معادلة جديدة؟: إعادة تشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد الثورات العربية / أمل حمادة

تكشف لنا نظرة عامة علي خريطة المنطقة العربية عن كمية هائلة من التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحمل هذه التغيرات احتمالات “لا نهائية”، خاصة بإعادة تشكل العلاقات والسياسات والتحالفات في المنطقة، بل وحتي الحدود الجغرافية التي تحدد شكل الدول العربية. كما تطرح هذه الاحتمالات تساؤلات خاصة بطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في المراحل الانتقالية، وما إذا كانت هذه المراحل ستفرز أشكالا مختلفة لهذه العلاقة عن تلك التي تحدث عنها جويل مجدال، خاصة في ظل الحراك السياسي في بعض الدول، والثورات في بعضها الآخر .

 

وفي هذا الإطار، تناقش هذه الورقة نمطي الدولة الضعيفة والقوية اللذين طور من خلالهما جويل مجدال الأنماط الأربعة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ومدي صلاحياتهما لفهم ما يثار حول هذه العلاقة في مراحل ما بعد الثورات في الدول العربية، خاصة في ظل تزايد طرح مفهوم الدولة العميقة، كتعبير عن نمط الدولة القوية في الدول العربية التي شهدت تغييرات ثورية. كما تناقش هذه الورقة ما تثيره إعادة تنظيم هذه العلاقة في المراحل الانتقالية من إشكاليات، مع الاهتمام بحالة مصر بعد الثورة.

 

أولا- ثنائية الدولة القوية والدولة الضعيفة:

 

عند الحديث عن العلاقة بين المجتمع والدولة، من المهم جدا إدراك السياق التاريخي الذي نشأت في إطاره الدولة، فأصل التطور بدأ مع الإنسان. ففي البدء، لم تنشأ الدولة ككيان سياسي محدد، ولكن كان الإنسان الذي أدرك، بعيدا عن النظريات الاجتماعية والسياسية، حاجته إلى الاجتماع مع غيره من بني جنسه لتحقيق الأمن كهدف أولي. ثم ظهرت مقولات أفلاطون حول أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأنه لا يمكنه العيش وحيدا دون التفاعل مع غيره من بني البشر. ثم تطورت المجتمعات البشرية من الأسرة إلى العائلة إلى القبيلة، إلى التكوينات الإقليمية الأكبر، إلى أن ظهرت الدولة. ومرت الدولة هي الأخري بتطورات عديدة، انتهت بها إلى شكل الدولة القومية المنتشرة حاليا.

 

وقد ميز دراسة الدولة لفترة طويلة ارتباطها بكيانات “متخيلة”، مثل الكائن “الخرافي” الذي تصوره هوبز في صورة مخلوق هائل يملك في يده الصولجان، ويتكون من أجساد الأشخاص الذين خلقوا هذا الكائن ليحميهم في المقام الأول، خوفا من حالة حرب الكل ضد الكل. كما صور هيجل الدولة على أنها روح التاريخ المطلق، والكيان الذي لا يتمتع الأفراد بحريتهم إلا في حالة خضوعهم الكامل لقوانين الدولة. كما تطورت الدولة لتصبح عند ماكس فيبر هي المحتكرة للقوة، والمحتكرة لحق توزيع الموارد في المجتمع.

 

ويلاحظ أن نظريات التنمية والتحديث فرضت على جماعة العلوم السياسية الحديث عن الدولة بشكل أكبر من المجتمع، حيث سيطرت التساؤلات التي تحاول فهم أسباب عجز الدول، فيما كان يعرف بالعالم الثالث، عن قيادة عملية تحول مجتمعي نحو التنمية بمؤشراتها التي تم تطويرها واختبارها في الغرب. وفي هذا السياق، طور مجدال، خلال ثمانينيات القرن الماضي، مقولاته حول الأنماط الأربعة للعلاقة بين الدولة والمجتمع في العالم الثالث، واستكمل دراستها من خلال كتابه “الدولة في المجتمع” الذي نشر في بداية الألفية الجديدة، وحاول فيه تقديم تعريف جديد للدولة، يختلف عن تعريف فيبر.

 

تساءل مجدال في كتابه الأول عن الأسباب التي تجعل دولا كثيرة في العالم الثالث عاجزة عن الوفاء بالوعود التي قطعها قادتها على أنفسهم في مرحلة ما بعد الاستقلال، وما الذي يجعل دولا أخري قادرة على الوفاء بتلك الوعود. ومن خلال دراسة عدد من التجارب في دول العالم الثالث، توصل مجدال إلى أن نجاح الدولة في ممارسة الضبط الاجتماعي وتنفيذ سياسات تؤدي إلى إحداث تغيير في الخريطة الاجتماعية، وما يرتبط بها من قدرة على حسم التنافس مع القادة التقليديين في هذه الدول، من شأنه أن يؤدي إلى تبلور الدولة القوية. وبمفهوم المخالفة، تصبح المجتمعات قوية في مواجهة الدولة، إذا ما استطاعت مراكز القوة في المجتمع مقاومة قدرة الدولة على ممارسة هذا الضبط الاجتماعي، وفرض تحالفاتها وقيمها وتفضيلاتها على مؤسسات الدولة. وفي هذه الحالة، تتحول سياسات الدولة وقراراتها إلى محاولة الإبقاء على الوضع الحالي، أي تبني سياسات البقاء، بدلا من السعي لبناء مؤسسات قوية.

 

وقد أدرك مجدال، بعد مرور أكثر من عقدين على كتابه الأول، أن قدرة الدولة على ممارسة هذا الضبط الاجتماعي ليست هي الإجابة الوحيدة على بقاء الدولة وقوتها، حيث تفيد تجارب عدد من الدول في أوروبا الشرقية باحتمال انهيار أو توقف قدرة الدولة على ممارسة هذا الضبط، وعلى الوفاء بالتزاماتها الأمنية والاقتصادية تجاه مجتمعاتها، كما أنه قد انهارت بعض هذه الدول، ولم تنهر دول أخرى.

 

وقد حاول مجدال تفسير ذلك في كتابه الأحدث عن “الدولة في المجتمع”، من خلال تقديمه تعريفا جديدا للدولة، لا يراها على رأس هيكل هيراركي هرمي في علاقتها بباقي مراكز القوة في المجتمع، حيث تعامل معها ككيان قادر على الدمج والمزج بين عناصر مختلفة للقوة (الداخلية والخارجية)، بشكل يمكنها من التحكم في القوى الاجتماعية القادرة تقليديا على تحدي سلطتها. وبالتالي، تحاول الدولة في هذه الحالة الحفاظ على صورة لها، كقوة متحكمة وموحدة في مواجهة الانقسامات والتنويعات الاجتماعية، ومن خلال تطبيق سياسات إدماجية أو إقصائية في مواجهة هذه القوى الاجتماعية.

 

والملاحظة الرئيسية على هذين الكتابين أنهما يصوران الدولة والمجتمع في الدول النامية كمتضادين، يقف كل منهما في مواجهة الآخر، وتأخذ العلاقة بينهما شكلا صفريا. فالدولة القوية تسيطر على القوى الاجتماعية، أو تحتويها، بينما تحتوي القوى الاجتماعية القوية الدولة، أو تمارس سيطرتها على المجتمع ككل. ولكن هذا التصور لا يمكن تعميمه، كما أن الأشكال الأربعة التي اقترحها مجدال للعلاقة بين المجتمع والدولة ليست هي الحل الحتمي الوحيد، حيث تطرح تجربة العلاقة بين المجتمع والدولة في العالم الغربي شكلا آخر للعلاقة، يقوم على افتراض أن الديمقراطية تقوم على التعاضد، وقوة كل من المجتمع والدولة، فكل منهما قادر على تطوير آليات وميكانزمات للتفاعل في المجال العام، بشكل يسمح بالممارسات الديمقراطية. وبالتالي، هناك إمكانيات أخري لصياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، تضمن تقوية للاثنين، أو بعبارة أخري أن تكون العلاقة بينهما غير صفرية.

 

ثانيا- الدولة العميقة .. النمط الثالث:

 

تكشف التطورات التي تشهدها مصر وغيرها من الدول العربية، التي شهدت تغييرا ثوريا خلال العام الماضي، عن نمط مختلف عن الأنماط التي تحدث عنها مجدال للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ويرتبط هذا النمط بتكشف أبعاد نمط جديد للدولة، هو الدولة العميقة.

 

يشير مفهوم الدولة العميقة إلى الدولة الأمنية التي تتغلغل فيها شبكات المصالح والفساد بين رجال المؤسسة العسكرية، ورجال الأعمال، ورجال القضاء، وأعضاء المجالس التشريعية، بشكل يقترب من الدولة داخل الدولة. ورغم ارتباط نشأة هذا المفهوم بالخبرة التركية، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، ورغم أنه يمكن ملاحظة عدد من التشابهات بين السياق التركي وغيره من السياقات العربية الحالية، من حيث تغلغل الفساد والمحسوبية في مؤسسات الدولة، فإن نظرة متفحصة في الواقع العربي، والتي تأخذ في الحسبان تقسيم مجدال لأنماط العلاقة بين المجتمع والدولة في الدول النامية، تكشف لنا عن بعد آخر في تعريف الدولة العميقة، حيث لا تقتصر الدولة العميقة على تشابك مصالح الفساد مع مصالح المؤسسة الأمنية، ولكن هناك مدي أبعد يتعلق بتغلغل الدولة، من خلال مؤسساتها الأمنية والخدمية في المجتمع، بشكل يحرم المجتمع من أي قدرة على الحركة المستقلة أو الحرة.

 

وهذا النمط المختلف من الدولة العميقة تكشف عنه حالة مصر، على سبيل المثال، حيث أن العلاقة فيها بين الدولة والمجتمع شديدة التشابك والتعقيد. فكل منهما يعود إلى آلاف السنين، حيث نشأ المجتمع المصري وتطور حول نهر النيل، وعاش طويلا، بسبب الطبيعة الزراعية للمجتمع، في ظل دولة مركزية، بغض النظر عن تعاقب أنواع الحكم علىه. كما تعود الدولة المصرية هي الأخري إلى آلاف السنين، واحتفظت تقريبا بحدودها التي نعرفها حاليا.

 

ويمكن القول إن تطور الدولة المصرية الحديثة في عصر محمد على ارتبط بتبلور شكل الدولة العميقة، التي لا تعني في هذه الحالة تغلغل شبكات الفساد، ولكن تغلغل دور الدولة في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وبالتأكيد السياسية، حيث ظهرت الدولة في مجال الاستثمار والتطوير في المجال الزراعي، من خلال المحاصيل الجديدة التي أدخلها محمد على. وارتبط تطور المؤسسة العسكرية والمؤسسة التعليمية المصرية بالبعثات التعليمية التي أرسلت إلي أوروبا لتلقي أفضل العلوم اللازمة للدولة الحديثة. حتي السكك الحديدية، التي أدخلها الاستعمار البريطاني لمصر في نهايات القرن التاسع عشر، ارتبطت برغبة الحكومة المركزية (وحكومة الاحتلال) في تسهيل نقل البضائع والجنود بشكل يخدم الدولة.

 

وقد تطور شكل آخر للدولة العميقة في مصر بعد ثورة 1952، جزء منه يتعلق بظهور شبكة جديدة للمصالح تتمايز عن الشبكة التي ارتبطت بالملكية والارستقراطية والاحتلال، حيث سعت الدولة لممارسة مزيد من التغلغل في المجتمع المصري، من خلال الاقتصاد والسياسة، بل وحتي الثقافة، بغرض تحقيق النقلة النوعية في التوجهات المجتمعية في تلك المجالات. إن مناقشة تفاصيل هذا التطور تخرج عن نطاق هذه الورقة القصيرة، ولكن من المهم الإشارة لهذا المستوي الجديد من التدخل من قبل الدولة في المجتمع، وهو الأمر الذي استمر لمدة ستين عاما حتي اندلاع المشهد الثوري في يناير .2011 وبالتالي، ظلت الدولة المصرية حتي بدايات عام 2011 دولة عميقة، بمعني وجود شبكات الفساد والمصالح وتغلغلها، وبمعني وجود الدولة من خلال أجهزتها الضبطية، ممثلة في الأمن والضرائب وغيرهما، وتغلغلها في المجتمع. ويظل السؤال المهم هنا: ماذا عن المجتمع؟.

 

يمكن القول إن المجتمع المصري عمل على تطوير آليات بقائه، وتحجيم تأثير الدولة عليه، من خلال ابتكار وسائل للمقاومة، وتوسيع هامش حرية المجتمع بشكل قد يقترب من مفهوم العصيان المدني، أي الامتناع الطوعي من جانب المواطنين عن القيام بالتزاماتهم تجاه الدولة. وتزايدت هذه الممارسات، كلما حاولت الدولة ممارسة مزيد من التغلغل في المجتمع، وإفقاده حريته في الحركة، فظهر التهرب من الضرائب، والتهرب من الخدمة العسكرية، ومخالفة جداول الزراعة، وغيرها من مظاهر العصيان التي مارسها أفراد المجتمع، مع ملاحظة أنه لم يتم تكييف هذه الممارسات على المستوي الفكري والنظري.

 

ثالثا- المجتمع يقود إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة:

 

لم ير مجدال إمكانية تطبيق نموذج “المجتمع القوي والدولة القوية” في دول العالم الثالث. ويمكن القول إن القصور الأساسي في مقولات مجدال يتعلق بالزاوية التي ينطلق منها التحليل، حيث رأي أن الدولة القومية المعاصرة هي نقطة الانطلاق والمرتكز، وتعامل مع المجتمع باعتباره عنصرا تابعا للتطور في شكل الدولة وأدائها، كما أن نجاح الدولة في هذه الحالة يقاس بقدرتها على التعامل بشكل فعال مع المجتمع.

 

والواقع أن حالة الحراك التي تشهدها الدول والمجتمعات العربية، منذ اندلاع ثورة تونس في نهايات عام 2010، وبداية الثورات المصرية، والليبية، واليمنية، والسورية، والبحرينية، وما تشهده الأردن، والجزائر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، وغيرها من الدول العربية، إنما تؤرخ لمرحلة جديدة في العلاقة بين المجتمع والدولة، يعاد الاعتبار فيها للمجتمع كمتغير مستقل ومهم في علاقته بالدولة. وبرغم حالة الجدل التي تثيرها التجارب العربية حول ما إذا كان ما يحدث في هذه الدول ثورات اجتماعية حقيقية، أم مجرد مطالب طائفية أو إصلاحية، فإنها في جوهرها تحمل محاولة من هذه المجتمعات لإعادة النظر في طبيعة العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الفرد والدولة، وبين المجتمع والدولة.

 

وبطبيعة الحال، لا يمكن القول إن العقد الاجتماعي أنشأ الدولة الحديثة في المنطقة العربية أو غيرها من المناطق، وإنما أنشأ السلطة السياسية. فالدولة بالتأكيد ارتبطت نشأتها بتطور تدريجي في المجتمع، وتعقد علاقاته، كما ارتبطت في بعض الأحيان بوجود القوى الاستعمارية في المنطقة، والتي أسهمت بشكل كبير في نشأة عدد من دول الخليج بشكلها الحالي. ولكن حكم طريقة إدارة العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع، تكييف معين لعقد اجتماعي ما مبرم بينها والمجتمع، ارتكز على قوة الدولة في مواجهة ضعف أو إضعاف المجتمع، واستخدام التخويف بفقدان الأمن كمحفز للبقاء داخل المنظومة الاجتماعية والسياسية.

 

في ضوء هذا، يمكن فهم أحد أبعاد هذا الحراك العربي، الذي يبدو مصرا على إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة بشكل أكثر عدالة، والذي استدعي ردود فعل من قبل قوي مجتمعية بلورت ظاهرتين رئيسيتين. تتمثل الظاهرة الأولي في حالة الفزع المرتبطة بالدولة العميقة القوية، ومصالحها، وتحالفاتها، ورجالها، ورموزها، ومؤسساتها، ومحاولاتها الدءوب لمقاومة ومحاربة أي محاولات لفتح ملف العلاقة بين المجتمع والدولة، وتصويره على أنه محاولة لهدم الدولة أو التعدي على هيبتها. ولكن الأمر لا يقتصر على الدولة ومؤسساتها، بل يتعدي ذلك إلي بعض القوى السياسية التي من المفترض أنها غير محسوبة على الدولة، (أي القوى السياسية والاجتماعية التي لم تكن يوما جزءا من جهاز الدولة أو هيكلها، وإن ارتبطت بمصالح معينة مع بعض القوى أو المؤسسات الحكومية). فبعض هذه القوى السياسية لا تزال أسيرة منطق الدولة القوية، التي تختزل هيبتها وقوتها في قدرتها على تحقيق الضبط الأمني والاجتماعي، دون محاولة توسيع مفهوم هيبة الدولة ليشمل كل عناصر المجتمع، وليس فقط العناصر الأمنية.

 

وتتمثل الظاهرة الثانية فيما يقرؤه البعض على أنه “انقلاب” أو “كفر” بالديمقراطية، بعد حصول التيارات الإسلامية على أغلبية المجلس التشريعي في مصر، والجمعية التأسيسية في تونس. وبعض الاعتراضات على صعود القوى الإسلامية لا يمكن فهمها من خلال اتهامها بالانقلاب على الديمقراطية، فالديمقراطية الحقيقية ليست مجرد صندوق انتخابي، وإن كان الصندوق من أهم آليات تطبيق الديمقراطية الحديثة. ولكن جوهر الاعتراض يبدو أكثر ارتباطا بالمنطق الذي يحكم القوى المتنافسة على الصندوق الانتخابي، سواء انتمت إلي التيارات الدينية أو المدنية، أو حتي رموز الدولة القديمة. فالمنطق يتحرك حول نفس خطوط العقد الاجتماعي القديم الذي يضع السلطة السياسية فوق المجتمع، ويري في الشرعية الانتخابية المصدر الأول والأهم لشرعية النظام السياسي، دون أن يحاول تضمين شرعية الإنجاز، وشرعية الاحتواء، في مواجهة الإقصاء لجماعات أو تيارات أو أقليات معينة.

 

ورغم أنه لا يجوز التعميم بأي حال من الأحوال، فإن ما يبدو من خطاب العديد من القوى السياسية النشطة في المشهد السياسي العربي الحالي لا يعكس إدراكا حقيقيا وفلسفيا لطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في العالم العربي. كما لا تحمل البرامج السياسية المختلفة للمرشحين المتنافسين في الانتخابات المختلفة التي تجري في مصر، على سبيل المثال، خطوات جادة وممكنة لإعادة تشكيل هذه العلاقة، ولا لمحاولة تفكيك الدولة العميقة، سواء من حيث فسادها وارتباطاتها الأمنية، أو من حيث تغولها على حساب مجتمعاتها.

 

الخاتمة:

 

في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة العربية، يظل هناك سؤال بحاجة إلي إجابة: هل هناك مخرج من الدولة العميقة، ومن معادلة التناسب العكسي بين ضعف المجتمع وقوة الدولة، الواقع أن هذا الأمر سيحتاج إلي سنوات طويلة من العمل على فك سيطرة الدولة العميقة على المجتمع، وفك التشابك بين شبكات الفساد والمصالح والذراع الأمنية للدولة. كما سيحتاج أيضا لجهود فكرية وعملية على مستوي المجتمع، بغرض إعادة تفعيل المجتمع وتقوية موقعه بالنسبة للدولة القومية الحديثة.

ولكن، هل يمكن القول إن التطور المستقبلي للدولة القومية، والذي سيعيد بالضرورة تشكيل دورها في المجتمع، في ضوء التطورات التكنولوجية والتحديات البيئية، سيحمل شكلا جديدا أو أشكالا جديدة للعلاقة بين المجتمع والدولة،، الإجابة بالتأكيد نعم، ولكن هذه الإجابة نفسها تحمل معها احتمالات لا يمكن التنبؤ بها في شكل هذا التطور، وأنماطه، ومدي انتشاره في العالم.

 

المراجع:

 

Joel S. Migdal, Strong Societies and Weak States: State- Society Relations and the State Capabilities in the Third World, (Princeton, N.J:Princeton University Press, 1988).

Joel S. Migdal, State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another,( Cambridge: Cambridge University Press, 2001).

Karen Bakey and Sunita Parikh, Comparative Perspectives on the State’, Annual Review of Sociology, Vol. 17, 1991.

Derick W. Brinkerhoff and James B. Mayfield, “Democratic Governance in Iraq? Progress and peril in reforming state- society relations”, in Public administration and Development, special issue Rebuilding governance in failed states and post conflict societies, vol. 25, no1., Feb, 2005.

Dinjxin Zhao, “State Society Relations and the Discourse and Activities in the 1989 Bejing Student Movement’, American Journal of sociology, vol. 105, no. 6, may, 2000.

K.c.ho, Zaheer Baber and Habibul Khondker, “Sitesof resistance: alternative websites and state society relations”, the British Journal of Sociology , vol. 53, no1., March, 2002.

 

عن مجلة السياسة الدولية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق