معرض ريم الجندي «رجال»: تحريف ومراجعة وتركيب وتوليف تهّب على الورد والرماد معاً / وضاح شرارة

في ما يشبه تمريناً على النظر والفهم معاً، أي على النظر الفاهم والجامع الحس والشكل والحادثة في معنى مدرك، أحاول وصف اللوحة الأولى في معرض ريم الجندي، «رجال» (غاليري جانين ربيز ببيروت، 6- 28 كانون الثاني 2010). وحالَ كتابةِ ما أحسبه شرحاً أو بسطاً لمعنى أريده، بدا لي أنني أحاول عبثاً وما لا طائل من ورائه. فالنظر لا ينفك من الفهم، والحس لا ينتفي من الصورة والحادثة اللتين يأتلف المعنى منهما ومن مادتهما المحسوسة. وإذا حصل خلاف الأمر هذا، أي إذا انفك النظر من الفهم واستقل الحس من الصورة والحادثة، فهو قرينة على خلل واضطراب فادحين. ويقود التمثيل على هذين الى الاعتلال العصبي والدماغي، أو الى اختبارات التفكك والتحلل المهلوسين بواسطة الأعشاب ومركبات الحبوب الصيدلانية، وإلى ضرب من «العلم من طريق الهاويات»، على قول أحد أهل هذا «العلم».

ولا يحملني إدراك اختلاط النظر بالفهم والفهم بالنظر اختلاطاً لا فكاك منه إلا في بلاد الهاويات والهلوسة والأهومة، على ترك التمرين المزمع او المحاولة. فرائي اللوحة، وهي «سوبرمان»، طرف خيط اللوحات الأربع والعشرين المتصلة، يدخلها كالداخل أو النازل في سرداب مظلم ومتعرج، وعليه ان يلتمس طريقه فيه بيديه وقدميه وجسمه كله وعينيه الكليلتين ولهاث نَفَسه، وباجتهاد ذهنه وكده على وجه الخصوص. فإذا نقل قدماً نقلة ضئيلة، ووازنها بتوتر ذراع وشد رقبة ورفة جفن، كان عليه ان يستدرك على هذه كلها بقولها في سره، وتدوينها في مدونته السائلة والمليئة بسمك الكلمات والجمل وتراكيبها. فالفعل، بهذه الحال، لا يتماسك ويستوي شيئاً يعتد به، إلا بقول يقوله ويسدد خطى ملتمس الطريق في السرداب، ويكون خيطه في العتمة.

[صورة الصورة

والكلامُ على عتمة وسرداب بإزاء «سوبرمان»، ولوحات أخرى «تشبهها» مثل اللوحة الثانية في الترتيب (نار) والثالثة (درس صيد) والعاشرة (في خطر) والرابعة عشرة (مصارعون)…، لا يناسب الحال. فمعظمها يغشاه ضوء صريح ومبين، والصور والأشكال هندسية. والألوان إما قانية صارخة الحمرة أو الزرقة أو الخضرة أو المذهَّب أو البني أو الأسود وإما رائقة بائخة ومتربة. ويبدو ترتيب أجزاء اللوحة، ما عدا قلة قليلة لعل أبرزها اللوحة 23 (ساكن الشقة، أو المقيم) ساذجاً بسيطاً وحكواتياً، أو مروياً على رسم قَصَس الحكواتي الواضح والمباشر. وقد يكون هذا صحيحاً للوهلة الأولى، ولكنه لا يتماسك في الاختبار.

فسرعان ما يلاحظ الرائي الى «سوبرمان»، اللوحة، ان ما خاله من بعيد تقليداً سيئاً أو تقريبياً ومدرسياً لملصق دعائي، أو «بوستر»، لا تستقيم رؤيته على هذا الوجه وهذه الحال. فما تدعو اللوحة الى النظر إليه، وتقرير حضوره والصدوع به واستقباله، ليس سوبرمان، «الشخص» المفترض والقائم قبل الصورة ووراءها والمقيم على وجوده خارجها. ويصدق هذا في حال سوبرمان، المتخيل وصنيعة الصور والكلمات والأخبار المنحولة، شأن التأنيث (اللوحة السادسة) وبعل (اللوحة السابعة عشرة) على نحو ما يصدق في صياد «درس الصيد» أو في الشاب المتوسط لوحة «في خطر» أو في «العزيز أندي» (اللوحة الواحدة والعشرون). فما تدعو اللوحة، جهاراً، الى النظر إليه هو صورة الصورة، أو تقليد الصورة، السيئ والتقريبي والمدرسي، على ما تقدم القول للتو. وهي تدعو الى هذا، وتقرّ به على ما أزعم، لأن موضوعها، أو مدار اللوحة وما عليه مبناها ومناطها، ليس سوبرمان، ولا ملصقه المعروف والمشهور.

واللوحة إنما تستقبل مشخص سوبرمان، وتصوره على شاكلة المشخصات والمجسمات الخشبية أو البلاستيكية التي تنصبها دور السينما على أبوابها، وتتوسلها مطية الى التقريب والترغيب ليس إلا. فلا تجتهد في دقة التصوير، وفي تجميل الألوان ومناسبتها بعضها بعضاً. فتتعمد (اللوحة) إخراجَ نظرة سوبرمان من إطار اللوحة، وحرفَ جسمه وقبضتيه وتوثبه، أو «طيرانه»، عن الإطار. فكأن سوبرمان ليس في اللوحة، أو كأنه لم يُرسَم لها ولم تعد لإيوائه وحضانته، وهو يمر بها في طريقه الى فضاء آخر أو سماء أخرى. وفي الأثناء، لم يمسِ سوبرمان وجوداً أو مَكُوناً في نفسه، سابقاً مشخصه وصورته، ولم يفارق مثاله المتخيل والمرسوم من غير عناية. ولكن بث سواد مطبق في العينين الواسعتين والبارزتين والمستكينتين، وإخراج النظرة من تقابل الرائي و (إطار) اللوحة، ومن دائرة التقابل أو التناظر المشتركة والجامعة، والانحراف بالجسد كله وحركته عن مدار اللوحة المتوقع هذا كله يشكك في استواء اللوحة على الشكل الذي تدعيه وتحاكيه، أي شكل «البوستر».

[تشبيه

وعلى حين يحضر سوبرمان في آلائه السلعية التامة الشعر الأسود الفاحم والمصفف، والقسمات القوية، والجسم المنحوت، واللباس الأزرق اللصيق، و «الجناحان» الحمراوان القانيان ينم الوجه البني النوبي والنحاسي اللون بـ «معنى» غير المعنى الذي بادر إليه الذهن أولاً. ويخرج الوجه الى القسمات، وتستوي القسمات قسمات وجه «إنسي» أو صفحة عبارة إنسية، من طريق الضوء. فالأبيض المشع هو ما يرسم ملامح الوجه الناتئة، واستواء الخدين، واستدارة الوجه، وغضون العنق. وعلى شاكلة سواد العينين، تنم القسمات المضيئة بكمون ممسك وأليم. ويفاقم الكمون، وإمساكه وألمه، ثبات جسم «الرجل». فالإنسان الطائر، أو بساط الريح على صورة امرء، أو جني القمقم والفانوس السحري في خلقة راقص او «جغل» أميركي، يُشبِّه الطيران، في اللوحة، من غير ان يحاكيه أو يقتفي على رسمه وحركته.

وليس ذلك لأن الحركة ساكنة، على قول يشبه قول المتنبي عرضاً، أو لأن اللوحة تقصِّر عن نفخ الحركة وتشبيهها في الجسم. فالسكون يصيب العينين والنظرة وقسمات الوجه قبل ان يحل الجسم، ويتخذه لباساً ويملأه. فهو، أي السكون، حال سوبرمان منذ ان كان، شأن المحرك الأول المعلق في وسط السماء اليونانية، ومدير حركات كواكبها التامة الاستواء. وأزرق اللباس البحري والملكي، وهو لون لباس الجسم اللصيق، ثقيل ثقل المحيطات وقيعانها، وموحش وحشتها. والجناحان الحمراوان أجنحة متهدلة ورخوة. فإذا بأيقونة الطيران الخاطف السينمائية، ومصارع الظلم القاهر، والعاشق الأبولوني، يخسر فضائله الساذجة والباهرة، ويخلعها ويخرج منها الى آلام وصدوع وكسور وأزل لا قرار تقر عليه وتفيء إليه، على شاكلة لوحة وإطار وحيز.

و«يطير» سوبرمان هذا في فضاء أبيض يشبه صباحات أرتور رامبو المشعثة بالأصفر و «وسخه» وعروقه المتناثرة. وهذا ليس فضاء طيران وتحليق. فهو مترب وأغبر. ولا تجلو الملائكة التي تحوط سوبرمان، من غير انعطاف إليه ولا ميل ومن غير دراية أو علم منه، لا تجلو الفضاءَ سماء مضيافة، ولا افقاً عريضاً. وهي ملونة ألواناً تشخيصية، مذهبة وكحلية وبنية وزرقاء لازوردية وزهرية. وبعضها، وعددها خمسة ملائكة «يسحقها» سوبرمان، ويحجبها ويدير لها ظهره من غير ان يستقبل وجهه غيرها. وهي لا تحفه فعلاً، وتحاكي «حركته» محاكاة تقريبية تكاد تكون ساخرة ومهلهلة.

وسوبرمان هذا ليس وحده في «محنته»، أو ما قد يستشعره الرائي محنة مولودة من احتفال طفولي و «شعبي» معاصر. ولا تولد المحنة، إذا جازت العبارة أو الكلمة، من جوار الصورة الدعائية السلعية الحديثة (سوبرمان) والصورة الدينية الآبدة (الملاك)، وحده. فلا ريب في تعمد بعض اللوحات تقريب مثالين خياليين متباعدين، زمناً ودوراً ومصادر، ومتمازجين في الحاضر، وقت المعرض ورسم اللوحات، ويحذوان على رسم مجرد حسي وذهني، مشترك. وعلى هذا، تقرب لوحة «درس الصيد» الشاب المستقيم القامة، والخارج من لوحة إعلان عن ماركة جينز أو تي شرت أو نظارات شمس، من صيد إنس ما قبل التاريخ الأيلَ وحمارَ الوحش والثيران، على نحو ما تُرى هذه على جدران مغارات لاسكو. وكأن الرسم المجرد والمشترك هذا لا يستوفي التقريب «الساخر» والفظ، والمهين (على تردد في اختيار اللفظة هذه)، تفرد اللوحة السدس العالي من مساحتها، على قاع أحمر مخملي ومخطط منقطع من خمسة أسداس «اللوحة» التحتية، الى تمثال صياد مذهب عارٍ وأقرع.

[جناس وطباق وتكذيب

و «تجاور» لوحةُ «المخطوطة»، الثانية عشرة في الترتيب، فرساً رأسها رأس امرأة تسبح في سماء ترصعها 13 نجمة خضراء، في الشطر الأعلى، وخمسة دراجين. ويجتاز هؤلاء (شطر) ثلثي اللوحة السفليين، ويقتسم اثنين منهما داخلُ اللوحة وخارجُها، واثنان كلاهما داخل اللوحة بينما غادرها، أو يغادرها دولاب دراجة خامسة. وتنساب حركة الدراجات والدراجين صوب الوجهة التي تُقبل عليها الفرس المجنحة والمشتبهة الوجه والقسمات. وإلى مثال الطيران المشترك في «سوبرمان»، ومثالِ «معنى» الصيد الجامع، في «درس الصيد»، ووجهة الحركة الواحدة في «المخطوطة» وهذه كلها تجانس مثالات متقاربة وتقرنها الواحد بالآخر، وتطابق زمنين ومخيلتين تعري لوحة «العزيز اندي» الرسام السيريغرافي والبوب الأشهر على قاع سيريغرافي خلفه من 4 صور × 4 صور. فتردد «حداثة» الصورة المكررة والناتئة، والمتصلة اتصال جملة (سيري) واحدة أو متشابهة، «قِدَمَ» صاحبها الآبد، أندي وارهول.

والوجه الأول هذا يقتصر على جناس وطباق بلاغيين وتقنيين، ولا يتعداهما. وهو الوجه المباشر و «الهاجم» على الرائي، على قول الجرجاني صاحب «أسرار البلاغة». وقد يقود هذا الوجه الرائي الى الظن في ريم الجندي، ولوحاتها، توسلاً دعائياً وبوسترياً، واروهلياً، بالشبه الصُوري والشقة الزمنية الى ايحاء ضرب من التأويل الباطني والرمزي، الأورفي أو الغنوصي أو الإمامي أو اليونغي (من كارل يونغ) أو «القومي» الأصولي الفاشي والنازي، لمعاني التخييل وصوره «الكبيرة». ويغفل الظن هذا الرسم والتصوير وعملهما. فلوحات «رجال»، ما مر الكلام عليه وما لم يمر، وعلى شاكلة «سوبرمان»، تعالج القرب والبعد، والجناس والطباق، معالجة تحريف ومراجعة وتركيب وتوليف. فلا تسليم للصور والشارات والعلامات لا بمزاعمها الزمنية، أي المزاعم التي تحملها عليها ثقافتا الأصالة والحداثة، ولا بشبهها الشكلي والصوري، ولا بقوتها التخييلية المفترضة.

وتُعمِل معالجة التحريف والمراجعة والتركيب والتوليف في ما تتناوله فروقاً داخلية تنكر على ما تتناوله هويته، أو استقراره على «نفس» واحدة مجتمعة ومتصلة. فالصياد المنتصب في تي شرت وجينز تترجح زرقته بين الأزرق البحري وبين الأزرق المَلَكي، ويشد وتر القوس والسهم الى الخلف، تكذب النظارتان السوداوان والضريرتان صيده ووتر قوسه وسهمه جميعاً. فهو ملصق على شاكلة مشخص. وتصويره يُحضره «اللوحة»، ويقحمه عليها، أو على وحدتها الإطارية المحض، حضوراً وإقحاماً لا يشك الرائي في افتعالهما، وفي محاكاتهما الفارغة، على قول أندي وارهول في طوية نفسه أو «تجربته الداخلية»، أصولاً أولى لا تقل فراغاً وهندسية عن صورها وأصدائها المولودة منها افتراضاً. ويتوسط مشخص الصياد الفائت، وفوته قياساً على قوسه وسهمه، والمعاصر، قيافة ولباساً وتركاً للعبارة، قاعاً خلفياً ليس بينه وبين مجسم الصياد رابط محسوس يصل وضع الصياد وألوانه بـ «إطار» يحفه ويحوطه. والرابط المعنوي، الصيد أو القتل، لا يخفى من غير شك. ولكن اللوحة تمعن فيه تقطيعاً وفكاً وازدراء فلا يبقى رمق فيه. ومن يوجب هذا الرابط، شأني أو غيري، إنما يوجبه نزولاً على «ثقافة» مدرسية أو تلفزيونية خاوية.

وعلى مثال صورة الصياد البوسترية والدرامية معاً، وهي يكذب بعضها بعضاً وينكر بعضها بعضاً، لا تذكِّر الطرائد الدامية والنازفة بالصيد القديم على جدران المغاور إلى على وجه بوستري كذلك. ويقتصر التوارد والتناظر على الفكرة المتداعية على نفسها. فهي، على خلاف مثالاتها الأصلية، تخففت من نواة الأصل الثقافي، أي من الحركة المتوثبة. وهي تحوط الصياد، المنصرف عنها وعنا وعن «اللوحة» ليس الى شأن يخصه، على نحو ما تحوط زينة مرتجلة «موضوعاً» مقحماً عليها، فترد الزينة الجوابَ بمحاكاة رديئة تشبه إقحام الموضوع، وانتصابه لمحل لا يدعيه. وتتبدد الزينة في جلوس من غير عرس، وفي تيه صحراوي من غير واحة ولا سراب. ويقوي الشطر الثالث من «اللوحة»، وهو الشطر «الأول» ابتداء من فوق ونزولاً الى تحت، النازع الى التناظر والتوارد الموضوعيين، وإلى الإيهام بوحدة الموضوع (الصيد)، فيما هو يزيد «اللوحة» انقساماً، ويفاقم بعثرتها المادية الحسية، اللونية والمكانية والزمنية الثقافية.

[أول من غير مرتبة

والقول أو الزعم ان ثمة شطراً ثالثاً في اللوحة، على ما تقدم للتو، ثم الاضطرار الى التنبيه الى معيار الترتيب (من فوق الى تحت)، ينبهان القائل الى ان «اللوحة» لا تنفك تشكك في تماسكها ووحدتها واتصالها بينما هي تقوم على افتراض التماسك والوحدة والاتصال فرضاً مادياً، قماشياً إذا جاز القول، لا فكاك منه. وينقض الترتيب المعنوي والصُوري الشكلي، ومعياره بناء المرئي على تقدم صورة بارزة «هاجمة» على النظر وتخلف قاع خلفي متوارٍ ومنكفئ، ينقض الترتيب هذا معيار النزول العددي من فوق الى تحت. ولا يسع الرائي الى «اللوحة» التملص من الترتيب المعنوي والصوري: فلا يشك في تقدم الصياد المفترض، او مجسمه، ما يراه من أشياء «اللوحة»، وترتيبه موضوعاً أول. ولكنه لا يلبث ان ينتبه الى ان معيار الترتيب هذا، وهو من بدائه الحس والفهم (الحس الفاهم)، لا يستقيم في مثل هذه الأعمال. فالصياد بارز وأول من غير شك، ولكنه «أول» من غير مراتب، ولا ثاني له أو ثالثاً.

فالقاع الخلفي والمتواري «وراءه»، ليس قاعه هو، ولا قاع غيره. والنظر القريب إليه، الى المفترض قاعاً خلفياً، يميز محلاً ملوناً ومضيئاً تتخلله ألوان أو إيماءات الزهري والبني الفاتح والترابي الرمادي، على غلبة الرماد. وتشبِّه الألوان طبقات تتفاوت قرباً من العين وبعداً. وينصرف المحل الملون والمضيء الى «حياة» منكفئة وعلى حدة، ولا شأن لها، لوناً أي معنى وحياة، بمشخص الصياد المشدود الجسد والقوس والوتر، والمقيم في سرمدية المشخصات المسرحية والدعائية والأكسسوارات عموماً. وعلى هذا، يحل الشطر العلوي من «اللوحة» ثالثاً متطرفاً، وينزل طرف العمل الأول. ويدعو الرائي الى تنقيل عينيه بين أجزاء (موقوفة الجزئية) «للوحة» واحدة موقوفة الوحدة. فلا يطيق الرائي التخفف من الوحدة الخبرية والموضوعية، ورميها وراء ظهره. فمجسم الصياد البوستري، والطرائد الدامية والنازفة منذ عشرات القرون، والتمثال المذهب والأقرع الذي تحاكي حركته المعلقة حركة صياد البوستر، في هيكل روماني من صنيع شيناشيتا يوم كانت تنتج شرائط البيبلوم زرافات و «سيريات» يدعوه هذا الى افتراض وحدة الخبر واتصاله. ويدعوه ما عدا هذا، وهو كثير ويتضمن الأشكال والألوان والجهات ومآتي الرائي ما يرى ومداخله إليه ومخارجه منه، وعليها مبنى العمل و «أصوله»، يدعوه الى نفي الوحدة والتماسك، والنقض عليهما نقضاً قاطعاً.

ولعل الوقوف في الوجهين، والترجح بين حد وآخر واستحالة إيجاب حد منهما، وإعمال التشكك في رجحان كليهما، لعل هذه كلها من بنية اللوحة، أو هي بنيتها، إذا بقي للرائي بعد هذا ما يستقيم به إثبات بنية على معنى مجتمع ومتصل. ويبقى العدد، في الأحوال كلها، ولو على وجه الازدواج والتثليث. فلوحة «بحر بيروت»، أو لوحة «جزمات»، أو بعض لوحة «تويتر»، أو بعض «مصارعون»، أو «بناية في الأشرفية»، الى لوحات أخرى مر الكلام عليها، تثبت اثنين. وتنصب واحدهما اصلاً، على شاكلة الرجل القاعد على حاجز شرفة البحر الحديدية (في «بحر بيروت»)، الى أسفل اللوحة ويسارها (يسار الرائي). ويردد رجل ثان، جالس أعلى اللوحة وإلى يمينها، «صدى» الرجل الأول، الفوتوغرافي (هل هو ثان حقاً؟ ولماذا لا يكون النواة الأولى أو الرسم الذي ما على الآخر إلا ان يملأها على نحو ما يملأ الحدس الحسي الرسم المجرد والفارغ الذي يتوجه إليه الإدراك؟).

ويستعيد الرجل «الثاني» رسم الأول، أو غلافه، من غير قسمات ولا نظارات، ويحلّ البحر، وقاعه المرتفع فوق الرجل الفوتوغرافي جداراً عالياً وغاشياً أربعة أخماس اللوحة، ويملأها بلون أزرق نيلي «تفوق» نيليته الأزرق القريب الذي يتخلل لألاء البحر (الجدار) وأمواجَه المفترضة. ولا يستقر مبنى للعدد أو علة. فهو يوقِّع الخارج والداخل، على نحو ما يوقع الشاهدَ والمتواري الطيفي، والجهتين المتناظرتين، والمُلابس والمفارق، والضوء المضيء من خارج والضوء المنبعث من داخل، والقائم المستقر في نفسه والتَّبَع المضاف إلى غيره، والمتعرض والمحتجب.

[مبنى الخبر

وتهافت مبنى اللوحة الخبري أو القصصي، بعد عرض هشاشتها البنيوية وحمل بنيتها على عدد خالص يترجح بدوره بين حدين متشابهين ومعلقين، هذا التهافت لا يحول بين اللوحة وبين القص والرواية، على مثال تعمل فيه اللوحات تحريفها ومراجعتها وتركيبها وتوليفها. ففي لوحة «في الأثناء»، الخامسة، تطالع الرائي اسماء «ولاية» بيروت وأحيائها، أو خططها، من الأشرفية والبسطة التحتا ومونو والوردية والسيوفي والدنا، من اليمين الى اليسار ومن فوق الى تحت، الى الحص وعين التينة ومينا الحصن فالزيدانية، الى يسار (رائي) اللوحة، وفي جزئها الأسفل. وهي على غير ترتيب مكاني، من جوار أو تناظر، ومرصوفة كيفما اتفق. وهي مرصوفة على شاكلة بلاطات طريق، وعلى شاكلة لُبنات جدار، معاً وفي آن. فيسع فتى، «اثيوبي» الرأس والوجه، أي هنديه وبيزنطيه معاً وتولد قسماته على حد الضوء، يلبس قميصاً زرقاً وبنطلوناً ترابياً، اعتراض اللوحة على وجهين: اعتراضاً «طائراً»، فيبدو مستلقياً على «الجدار» أو موازياً له ومتكئاً عليه، واعتراضاً «ماشياً» أو توليفياً، فتشبِّه قدماه المشي على «الطريق» وخططها.

ويسع الرائي ان يتخيل الفتى على وضع أفقي، ومتكئاً على الجدار أو مستلقياً عليه، شرط إدارة اللوحة على محورها، ونقلها من تعليقها الطولي الى تعليق عرضي. فتروي اللوحة، وهي على هذه الحال من الاثنينية، ومن إضمار الدوران على المحور، سيرة مدينية فتية «يمشي» صاحبها «على» أسماء الأحياء والخطط، ويجوس في خلالها ويراقصها، أو تروي «طيران» الفتى، المترجح بين قداسة القديس وبين فتوة البوستر الدعائية، في موازاة جدار المدينة او المدينة الجدار. وتتخلل اسفل اللوحة بين قريطم (البلاطة أو اللبنة) والزيدانية غرباً، الى يسار (رائي) اللوحة إذا حملت جهاتها على جهات خريطة جغرافية، وبين الحص والبنك المركزي شرقاً ظلال ثلاثة مسلحين يحملون ثلاث بنادق رشاشة هجومية من طراز كالاشينكوف المعروف، وخزانها المعقوف الى أمام والطويل. وقد يكون المبنى الخبري في اللوحة هذه على أوضح عبارة. ولكنه لا يدعوها الى ترك النقض على وحدتها وتماسكها، ولا إلى مماشاة حال خبرية متصلة ومحكمة.

وإذا نحت بعض اللوحات، شأن «في الأثناء»، نحواً خبرياً، ووضعت الخبر أو أوقعته على أسمائه المتعارفة والمشهورة، وأدرجته في سياقة متداولة وارتضت، تالياً، بعض الترتيب الزمني والمكاني والمعنوي الذي يعلق بالخبر وأسمائه ويلازمه لم تماش بنية اللوحة النحو الخبري المتصل. فالفتى المستلقي (و)الماشي على الطريق (و)الجدار، والمدينة الجامعة خططها وأحياءها وسككها ونهوجها في بلاطات ولبنات مرصوصة تتخللها ظلال المسلحين وتستبطنها، لا يسع الفتى هذا الرسو، ومعه معضلات المدينة، على محل واحد أو بؤرة «يتناول» المدينة منها، ويقرها على حال مفهومة لا اشتباه فيها: هل هي جدار أم طريق؟ وهل هي أفقية أم عمودية؟ والحق ان الأسئلة هذه، وغيرها من نمطها، لا تمت الى اللوحة برابط غير «نفسي»، أو غير خبري وموضوعي. وهو رابط متعسف، ولا يلزم اللوحة بشيء أو بتأويل. ويدعو المبنى الخبري الى التعسف والاعتباط، ما لم يحتكم التأويل الى المبنى البنيوي أو التشكيلي. ولكن اللوحة ليست بريئة من الترجح بين المبنيين والقطبين. وبناؤها بناء مزدوجاً، أو أكثر، يستحيل بته، أو الحسم فيه، يستدرج الى الوقوف في البناءين. وما تصوره اللوحة لعله، في المرتبة الأولى، هو تقابل الأفقين أو البناءين، وجواز الانتقال من أفق الى الآخر، ولكن على شرط إيجاب الأفق واصطناعه إيجاباً واصطناعاً مدركين ومرادين. فليس في اللوحة ما يطمئن الرائي الى انه يرى رأي العين، ويقرر تقريراً تتولاه اللوحة والأشياء الأصلية من ورائها، ولا يد أو عين أو رأي له في ما يوجب ويرى ويبني.

وهذا ربما ما لا تترك لوحات مثل «مسرح جريمة» أو «في خطر» أو «تويتر»، شكاً فيه. فهي تحيل رؤية مركبة وجامعة ودرامية، من محل أو موضع معين، الى «منظر»، أو مشهد أو مسرح، وإلى الفاعلين فيه. فما صنعته اللوحات «السابقة»، أي تلك التي تقدم الكلام عليها، من فك طبقات اللوحة وتحريفها وتوليفها ومراجعة اشخاصها، يغشى لوحات أخرى تتناول المدينة، وتقص أخبارها، على ما يبدو ويظهر، وعلى ما تصرح اللوحات نفسها. فالطريق العام والرصيفان والحديقة المنتصفة اللوحة والمباني الى يسار (رائي) «مسرح الجريمة» ورافعات البناء، الى الرجال الستة في مقدمها، يتعرفها الرائي ويتعرفهم من غير تردد. ولكنه لا يتعرف رابطهم، لا الحسي ولا المعنوي. فالطريق العام والرصيفان… تدمج أصنافاً متفرقة من حركات آلة تصوير سينمائية، منها البانورامية، ومنها الجانبية التي تستقبل دخول القاطرة الى محطة السكك منذ تعمد الأخوان لوميار تصويرها على هذا النحو قبل 115 عاماً تقريباً. ومنها التي تشبه مواكبة حركة الموضوع الظاهرة أو المضمرة ومشايعة هذه الحركة (أو «ترافلينغ») الى حين بلوغها غايتها المعلقة. ومنها تلك التي تحتسب المكان مسرح ظهور مدوٍ وكامن، ينتظر بشارة لا تأتي. و «يأتي» أفق مُعمٍ لا يرهص بأفق وراءه، مترع بضوء هو مجسم ضوءٍ أو مشخصه، وعلى عسر تصور الأمر وقساوته الفظة. والشمس وحدها بؤرة خفية ترى آثارها في اللوحة ظلالاً عجفاء، وذوائب تتبع «أصولاً» ملتوية. والبؤرة الواحدة والخفية، وهذه حالها، يخرج من دائرتها، ومن ضويها ما تضوي على وجه الأثر الهزيل والأعجف، الرجال الستة المجتمعون والمنفردون. والستة هؤلاء، بدورهم، ينحلّون ويتبعثرون خمسة وواحداً (الثاني من اليمين) ايقونياً على حدة. والخمسة يتفرقون من غير عمق يرتبهم على مراتب تنتهي الى قاع جامع.

[ قديس «تويتر»

وتستقبل «اللوحات»، الكثيرة البؤر والعدسات والحركات والمداخل والمخارج والأخبار، الحادثة التاريخية الكبيرة الاستقبال التشكيلي الدرامي (على معنى «دراما» الأول أي جملة الحوادث الجزئية في الحادثة الجامعة) الذي يليق بها (و «يليق»، الفعل، ينم تحسيناً وتقييماً، على قول المتكلمين في الأخلاق، لا أبرأ منهما ولا أدعي البراءة، على رغم ما صارت إليه الكلمة في بعض الشعائر). وقد تكون «تويتر» اللوحة الثالثة عشرة في الترتيب، بين «المخطوطة» البراقية التي تقدم كلام فيها، قبلها، وبين «مصارعون»، بعدها، ولم يسبق كلام فيها مرآة مثل هذا الاستقبال والتزامه، على رغم عاطفة مشبوبة أو جراء هذه العاطفة، مباني اللوحة الريمية الجندية. ففي المقدمة يمسك مقنع أسود، هو قناع كله وأسود كله ويتردد شكله بين الإنسي والحيوان ومسخيهما، ونظيره شبهه «داخل» اللوحة، بقتيل أبيض ومضطجع على حمالة من لون جسمه، مقطوع الذراع اليسرى، رخامي أو حجري، فاحم الشعر،عارٍ عري القديس سيباستيان، من غير دم ولا ألم. ووراء القتيل، على افتراض عمق جامع، شَبَه سيارة إسعاف.

وعلى خلاف المقنعين السوداوين وكتلتيهما الممسوختين، وهما يردد واحدهما الآخر على ما يُرى في معظم اللوحات ومرسومان على شاكلة مجسم أو مشخص تعبيري وغير بوستري، يثوي القتيل الرخامي وجهاً وجسداً زكيين، على مثال النفس الزكية في قَصَص الظهور والمجيء، وساكنين. وليس ثمة، في وجه الضجيع وجسمه، ما يؤذن بقيامة، أو يرهص بتجلٍ أو خلاص، على خلاف لوحات القديسين التي رآها الروائي الفرنسي ستيندال (هنري بايل) في كنائس روما، مطلع القرن التاسع عشر، ولاحظ أن نظرات قديسيها المرفوعة في ثبات ويقين الى السماء تستعجل الخلاص، وتستحضره على نحو ينكر الزمن وأوقاته و «قلقه». فقديس تويتر، قديس اللوحة و «الشيء» والزمن او العصر، لا يحيي الخلاص ولا القيامة ولا يبعثهما، ولا يعتقدهما. وليس جماله أو بهاؤه من صنف «إلهي». وليس موته على رجاء قيامة. ولا يحمل الإشفاق الأخوي الذي رسم الضجيع الإيراني، صنو ندا آغازاد، صاحبة الوردة، اللوحةَ على نفخ الحياة الحق في اصل أول. فإثبات اصل أول، «إلهي»، يترتب عليه الحط بالحياة العارية والسائرة الى ظاهر من غير أود عدا الأود المنزل عليها من غير «استحقاق».

ووراء الثلاثة، المقنعان الممسوخان والقتيل الزكي وشبه الحمالة والسيارة، متظاهرون ومصورون. وتلابس هؤلاء مدينة ومبان شبكية وملونة ألواناً فرحة، لا محاكاة فيها ولا تشكيك. ووراء المدينة، على أفقها الخلفي، سماء شبكية على شاكلة قطع أحجية («بازل») ظاهرة المعالم والحدود. وتتوسط السماء شمس مذهبة، عميقة الذهب، تحضن ظلاً أيقونياً، بنياً وأسود، للقتيل المنفك من قبضة المقنع وكتلته. وعلى خلاف العينين المغمضتين، والفم المطبق، في مقدمة اللوحة، العينان مفتوحتان، ويلتمع الفم بضوء يشبِّه فتحة، وإنما من غير يقين بحياة. ولا يدعو الاحتفال بالشمس المذهبة والحارة، ولا بظل الضجيع الزكي والبصير والمفتر الفم عن ضوء باطن، لا يدعو الى إغفال صدورها عن الصنع والرسم. فالهالة الخضراء التي تحوط الشمس تحاكي، من غير تشخيص أو تجسيم ولكن من غير ضعف أو مواربة، رسمَ الأولاد شمسهم، واحتفاءهم بها. والشمس المذهبة في صدر «تويتر» تتصدر اللوحة، ولا تحيي قتلاها وقتلانا، على قول جرير، على نحو تصدر بعل في لوحة «بعل»، والديك الزاهي الألوان «المصارعون». فالأعياد جائزة، وتنفخ بعض الوصلة فيما بدا تفرقه تبديداً وتقطعاً وطعناً لا رجوع فيها. ولكن «الآلهة» جلت عن المدن، والإقامة، على معنييها، معنى الرفع ومعنى السقوط.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق