معرفة فأرية

لقد أضحى العالم، بسرعة غير متوقّعة، غرفة كونية سائلة ومغرية ومشتّتة. لكنّ معرفة العالم الآن معرفة فأرية سرّية مبتورة ومتداخلة ومعتمة. إنّها غزيرة ومتعددة، لكنّ حسّيتها الأخلاقية تتضاءل لصالح تسارعها الشديد وحيادها الرخو. يمكن لتقنيات التواصل أن تقدّم مدى هائلاً من الأخبار والمعارف المستجدّة، غير أنّ انعدام الضوابط، المهنية والسلوكية والقانونية – خاصّة في دول قمعية ومجتمعات تفضّل العنف والتحريض على الحوار والتفهّم، تكرّس تأليفاً لاهثاً وتلقّياً كسولا وتداولا مستسهلا. فئران المعلومات تنشط في كلّ مكان، محوّلة النفس القارئة إلى مأوى جحور مهيمنة ومتناذرة. فئران تحجب عن المكان الإنسانيّ التواصليّ ظلّه الأكثر رهافة وسلواه الأشدّ نعومة. معرفة – معلومات سلعية. طرق التلقّي والتحاور والتكاتب ترضخ دون وعي لوسائل غير مسبوقة. إنّها تجيد العمل، لكنّها لا تخلق متعة العمل، إنّها تقتحم أكثر من جغرافيا، ولكنّها لا تجيد فنَّ الانتظار، ولا تعرف كيف ترفض نوع العمل عندما يغدو العمل سجناً وإذلالاً. المعاني حلّت محلّها الأرقام فيما المشاعر توزن كما تتواجد وتضمحل وتتكاثر كأنّها أشبه بكميات من “الثقافة”. الأرقام دقيقة – على فرض دقّتها المشكوك بها – لكنّها لا تشعر ولا تحزن ولا تخاف ولا ترأف. إنّها تمسح ما ترقمه وتبتلعه في إحصائها الطاغي وتعميمها البارد. ثمّة شيء من طغيان الغريزة الصقيعيّ هنا. الغريزة التي تأكل ولا تتذكّر جوعها. تجوع ولا ترى جوارها المريض بالفقر. تمضي وتتقدّم ولا تتأنّى أو تكترث. على هذا، فالغريزة التي تتأتّى من نوع جديد من التواصل المعتم تطفئ قوّة الحياة النوعية والخصبة والمفارقة. العتمة المعلوماتية تكشف عن جسد ليلها الجديد، ليل الوحدة، أو بعبارة لأوكتافيو باث: متاهة الوحدة. توحّد المعلومات شكل عرضها، وتتحكّم بمصدرها ونوعيتها وعلائقيتها الحالية والقديمة، وتوقيت ومكان نشرها وبثّها، كما أنّها في الوقت نفسه تلغي أو تقيّد حرية نشر المعلومات. أنظر إلى أيّ موقع إخباريّ أو محطة فضائية، سترى نفس العناوين الرئيسية. إنّه عالم صحافي وإعلامي أشبه بشيفرة رقمية متّفق عليها. الأرقام تحصي وتنهي وتحسم، واللغة التي تتّكئ على الرقم والغريزة، تخاطب ولا ترى. هكذا تنثلم الغريزة بمعناها النبعي السخيّ والمتدفّق والمتفجّر بلا إيذاء والمتدفّق بلا إكراه ولا تشويه. أين الغريزة التي تملأ وتكشف وتصغي في إسار من ضياء جسد مجهول؟

***

فقدان كلمة يعني قبراً. تعبير للشاعر عباس بيضون. فماذا وإلى أين يمكن أن تفضي فقدانات يومية عجولة كثيرة ومستمرّة بلا توقّف؟!

إنها العطالة عن العمل النزيه الصارم والمحبّ، عطالة تحجب في الوقت الذي تعطي فيه المتلقي استرخاءها الكسول وهمّتها الراضخة. أنت لا تنشئ المعاني – المعارف قدر ما تتلقّى المعاني – المعلومات. ألا نكون أمام نوع من مرض جديد أدمن ثقافة وتقانة النقل والإتباع والترويج – وهي كلمات من معجم سوقيّ تجاريّ – هي الوجه القبريّ والملغي لثقافة وتقانة البحث والسؤال والاستكشاف.

***
على الشعر هنا أن يخشى وينأى وينعزل أكثر من أيّ وقت مضى. على الشاعر كما يقول نيتشه أن ينجو بوحدته ويختار العزلة طلباً للمعرفة القاسية. عليه أن ينجو مما هو كونيّ معولم ضاغط، متشابه ومتناسخ. أهذه دعوة للتخفّي والتقوقع على جسد ثقافة محلية ركيكة وخائفة وبالية؟ قطعاً لا. ثمّة على الدوام نفحة سرّية ترفع الشعر من الثقل إلى الخفّة ومن الرعب إلى مدى جمال لا نهاية له. عالم النجاة المنصوح به، هنا، يعيد الاعتبار لما هو إنسانيّ، سرّي عطوف، خافق فيما هو صامت وناء. إنّه النظر الحميم؛ يتنفّس قرب ما هو قريب حدّ البعد وأليف حدّ الغرابة ومعتم حدّ الإشراق.

***

في المخاطرة جزء من النجاة. عبارة رحالة نستعيرها بخجل من عالم السائح الجوّاب محمد بن عبد الجبار النفّري. مكوثنا قرب قرابتنا المحلية. أهو ضرب من الهرب من المخاطرة؟ أين محلّ ما هو خطير هنا. أهو في البعيد السائل على وجوه الأمم والشعوب؟ أم هو في القريب الذي لم نعد نبالي به لفرط ما هو قريب وقابل لنسيان سريع؟ إنّه هذا القريب الهائل، القريب الشاسع، يضرب العين لئلا تغفل أو تهرب أو تنكر ما يحيط بها كما يحيط سوار من الخوف بمعصم من الرجاء أخرس. يدكِ هذه. فقط لو يدك ( للشاعر الراحل بسام حجار). يدك القليلة الضئيلة هي اليد الصديقة – المفتاح صوب قلبك حيث مختفيات ومرتقبات حياتك كلها. يد قليلة. ألا يكفي القليل؟ القليل لتنظر وترى، ترى وحسب. القليل، لنذكر معه شطراً من بيت المتنبي: ” إنّ القليل من الحبيب كثير “.

لننظر في بناء يحرف قليلاً من بناء المتنبي:

إنّ الأليف من القريب غريب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق