف. تدعوني من جديد لاحتضان زنبقها، أوراقها ناعسة، تصدمها ارتجافات الندى، تشهق شهقتها الأولى مرات عدة، تخاف من الثانية، تكتفي بالوقوف بين شهقتين، تضع الهتها في مقلاة، زيتها ساخن، تراها اكثر نضجا هنا على حواف باذنجانة مغرمة بالثوم المفروم. صحنها مضحك بالالهة المقلية، وديكور الطماطم والبقدونس، تصلّي على زجاجة النبيذ ليتبخر الكحول. يتوقف الزمن لحظة كأنها تنتظر نيتشه على العشاء.

نيتشه يلهو مع الله على قميص اشتريته من باريس، كل منهما يعلن موت الآخر بزهو يفسد حفلتنا.

 

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية 21/8/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق