معكرونة

تروي إحدى النكت ( البايخة ) إن دودة دخلت صحن معكرونة فصاحت مذهولة: ” لشو كل ها لزحمة”. أنا دودة ريفية تفاجئني يوميا كل هذه المعكرونة الموجودة حيث أذهب، ويوما بعد يوم أكتشف إنني قليل ضائع وسط كل هذا الكثير البائس.

ببداية شهر شباط / فبراير من السنة التي سبقت هذا العام الماضي بدأ أسبوع الفيلم الفرنسي العربي وقررت كالعادة أن أحضره مع أصدقائي في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق كوني مقيما فيها في حينها. كل سنة توزع بطاقات كل فيلم (وهي مجانية) قبل العرض مباشرة ولكن في تلك السنة تم توزيع بطاقات كل الأفلام سوية. وحين ذهبت في اليوم الثاني لحضور الفيلم فوجئت بنفاد جميع البطاقات لكل الأسبوع (فوجئت كوني لم أكن أعلم بفكرة توزيعها جميعا) وحين لاحظت الموظفة الفرنسية بؤسي، أخبرتني بأنه يمكنني الانتظار أمام صالة العرض ويمكنني الدخول في حال كان هناك أماكن فارغة بعد بداية العرض.

كنت يائسا بسبب الزحمة التي شهدتها ومع فكرة نفاذ البطاقات أيقنت إن هناك إقبالا فرنكوفونيا في ذلك العام. حين ذهبت للانتظار أمام صالة العرض فوجئت (مرة ثانية) بالعدد الذي ينتظر مثلي (كلهم كانوا مثلي بؤساء وأخبرتهم الموظفة الفرنسية بالانتظار، أو ربما بعضهم فقط ومن ثم قاموا بعزيمة أصدقائهم للانتظار معهم كما فعلت). بين فترة وأخرى يظهر شخص أو مثنى أو ثلاث رافعين بطاقاتهم عاليا فنفسح المجال لمرورهم ونحن نبدو كما كنا في المدرسة حين يأخذوننا من دوامنا ويصفونا كالشجر على جانبي الطريق لساعات لاستقبال المحافظ أو مسؤول حكومي آخر يزور القرية (تخيلوا نوع المتعة التي تنتابه وهو يشاهد أطفالا تحت الشمس أو المطر وهم جامدين كالتماثيل على جانبي الطريق متفاوتين في الطول والشكل والأمزجة وجودة الثياب). ولما بدأ العرض دخلنا جميعا وتفاجئنا (مرة أخرى) بأننا، نحن الداخلون بدون بطاقات، أكثر بخمس مرات من الحضور أصحاب البطاقات. تكرر هذا المشهد يوميا فسقطت نظريتي أمام أصدقائي الذين أقنعتهم بفكرة رواج الفرنكوفونية ذلك العام في سوريا.

من خبرة حضور النشاطات الثقافية بدمشق لأكثر من سنتين تبين لي مبدأ الزحمة الذي طورته إلى نظرية للزحمة تتمثل معالمها بالتالي:

ينقسم الأشخاص الموجودون لحضور نشاط ثقافي ما إلى نوعين – مبدئيا – لم أحظى بعد بتسمية مناسبة لكل نوع. النوع الأول مدعو من الجهة المنظمة أو من الموظفين القائمين على النشاط أو من جهة أخرى (؟؟؟) وهم بالمجمل يحملون بطاقات تؤهلهم لحضور النشاط، وهؤلاء كثيرون في الحقيقة. أما النوع الثاني فهم المهتمين بالنشاط الثقافي وقد يكون بعضهم من النوع الأول الذي يدعو هذا النوع بالفضوليين كون بعضهم لا يملك بطاقات دعوة وهم موجودين في كل نشاط ثقافي وهم كثيرون أيضا.

النوع الأول هو من صنف المتحول الحر، فالوجوه  تتغير بتغير طبيعة النشاط الثقافي ونوع الجهة المنظمة ومكان النشاط. في حين إن النوع الثاني شبه ثابت، فأنت تحفظ وجوههم بمجرد حضورك أكثر من نشاط ثقافي مع بعض الاستثناءات (من المفيد إن تحوي النظرية بعض الاستثناءات) القليلة.

هذا التصنيف لا يمثل سوى الوقت الزمني الذي يسبق الدخول إلى العرض أو النشاط الثقافي، فبمجرد الدخول إلى مكان النشاط يصبح لدينا نوعين آخرين – فهنا لم تعد هنالك أي قيمة للبطاقة فالكل أصبح في الداخل – باستثناء بعض المتحولين أصحاب البطاقات الذين يغادرون قبل الدخول باعتبارهم  معنيين بحديث ما قبل دخول العرض لا بالعرض نفسه. وضمن الفترة المتراوحة ما بين 5-15 دقيقة على الأقل (وقت التأخير الاعتيادي لأي عرض في سوريا) التي تسبق العرض نجد نوعا أول (مختلف عن الأول الذي فوق) يبدي الاستياء من الزحمة وحرارة الجو (حتى في منتصف الشتاء) ويتحدث بصوت عالي متلفتا في كل الاتجاهات مفترضا إن كلامه وتعليقاته ضاحكة وتبين مدى خفة دمه. هذا النوع يغادر على الأغلب لحظة بدأ العرض وأصحابه يفترضون إن العرض ممل من شكله. النوع الثاني يمتعض من النوع الأول الذي يمثل له قلق دائم في كل عرض، وأيضا ينسحب جزء منه في منتصف العرض. وهناك نوع ثالث لا أستطيع – للأمانة – إن أميز طبيعته بدقة وهو نوع بالغ الأهمية، فهو يتلقى اتصالا ضمن العرض وحين يرن جواله بصوته العالي جدا – للمصادفة – يصفن فيه ليتذكر من صاحب الرقم ويراجع تاريخ علاقته به ويتوقع الحديث الذي سيفتحه وماذا سيرد وبماذا سيحدثه وهنا يقرر الرد على الأغلب بعد إن يسمع كذا سعلة وكلمة تشجيع من الحضور ليحسم قراره.

حين أطلعت أحد أصدقائي عن نظرية الزحمة هذه أخبرني: أنت نوع آخر مختلف عن الأنواع السابقة، فأنت لا تبالي بالعرض أيضا إنما بالأشخاص الموجودين لحضوره وتمضي وقت العرض في تصنيفهم.

وجدت الفكرة ظريفة وأضفت نوعا رابعا من تصنيف بعد بدء العرض، أفراد هذا النوع يتمنون إن يحضروا يوما ما عرضا ما دون إن يعكر شيء استمتاعهم فيه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق