معادلات الهباء والنور “في ذكرى سنة علي غياب صخر فرزات”

ها هي ذي الدائرة الأولي تُتِمّ اليوم مدارها الأول، علي خط لولبيّ حول محور الزمن. تماهياتٌ متراكمة في الروح تمهّد لعبير النور دون أن ينجلي سرُّها. ضباب نظراتك الأخيرة ما زال ملتصقاً بوجهي. فقدتُ كلَّ أشكالك السابقة، كلَّ تعبير سكنَ وجهك خلال حياتنا الطويلة المشتركة. أجل، فقدته يا صخر، يبدو أن ذاكرتي تضيق فلا تتسع الآن إلا لوجهك هنيهة الموت. عضلاتك الصغيرة تحتلها بواكير سلام أصمّ، خط أنفك الذي نال إعجابي ذات يومٍ، يومٍ بعيد، وما توقفت بعدها عن مداعبته، جبينك الذي اتسع مع الزمن لاحتضان الأفلاك والعواصف، نظراتك المُنسلّة من وَمَدِ الاحتضار لتغيب في وجهي. كنت تتأملني بوداعة خارقة. أكنتَ تحبني إلي هذا الحد، لترتشف كامل وجهي وتحمله إلي مرايا الكون؟ لتسبيهِ فلا أعود أتلمس مكانه إلا صفيحةً من الزبد الحائر؟ وكان عليَّ اختراعه من جديد، وجهاً آخر لا يشبه ذاك الذي حملتَه معك، ولأنه كذلك، كان عليّ أن أسْتتمّه ضمن معادلات تسَلسَلتْ بعدك دون هوادة، معادلات علمتني كيف أَقْشِر الأثير، كيف أحيكُ أليافَ الصّوان، كيف استنزِفُ عصارة الفناء من شقائق النعمان.

أتأمل أصابعي، أتأمل تغضن العقد السُلامية، وأفكر، كيف كانت عاجزة عن استبقاء آخر غيوم الروح لمنعها من المغادرة وانتشالها إلي الحياة من جديد. تلك الأصابع التي كانت تُمسِّد محور صَدرِكَ، لم أدرك لحظتها أنها الحركة الأخيرة لحنان لا يمكن أن يتجدد علي محور آخر. أصابع تناسجت برهة مع غيوم صغيرة سرعان ما تلاشتْ بلمحة واحدة.

ظننتُ يا صخر أنها مزحة من مزحاتك التي أَهِلَت بها حياتُنا. أيمكن أن تختار ليلة الخسوف لتستوطن الغياب؟ قلتُ لنفسي: ها هو يستوحي كسوفي لِيُمازحني. الآن أبتسم وأفكر كيف كنتَ دقيقاً حتي في آخر لحظاتك، عكستَ أدوارَ الشمسِ والقمرِ والأرض بدقةِ الفِرجار علي صفحة الغياب. وما كنت أعرف أن هذا الخسوف يورثني كسوفاً أحضن فيه صاعقة الموت بين أزهار لاحمة ونكهة فردوس ناءٍ أتنشقها في الغياب. فكم كنتَ، وحتي آخر لحظة، كريماً معي كما عهدُكَ دائماً. أجل يا صخر! قدّمتَ لي دائماً ما لم أكُن أنتظر.

تحدثنا كثيراً عن الموت في السنوات الأخيرة. أتذكُر؟ كان لكل منا مفهوم مختلف، كنت أري في الموت عودة مطمئنة إلي الكون، توحُّداً بعناصره، استمراراً لتجربة الوجود في الأقاليم الغيبية دون أي هامش دينيّ أرضي، وجوداً متجدداً لمادةٍ وطاقةٍ في صيرورة الكون. وكان، في نظركَ، نهايةً تُوقِفُ سَيْرَ الحياة التي عشقتَها دائماً، بكل متعها الحسية والروحية. كنت أظن أن هذا الشعور يحرجك بينك وبين نفسك، كنت أحسب أنك تهرب منه فأتحايلُ عليك بلهويَ التأمليّ الذي كان يريحك أيضاً ويشعرك بالطمأنينة. أتأمل الآن لوحاتك الزاخرة بعوالم الصمت الآخر، الصمت المطلق القابل لاحتضان الموسيقي الكونية، أجل!… الآن أفهمك أكثر، ولكن ما فائدة أن أفهمك أكثر بعد الغياب؟ أفهم أكثر أن روحك أمام اللوحة البيضاء كانت روحاً عارية تريد اقتناص المطلق… في هذا الهروب إلي الداخل، وفي هذا الانتشار خارج الإطار. حركة في اتجاهين متعاكسين تعري أمامي رقرقة الوجود في الصيرورة العطشي. فما فائدة الكلمات التي تبادلناها، ولوحاتُك المحقونة بالاختزال تمهدّ لهذا التوحّد؟ أجل يا صخر ! كنتَ دائماً مع التوحّد.

لم يمنعك هذا من أن تقول لي ذات يوم : أتعرفين يا عائشة، أتمني لو تموتين قبلي . ألبستُ نظراتي وقتها ضحكةَ لهوٍ تأنيبيةً وقلت لك مازحة: هكذا إذاً، تريد بكل بساطة أن أموت قبلك؟ وكنت أعرف أنك بهذا تريد تجنيبـي الدخول في بطانة الحداد الشائكة. لم تعلِّقْ علي ما قلتُه لك آنذاك، إنما تأملتني طويلاً بصمت، ثم استدركت: لا، أظن أنَّ من الأفضل أن أموت قبلك، فأنت قوية، وبإمكانك تحمُّلُ المصاب أكثر مني .

فمن كان منا قوياً أكثر؟ حتي الآن لم أعثر بعد علي جواب. أعرف فقط أنني صحياً كنتُ مؤهلة للارتماء في أحضان الموت أكثر منك، كنتُ أقرب إليه. وكنتَ أنت بعيداً عنه… بعيداً جداً، ورغم ذلك فقد قررتَ أن تدخلَ موتك الجميل كما تمنيتَ أن يكون، أجل… قد تمنيته، وتماماً، في الثاني من نيروز، غداة عودتي من سفر قصير، سألتني إن كنتُ قد علمت بموت جوزيف سماحة ، وكنت تحبه، وحينما رددت بالإيجاب، لم تعلق، فقط قلت لي: أشتهي موتاً جميلاً كموته . بعد يوم ونصف تماماً كان لك ما أردت، ومتَّ يوم دفنه، فمن الأقوي بيننا؟

علّمتني كيف يكون الموت جميلاً. أبتسم مع شيء من المرارة المخضلة وأسترجع صورة جسدك النائم بسلام في الغرفة الملاصقة لبهو المعيشة، أخرتُ دفنك أكثر ما يمكن لتستمتع بآخر ذؤابات الهواء في بيتك الحلم، لتشاركنا أهداب الحياة مع الأحبّة والأصدقاء الذين توافدوا من كل مكان ليكونوا معنا، أنا وأنت وابننا، من الموت إلي الدفن. كنت أتقصد أن أترك باب الغرفة مفتوحاً لتنصت إلي أحاديثنا المتنوعة، لتشاركنا وجباتنا الثرية بالمحبة، المفعمة بالحنان، والموشاة بدعابات الحياة ومزحة الموت.

لا أعرف ماذا أفتقد في غيابك؟! كمّ هائل من الأشياء يتشابك دون أن أميّز ماهية كلٍّ منها. ويقولون لي لمواساتي: حتي لو غاب فهو حاضر دائماً معك . أبتسم لهم، بحياديةٍ ربما. ولكن أين صوتُ مفاتيحك في قفل الباب الذي يعلن بهجة عودتك؟ أين رائحة معجون أسنانك تتواشج مع انعكاسات اللون الأخضر لحديقةِ الحَمَّامِ في بيتنا تحت أشعة الصباح؟ أين استياؤك اللطيف من فوضي طاولتي؟ أين عبير الألوان الزيتية والتربنتين التي غابت معك؟

من يمشي إلي جانبي الآن في طريقنا إلي سهرة مع أصدقاء، أو للتبضع الأسبوعي أو للتريّض؟ من يُصلح وضع قَبّة قميصي قبل خروجي من البيت؟ ومن يذكرني كل يوم عند مغادرتي صباحاً ببطاقة التنقل، بالمفاتيح، بأوراقي وبعلبة سجائري؟ من ينصحني بالإقلاع عن التدخين أيضاً؟ من يتحمّل هِناتي بمرحٍ حكيم؟ من يمسك بيدي، كما لو كنت طفلة، عند عبور الشارع؟ من يسألني عن برنامجي اليومي ليتواءم مع برنامجه؟ من سيقوم بالدعاية مُتحمِّساً لكل كتاب جديد سأصدره؟ ما زال كتابي الأخير تحت الطبع ينتظر من سيقوم بإعداد الغلاف والرسوم الداخلية، وما زال صديقنا الناشر بانتظار اختياري. وكنتَ أنت، لكنك رحلت قبل تنفيذه. عام كامل يمضي ولم أتوصل إلي من سيحل محلك في أبسط الأشياء. ويقولون: إنك حاضر دائماً معي !.

يا لَصباحاتِ أيام العطلة الأسبوعية، تلك الصباحات التي كانت تحتضننا معاً، ينسربُ فيها كلٌّ منا في الآخر، كموجة من الماء والزبد، في استسلام كليّ للبوح بأفكار جدّية أو هائمة، بهواجس شغفية تعترينا إزاء عملنا. نكتشف فيها أعجوبة توازي مسارينا : أنت في الرسم وأنا في الكتابة. أعجوبة نستشف فيها أن كلاً منا في عزلته الشغفية تلك، يشترك مع الآخر في الصيرورة الداخلية. أجل! كنا خطين لولبيين متوازيين حول محور واحد يتجهان نحو الغيوب ذاتها. وحين عرَضْتَ، بمناسبة تقاعدي، أن نتمّ الأسبوعَينِ الباقيين من شهر عسلنا القديم، منذ أربعين عاماً، اقترحت عليك أن نقوم أولاً بكافة الأعمال التي كانت في انتظارنا، لكنك رفضت فكرتي بصرامةٍ ما عهدتها منك أبداً. فهل كنت تشعر بقرب مغادرتك؟ لم أفكر حينها بسؤال من هذا النوع، بل مازحتك بشوقٍ طفوليّ قائلة إنني أحب أن أقضي تلك الأيام معك تحت أشعة الفجر القطبي. كان مجرد مزاح. كُنتُ أعرف أن برودة القطب لا تروقك.

ليست تلك الرسالة الأولي التي أكتبها لك الآن، لكنها الأولي التي سيقرؤها غيرنا. لست أنا أيضاً من يكتب. إنها شجرة سنديان وحيدة يحتضنها جرحٌ يلتئم بصعوبة، شجرة عارية في التقلّص المَخاضيّ لسهولٍ تضيئُها أقواسٌ ترسمُها حركةُ النجوم. شجرة يرنو هباؤها إلي مكوّناتِ الكون، علَّها تلتقط إشارة ما… إشارة تضيفها إلي كلِّ ما أرسَلْتَه لها من أقاليم الغياب.

نشرت في القدس العربي في 4/3/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق