“معركة حديثة”.. حرب مَرَضيّةٌ ضدّ السلم والحبّ

ليس فيلم بروبغندا على الشاكلة السوفيتية أو الأمريكية الهوليودية خلال الحرب الباردة، وليس كذلك هو فيلم قائم على تعاطف مرضيّ مع قضية تحرّر أو حركة مقاومة مهما كان شكلها أو أهدافها، وإنما هو شريط سينمائي واقعيّ جدّا، أخذ فيه مخرجه نيك برومفيلد Nick Broomfield مسافة رمزية ونفسية بين مختلف أطرافه وشخصياته وشرائحه الاجتماعية والسياسية والعسكرية، تعتبر إجمالا مسافة محترمة رغم بعض التوجيه السياسي الذي شابه في فترات قصيرة منه، وخاصة في الدقائق العشر الأخيرة.

ينبني فيلم “معركة حديثة” على حادثة حقيقية حصلت في التاسع عشر من نوفمبر عام 2005 بمدينة حديثة العراقية، أردى خلالها العسكر الأمريكي 24 مدنيا من سكان المدينة، معظمهم نساء وأطفال، إثر مقتل أحد الجنود بعبوة ناسفة زرعت على جانب الطريق قبالة منازلهم، وقد تمّ الكشف عن هذه الحادثة من خلال شريط مسجّل بعث به أحد الطلاب العراقيين بمعهد الصحافة العراقي إلى مجلة التايمز الأمريكية، فقامت بنشر الحادثة وتداولها في وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، مما اضطر جورج بوش ساعتها إلى فتح تحقيق في الحادثة، وعرض أعضاء الفرقة الأربعة من جنود المارينز الذين قاموا بعمليات القتل المتعمد للمدنيين على القضاء العسكري، غير أنه تمّت تبرئتهم في آخر المطاف وترقيتهم ليتحول مثلا قائد الفرقة إلى رتبة عريف نقيب.

في هذا السياق الإعلامي السياسي الحربي ظهر فيلم معركة حديثة “the battle of haditha” بإنتاج من القناة الرابعة البريطانية أواخر سنة 2007، ووقع إطلاقه رسميا في دور العرض الأوروبية والأمريكية بداية من فيفري سنة 2008، فلاقى رواجا واسعا للحرفية العالية التي صوّر بها، خاصة وأن مخرجه البريطاني نيك برومفيلد من مؤسّسي السينما الوثائقية والسينما التسجيلية الروائية المعاصرة، وله مدرسة فنّية تخرّج منها مخرجون كبار محترمون ممن تتلمذوا على يديه، نذكر من بينهم مايكل مور الشهير بأفلامه الوثائقية “الحيّة”، ولويس ثيرو ومورغان سبيرلوك، وتقوم هذه المدرسة حسب الناقد السينمائي إبراهيم علوش على “رفض التعامل مع الفيلم الوثائقي كانعكاس جامد للواقع، وضرورة جعله معبّراً عن وجهة نظر مخرجه، باعتبار رؤية الواقع مسألة تخضع لوجهات النظر. أما من ناحية المبنى، فإنّ نِك برومفيلد أدخل إلى الفيلم الوثائقي فكرة إظهار هيكله للجمهور، ومنه المقابلات الفاشلة أو الطرق المسدودة، أو حتى وجه المخرج والمصور وحركتهما، وهو النهج الذي نجده في أفلام مايكل مور مثلاً”.

وتقوم فكرة الفيلم الذي كتب نصّه السيناريست هوفيرلين مارك Marc Hoeferlin بالشراكة مع مخرج الفيلم نيك برومفيلد Nick Broomfield ، على قصة واقعية حصلت بمدينة حديثة العراقية كما سبق أن أشرنا ، يقوم خلالها “ارهابيان” بزرع عبوة ناسفة على جانب الطريق قبالة منازل المدنيين بمقابل مالي يقدّمه لهما عناصر تنظيم القاعدة، وبعد مرور رتل عسكريّ أمريكي بالمكان تنفجر العبوة الناسفة لتخلف قتيلا وجريحا أمريكيين وحالة من الهستيريا عند جنود المارينز تفقدهم صوابهم وتجعلهم يطلقون النار عشوائيا على المارين بالمكان، كما يقومون بدخول المنازل القريبة من المكان وقتل أغلب من فيها من عجائز ونساء وأطفال بدم بارد، لتنجو من الحادثة فتاة في التاسعة من العمر تدعى إيمان وليد، وقد استغل شيخ المدينة وإمام مسجدها الحادثة ليقوم بتجنيد الكثير من الشباب للمقاومة المسلحة والتشهير بالاحتلال..

يطرح الفيلم قضايا الاحتلال والمقاومة من خلال شخصيات حقيقية عاشت فترات صادمة من الحرب الأمريكية ضد العراق، وهجرته بعد أن فقدت فيه الأمان والأهل إلى الأردن حيث استقروا كلاجئين وشارك البعض منهم في أحداث هذا الفيلم، إضافة لبعض الجنود المارينز الأمريكيين الذين قضوا عددا من السنوات في الخدمة العسكرية في العراق، وعرفوا معنى القتل والتشريد والدمار والفوضى المنفلتة من عقالها التي أنتجها الاحتلال الأمريكي للعراق. ونذكر من بين هؤلاء الجنود إيليوت رويز الذي يقوم بدور قائد فصيلة المارينز وقد سبق له أن خدم في الجيش الأمريكي لأربع سنوات، وكان فيلم معركة حديثة بمثابة الانطلاقة الفنية له حيث أظهر فيه أداء إبداعيا عاليا خوّل له أن يشارك بعد هذا الفيلم في أعمال سينمائية أخرى…

اختلفت في فيلم معركة حديثة المواقع والمنطلقات والشخصيات السينمائية، بل وتناقضت من حيث انتماءاتها السياسية والعسكرية والاجتماعية، واتسمت سيكولوجيتها بالتركيب والاضطراب والازدواجية، وتعتبر حالتها تلك انعكاسا للفوضى العارمة التي خلّفها الاحتلال والدمار والقتل الجماعي بمختلف تلويناته السادية(ثأر، انتقام، لهو، استمتاع، تجريب..) عند القوى والتنظيمات والعناصر المسلحة على اختلاف أهدافها وتمثلاتها: تحرير، إرهاب، مقاومة، احتلال، نفي، تشريد، قتل فرديّ وجماعيّ، دمار، اغتيالات، لصوصية، نهب للثروات الرمزية والبترولية…

تنقسم شخصيات الفيلم إلى ثلاث فئات فنجد المسلّحين أو “الإرهابيين” حسب ما جاء في الفيلم، ومن خلفهم عناصر تنظيم القاعدة، ونجد أيضا جنود المارينز وكذلك المدنيين. وكل مجموعة من هذه المجموعات تختلف عن الأخرى في تركيبتها السيكولوجية والذهنية والسياسية والاجتماعية إلى حد التناقض أحيانا، لكنها تلتقي في معان إنسانية عالمية تدخل في سياق ما يمكن تحديده بالتناص الدلالي للمعاني البشرية وتنزيلاتها المتعلقة بوحدة المكان في هذا المقام، رغم تنوع النوايا والثقافات والدوافع الإنسانية والمادية والبراغمتية، لخوض هذا الصراع العبثي من أجل إثبات الذات ونفيها في آن…

ويطفو على السطح في هذا السياق معنى الضحية كنتيجة لصراعات إقليمية ودولية كبرى اختزلت في جغرافيا الآخر، واستعملت جميع الأوراق والبيادق والأحصنة بهدف فرض معنى الهيمنة والأحادية والمساومة حتى على جثث الضحايا في إطار فوضى مستشرية في كل مكان وفي مختلف الأزمان التراجيدية…

معنى الضحية في فيلم معركة حديثة، كما أرادنا أن نفهمه مخرج الفيلم نيك برومفيلد، يساوم به الفاعلون في المشهد العراقي العامّ لابتزاز الخصوم والأعداء وتجييش الأنصار، أو لشيطنة الآخر وإبراز فظائعه وبربرية ردود أفعاله وهمجيتها، والتي تأتي خارج سياق التوثب التاريخي البعد ـ حداثي..
وتأتي شخصيات هذا الفيلم وأبطاله لتؤثث هذا المعنى وتثير جدليات متواترة خارجية/داخلية سواء على مستوى الفهم الرمزي للتركيبة المتعددة، والمتناقضة أحيانا لهذه الشرائح، أو لمختلف الأدوار التي من الممكن أن تحلّ فيها بلا رغبة أو إرادة منها، فيتحوّل الجلاد إلى ضحية، وتنزاح الضحية إلى مرتبة الجلاد، في تداخل عضويّ مكثّف بالدلالات والرموز والتراجيديا على وجه الخصوص، والتي تميّز تسجيلية هذا الفيلم وعنفوانه الدراميّ.

ومن فئات الفيلم العاكسة لهذه الملاحم والمشبعة بها، نجد الجنود الأمريكان، أولائك الذين كانوا في مهمة عادية على الطريق، وإذا هم يتعرضون لتفجير عبوة ناسفة عن بعد مزروعة على جانب الطريق تودي بحياة أحدهم وتجرح آخر، فتكون ردّة فعلهم منزاحة عن قواعد العسكر واتفاقات جنيف الدولية، لتغرق في ردّة الفعل المرضية المشبعة بالانتقام لزميلهم المقتول، وذلك بقتل خمسة مدنيين وجدوهم على الطريق، ثم تسعة عشرة آخرين من عائلة كبيرة فيها الجد والجدة والبناء والأحفاد من الأطفال، قتل أغلبهم في هجمة لجنود المارينز مدفوعة بلذّة الانتقام والتشفّي وإزهاق الأرواح بدم بارد، في مشهد قتل جماعي تسجيليّ وصادم تشكّل بسريالية السادية التي ملأتهم وحددت سلوكهم العسكري في تلك الأوقات..

ما يستشفّ من الفيلم في هذا المقام، أنّ مظاهر القتل والدمار التي يصنعها المارينز في المدينة العراقية حديثة جاءت كنتاج لسياسة أكبر من تلك التي يخوضها الفاعلون الميدانيون، وإنهم صنيعة لما يحاك في مطابخ الدبلوماسية الإقليمية والدولية، أي أنهم ضحايا لقوى أعتى منهم وأشرس توجّههم كالبيادق على رقعة الشطرنج العراقية، فيلعبون فيها دور الجلاد مخيَّرين، ليتحوّلوا إلى ضحايا عبثيين لاختيارات فاشلة ودعاية سوداء لأسيادهم بارونات الحرب الحقيقيين..

وهو منطق سينمائي خطير للمخرج نيك بروومفيلد إذا كانت النية منه التبرير لا تفسير الحالة النفسية التي أصبح عليها الجنود الأمريكان وردود فعلهم المرضية تجاه المدنيين العزل.

نجد كذلك من بين القوى الحاضرة في الفلم والمجسّدة لإحدى الفئات الفاعلة فيه، المقاومين المسلّحين أو “الإرهابيين”، كما نعتهم كاتب السيناريو هوفيرلين مارك Marc Hoeferlin ، ويتفرّعون إلى شريحتين؛ الأولى يمثلها مسلّحان أحدهما ضابط سابق في الجيش العراقي تمّ تسريحه بعد حلّ الجيش عقب الاحتلال، والآخر شابّ عراقيّ بسيط مهووس بأفلام العنف، تمّ تجنيدهما من قبل الشريحة الثانية عناصر تنظيم القاعدة بمقابل مالي لينفّذا عملية التفجير. الاختلاف المستشفّ داخل هذه الفئة من المقاومين يبرز في عقائدية ودينية المجموعة المنتمية لتنظيم القاعدة، على خلاف الضابط العراقي السابق مثلا الذي يتلقّى ثمنا ماليا لعملياته المسلحة..

رغم ذلك، فإنّ الضابط العراقي أحمد يعترف، في المشهد الذي ينتظر فيه مرور الرتل العسكري الأمريكي، أنّه يقاتل من أجل تحرير بلده وليس من أجل صدّام أو القاعدة، وبعد إتمام عملية التفجير وقتل المدنيين، وفي اللقطة التي يقدّم فيها الشريط المصوّر لمشاهد القتلى لشيخ المدينة يعبّر عن ندمه وتراجعه لكثرة عدد الضحايا الأبرياء..

اعترافات قالها للتطهّر والتوبة من دماء سالت وأرواح بريئة زهقت، بسبب عملية مقاومة لم يكن يتوقع أن تكون لها هذه النتائج المأساوية الصادمة، وردود الفعل الإجرامية من قبل المارينز الأمريكان.

ولعلّ المخرج من خلال مقاربته للمقاومة و”الإرهاب”، يريد أن يفصل بين تلك التي تأتي كرد فعل مبرر للاحتلال والأخرى التي تخدم أجندتها الخاصة العقائدية بهدف إقامة إمارة إسلاموية قروسطية، بتفجيراتها ضد الأمريكان والمدنيين، واتفاقاتها السرية المشبوهة مع خصومها العقائديين .

المدنيون هم الفئة الثالثة في هذا الفيلم، حيث يعيشون حياة عائلية مستقرة وسعيدة، تعبّر عنها لقطات الحبّ الموظفة جيدا في سياق السرد السينماتوغرافي، نجدهم كذلك يحتفلون لفرح أحدهم بشكل جماعي إلى أن جاء المسلحون أو “الإرهابيون” ملثمين بطريقة بغيضة هذه المرة، ليزرعوا القنبلة قبالة منازلهم فتتحوّل حياتهم إلى حيرة وخوف ولا يستطيعون الإعلام عن المتفجرات خوفا من بطش المسلحين، فيخبرون شيخهم الذي يأمرهم بالترقّب وانتظار انتهاء العملية إلى أن تقع الحادثة ويقتل أربعة وعشرون منهم، أغلبهم من النساء والأطفال العجز..

المدنيون في هذا المشهد يقفون على الحياد ويسكتون على التفجير بدافع الخوف، لا بدافع دعم المقاومة والوطنية، وهم مضطربون يسيرون بلا بوصلة واضحة ولا خطى مركزة، مثل خطوات كاميرا المخرج التي نراها متخبّطة أحيانا لا تعرف أين تتجه، وكأنها ترتطم بطرق مسدودة كلما تحولت وهي تقنية سينماتوغرافية تتسم بها الفلموغرافية التسجيلية للمخرج بوومرفيلد، ونلحظها مثلا في اللقطة التي يقتحم فيها المسلحان أحد المنازل المطلقة على الطريق، حيث الفوضى العارمة التي أحدثها اقتحامهما للمنزل انعكست على كادراج الكاميرا ودقة تصويبها وعمى الاتجاهات الذي أصابها، وكأنك أنت من يمسك بآلة التصوير ويسجّل، بعد أن فاجأك مسلّحان خطران في عقر دارك..

بعد تنفيذ العملية والردّ الانتقامي لجنود المارينز الذي أتى على أغلبهم، يقتل أحد الزوجين العاشقين كما صوّرهما الفيلم، فيموت الحبّ. ثم يقتل أربعة عشر طفلا لا يتجاوز أكبرهم أربع عشرة سنة، لتقتل طفولتهم معهم، وبعدها الأمهات لتموت معهن أمومتهن، وكذلك يقتل الشيوخ لتموت معهم حكمتهم.

{{ملاحظات عامة..}}

سمة التيار السينماتغرافي التسجيلي أنه ينبني في الأغلب على أحداث واقعية حدثت في أزماننا هذه، لينقلها مخرجو هذه الأفلام من خلال وجهة نظر درامية ذات بعد فنّي مقارب، وهذا ما لمسناه في فيلم معركة حديثة للمخرج البريطاني نيك بوومرفيلد، إلا أنّ تناوله الفنّي لواقعة مجزرة حديثة لا ينزهه عن بعض التوجيه في آخره من أجل مقروئية نقدية للأحداث على شاكلة رؤية اليسار اللبيرالي الغربي للحرب على العراق، ويرجعها البعض لطبيعة الاتفاقات التي صاغها مخرج الفلم مع القناة الرابعة البريطانية، والشروط الأدبية التي من الممكن أن تفرضها على المخرج من أجل إنتاج الفلم وتوزيعه وبثه، ورغم ذلك فقد قدّم لنا بوومرفيلد صورة فلمغرافية دقيقة لمشاهد القتل وردود الأفعال المتنوعة عليها في الداخل العراقي وخارجه، بحبكة درامية وإتقان عالٍ يليق بمخرج أسّس لمدرسة تسجيلية روائية ساهمت كثيرا في إثراء السينما العالمية.

كشف فلم معركة حديثة عن الرقابة والتوجيه للمراسلات الصحافية الحربية حيث أن قضية مجزرة حديثة حينما نشرت على وسائل الإعلام للمرة الأولى، تحدّثت عن تفجير أودى بحياة خمسة عشر مدنيا ونفت تورط المارينز في القتل، ولم تعرف الحقيقة إلا بعد أن بعث بالشريط المسجل للوقائع الحقيقية لصحيفة التايمز الأمريكية، ويعتبر السينمائي التوثيقي دي بالما مخرج فلم “روقب” Redacted في معرض حديثه عن الإعلام بأنّ “السلطة الرابعة خذلتنا”، في إحالة واضحة على الرقابة التي تخضع لها المراسلات الصحافية الحربية، والميزة الايجابية لنوعية الأفلام الواقعية هي أنها تنقل لنا أحداثا وقعت بالفعل بأكثر جرأة وبوجهة نظر درامية تعكس مقاربة صاحبها للحدث.

الفلم كشف بحقّ عن الوجه المخفيّ للاحتلال، وعن الحالة المرضية السادية التي تصيب جنوده خلال الحرب، أو حتى بعدها نتاج لعبثية متأخرة بأسباب الوجود في جغرافية مماثلة مما يدفعهم للقتل العشوائي والفوضوي وأحيانا كثيرة بدم بارد من أجل العودة لقواعدهم أحياء في آخر النهار.. حرب يخوضونها ضدّ السلم والحبّ، كما يتجسّد في إحدى اللقطات آخر الفلم..
فالرسالة الأخيرة التي ربما أراد أن يوصلها لنا المخرج من خلال مشهده الأخير هي أن ما يحدث في العراق هو حرب تصعيد مرضية ضدّ السلم والحبّ، بإدارة غامضة من فاعلين إقليميين ودوليين ذهب ضحيتها المدنيون المسالمون بدرجة أولى والبيادق والعسكر الميدانيون بدرجة ثانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق