“معبر ليدرا” تاريخنا الحاضر.. طريقنا الطويلة

عشرة جنود قبارصة أتراك وعشرة من نظرائهم القبارصة اليونانيين، أزالوا عن فجر الرابع من نيسان، السياج الحديدي البالغ طوله 80 مترا، ومركز الحراسة العسكرية، اللذين كانا يفصلان القسم التركي عن القسم اليوناني من شارع ليدرا، وسط العاصمة القبرصية المقسمة نيقوسيا . حيث احتشد الناس، وأطلقوا البالونات، وهتفوا شعارات من أجل “السلام” . وقد جاء الافتتاح ذلك بمثابة تتويج لجهود الزعيمين القبرصيين، اليوناني الرئيس ديميتريس خريستوفياس، والتركي محمد علي طلعت، اللذين كانا قد تعهدا في 21 آذار الماضي باستئناف المفاوضات (المتعثرة منذ العام 2004) بينهما، بدءاً من حزيران المقبل، بهدف إعادة توحيد الجزيرة، على أن يعملا على “فتح معبرليدرا في أقرب وقت ممكن” .

في ذلك الصباح اعتبرت رئيسة بلدية نيقوسيا القبرصية اليونانية ايليني مافرو، وإلى جانبها نظيرها من نيقوسيا القبرصية التركية جمال بولوتوغلولاري، : ” أن المعبر افتتح لكن الطريق ما زالت طويلة “.

ربما كانت الطريق الطويلة التي تقصده مافرو تعني، توحيد شطري الجزيرة المقسمة منذ الاجتياح التركي لها أواسط السبعينات من القرن المنصرم، وبذلك المساعدة على دخول شطري الجزيرة مع إلى منظومة الاتحاد الأوربي كدولة واحدة . لكن ثمة طريق أكثر صعوبة، طريق قهقرى يصفي كل التركة التاريخية، المنتجة عن تصفية الإرث الثقافي والاجتماعي للشعوب التي كانت تشكل الإمبراطورية العثمانية.

فلولا ذلك الميراث التاريخي الثقيل الذي توارثناه، لعاشت الأقلية التركية المسلمة في الجزيرة القبرصية إلى جانب نظيرتها اليونانية المسيحية. في ظل الدولة القبرصية الكلية، والعادلة التعامل مع مواطنيها المختلفين . لكن حرب أزمير الشهيرة بين اليونانيين ومواطنيهم الأتراك في اللحظات الأخيرة لانهيار الدولة العثمانية، وما شهدته من تصفيات عرقية ودينية، أدت في النهاية، إلى تبادل قاس، للمواطنين العثمانيين الأتراك واليونانيين بين طرفي بحر إيجة . حيث غادر كل المسيحيين اليونان الضفة الشرقية للبحر إلى القسم اليوناني، وبالعكس فعل الأتراك المسلمون من الجزء الغربي. تلك الحادثة التي فتحت نزيف المسيحيين الشرقيين، من مئات آلاف الأرمن والسريان الذين صفوا في أبشع جريمة تاريخية، في إبادة نكراء للجنس البشري، إلى تصفيات الموصل التي طاولت الأقلية القومية الآشورية، إلى تهجير المسيحيين من فلسطين التاريخية ومن لبنان، إلى نزيف الهجرة المسيحية الذي يهدد وجودهم في كل من سوريا والعراق إيران. هذا الإفراغ التاريخي المنظم للمسيحيين من صدر الإمبراطورية العثمانية، أدى إلى نتيجتين واضحتين:

من جهة، خلق فضاء اجتماعيا وثقافيا من عدم الثقة بين الأجيال المتعاقبة من مسلمي وما بقي من مسيحيي المنطقة، أو بقول أكثر شفافية، خلق مستوى مرتفعا من الكراهية الاجتماعية البنيوية بين الطرفين. كانت الحروب في لبنان وقبرص وفلسطين والعراق بعض أوجاعه الظاهرة. من جهة أخرى أدى إلى تشويه مربك في البنية الديمغرافية الثقافية التاريخية لصدر الإمبراطورية العثمانية، حيث أن هبوط نسبة المسيحيين من أربعين بالمائة من مجمل سكان الدولة العثمانية، إلى ما يقارب الاثنين بالمائة فقط، من مجمل سكان الدول الحالية، والتي كانت تشكل الإمبراطورية العثمانية، لم يكن بهامشي التأثير على التطور المجتمعي التاريخي لهذه المنطقة . فماذا لو كانت تركيا اليوم تحوي خمسة عشر مليون أرمني، وماذا لو كان عدد السريان في سوريا يقارب الثلاثة ملاين والآشوريين في العراق يقاربون العشرين بالمائة…. الخ . فربما لم نكن بالمستوى العلماني لفرنسا، والديمقراطي لهولندا . لكن دون شك، كان وضعنا التاريخي الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي سيكون أفضل مما هو عليه اليوم . حيث نبدو شعوبا ” شقية ” على حد تعبير سمير قصير.
فالوجود المسيحي كان سيلعب منذ قرن، دور الجسر الذي ستعبر منه الحداثة بكل أشكالها. كما أنه كان سيغطي مكان الكتلة التاريخية الوازنة للأغلبية، تلك الجماعة التي كانت تاريخيا، أكثر إلحاحا في المطالبة بالدولة الكلية، العلمانية والديمقراطية، باعتبار أن تلك الدولة الكلية هي الكافل الوحيد لحمايتها من الجماعة الغالبة ( المسلمين) . لذا كانت دوما احتياطا للعلمانية والديمقراطية. وقد أدى غيابها ذلك إلى ظهور كتل مذهبية وعرقية، أكثر تفتتا وأقل طموحا، في محاولاتها لبناء دولة متزنة. كما أن حضورها كان سيخفف من نير الأصوليات الداعية إلى صراع كينوني بين الشرق، المعبر عنه بالكتلة الإسلامية حسب تصورها، والغرب المفترض بالكتلة المسيحية، وذلك حينما كانت ستقدم الشرق بوجه متنوع في جذوره، لا بحاضره فحسب .

سيكون ضربا من الخيال، لو فكرنا للحظة أنه بالمستطاع إعادة مسيحي الشرق إلى أوطانهم الأصلية، فتلك صيرورة تاريخية عابرة للأماني. وأيضا، ربما لا يماثل انهيار حاجز ليدرا، برمزيته وجوهره، سقوط جدار برلين مثلا. والذي كان فاتحة لموات فكرة انقسام البشر إلى موالين لفكرتين وحشيتين . لكن الفكر لو وضع في سياقه الموضوعي، في ظل الاندراج المتسارع في العولمة لنتج ما يلي:

سيشكل فتح معبر ليدرا خطوة رائعة في سبيل حل المعضلة القبرصية، وبذا تقصير الزمن المنتظر لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، والذي سيعني بدوره ملامسة الحداثة لتخوم إيران الملالي وسوريا العقيدة القوموية والعراق الدامي. هذه الدول، بالإضافة إلى تركيا، كانت عبر التاريخ، المعبر المتنوع بين أطراف جسد صخرة العالم. لذا كان التنوع سمتها الغالبة. واختلال شكلها التاريخي كان بالغ الأثر على كل السلام العالمي، حيث ستكون الملامسة تلك بمثابة الضربة الموجعة لكل دعاة صراع الكينونات. ودفعة دعم لدعاة العلمانية في إيران ومناصري حقوق المرأة في العراق وللديمقراطيين في لبنان وطالبي حقوق الإنسان في السعودية ودعاة المجتمع المدني في سوريا…. الخ.

صديقنا طبيب الأسنان الأرمني أنطون أبراط ، بين الحين والآخر، يبدي بنصف مزاح ونصف جد، خوفه من العام 2015، باعتباره العام الذي يذكره بمرور قرن على المجازر التاريخية التي وقعت بحق الأرمن، والتي يتوقع فيه إنهاء الرمق الأخير من الوجود المسيحي في الشرق. حزن بالغ أن نكون بعكس كل البشرية، حينما نتصور المستقبل حركة نكوصية فحسب، لكن تصورنا للمستقبل لا ينفصل البتة عن بؤسنا المعيش. فهل من شيء غير ذلك ؟ إنها الطريق الطويلة .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This