معلّم العلمانيين بطرس البستاني / بقلم جان دايه

ليست هي المرة الاولى تقام تظاهرة علمانية في بيروت، ولن تكون الاخيرة. افتتح التظاهرات العلمانية المعلّم بطرس البستاني في غمرة العام 1861. وتلاه في التظاهر العلماني في القرنين التاسع عشر والعشرين ألوف العلمانيين.

من قادة العلمانيين، شبلي شميّل وجميل معلوف وحسن الأسير وأمين الريحاني وجبران وخليل سعادة وفرح أنطون ومارون عبود وأسعد بشارة وأنطون سعادة والخوري بولس الكفوري وجوليا طعمة دمشقية وسعيد تقي الدين والشيخ عبدالله العلايلي وعبدالله لحود وغيرهم.

أجرى الزملاء الشبّان مقابلات مع العلمانيين الجدد الذين رفعوا لافتة إسقاط النظام الطائفي في لبنان. ولأن “كل جيل يلعب مع جيله”، وحيث أن تجربة العلمانيين الروّاد الأجداد شبه المجهولة هي الأكثر علمية وجدية والأقل مهرجانية، مقارنةً مع تجربة الأحفاد، فقد رأيت إلقاء ضوء على أبرز أدبياتها وانجازاتها عبر مقابلة قادتها، بادئاً بقيدوم العلمانيين اللبنانيين المعلّم بطرس البستاني.

كدت أمتطي عربة خيل الدبية حيث ولد رائد روّاد النهضة في العام 1819، حين وشوشتني العصفورة أن المعلّم بطرس يداوم في مدرسته الوطنية في زقاق البلاط التي أسسها عام 1863 بالقرب من المدرسة البطريركية التي درّس فيها موسّسا “الاهرام” الأخوان بشارة وسليم تقلا، ومن البناية التي ولدت في احدى شققها المتواضعة نهاد حداد (فيروز).

بعد ارتشاف القهوة الشوفية وتكحيل العينين بمسوّدات “دائرة المعارف” التي اعتبرت أول انسيكلوبيديا باللغة العربية، قلت لأبي سليم (المعلّم بطرس):

¶ ما رأيك بأحفاد أحفادك الذين يتظاهرون مرةً في الاسبوع ويرفعون شعار إسقاط النظام الطائفي في لبنان، مقدمة لفصل دبس الدين عن طحينة الدولة؟
قال وهو يبتسم:
– بقدر ما أشتهي أكلة الدبس المخلوط بالطحينة، أمقت خلط الدين بالدولة. لذلك، أبارك حركة الشباب وألفت نظرهم الى عدم الاكتفاء بالتظاهرات للفصل بين الرياسة والسياسة، وأنصحهم بالبدء من حيث انتهى علمانيو القرنين السابقين.
¶ ما دمت محور هذه “المفاوضة”، على حد تعبير تلميذك سليم سركيس، هل لك أن توجز نظريتك العلمانية؟

– للاجابة المختصرة التي يرغبها الصحافيون، والداعي منهم (أصدر جريدتي “الجنة” و”الجنينة” ومجلة “الجنان”)، أكرر بعض ما ضمّنته نشرة “نفير سورية” التي أصدرتها في 22 شباط 1861 ردّاً على فتنة 1860 الطائفية التي اندلعت في الشوف وامتدت الى دمشق وكان من نتائجها جرح أخي وحرق منزلي: “وجوب وضع حاجز بين الرياسة أي السلطة الروحية، والسياسة أي السلطة المدنية. وذلك لأن الرياسة تتعلق ذاتاً وطبعاً بأمور داخلية ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الأزمان والأحوال، بخلاف السياسة فإنها تتعلق بأمور خارجية غير ثابتة وقابلة للتغيّر والإصلاح حسب الزمان والمكان والاحوال، فتباينا وتنافيا، ومن ثم كان التوفيق بينهما في شخص واحد مستصعَباً أو ضرباً من المحال، ولذلك كان المزج بين هاتين السلطتين الممتازتين طبعاً والمتضادتين في متعلقاتهما وموضوعهما من شأنه أن يوقع خللاً بيّناً وضرراً واضحاً في الأحكام والاديان، حتى لا نبالغ إذا قلنا انه يستحيل معه وجود التمدن وحياته ونموه. وكلما كان الفاصل أمتن تكون الراحة والنجاح أعظم. ولا ريب أن هذا الفصل هو مما يجب أن يسرّ أصحاب الرياسة أيضاً الذين دخلوا وظائفهم من الأبواب، لأنه يرفع عنهم أثقالاً زمنية كثيرة ويريحهم من تقريعات ضمائرهم الناتجة من تغافلهم عن الواجبات التي أفرزوا ذاتهم ونذروا حياتهم لها”.

¶ من يقرأ كامل النشرة وسائر النشرات العشر، يجد برنامجاً لحزب سياسي عقائدي علماني. لماذا لم تؤسس حزباً يترجم برنامجك؟
– لو لم تكن قبضة السلطنة الحديدية متراخية خلال فتنة 1860، لما تمكنت من إصدار النشرة التي اعتبرها فيليب طرازي وبعض مؤرخي صحافتنا، جريدة. وحيث ان القبضة عادت الى الاشتداد خصوصاً ضد موضة تأليف الاحزاب، فقد أسّست هذه المدرسة العلمانية بعد ثلاث سنين من الفتنة الطائفية، وحاولت عبرها معالجة المرض الاجتماعي على مستوى الشباب الذين لم تنتشر جرثومته في كياناتهم الفتية.

¶ مدرسة أو يا سيدي كلية تتصدى لمرض اجتماعي، يؤكد أنيس صايغ في كتابه “لبنان الطائفي” ان عمره ناهز الستة آلاف سنة! فهل نجحت المدرسة حيث فشلت معظم الاحزاب؟
– أجيب بعيداً من التواضع الكاذب، أني سجلت نجاحاً بدليل تخرّج مئات الطلاب العلمانيين الذين اسسوا في العام 1866 أول جمعية ثقافية في العالم العربي (الجمعية العلمية السورية)، توزّع مسؤولوها وأعضاؤها على كل الطوائف والمذاهب والاديان. ويعود النجاح الى العديد من العوامل التي أنوّه ببعضها. أولاً: وسط غابة من المدارس ذات الاسماء الطائفية أطلقت على الكلية اسم “المدرسة الوطنية”. ثانياً: أصررت أن تكون اسماً لمسمّى، بدءاً بالهيئة التعليمية التي ضمّت الشيخين أحمد عباس الأزهري ويوسف الامير و”الشيخ” ناصيف اليازجي وانتهاء بالطلاب الذين كانوا دروزاً ومسيحيين ومحمديين من مثل حسن بيهم وعلي بدران والمؤرخ جرجي يني. ثالثاً: وهذا هو الأهم، علّمت الطلاب حب الوطن قبل تعليمهم الفيزياء والتاريخ والخطابة والفلسفة واللغات الاجنبية وفقه اللغة الأم.

¶ يفترض انك حوربت بشراسة أسوةً بسائر العلمانيين الذين سبقوك في أوروبا ولحقوك في لبنان وعموم بلاد الشام. ترى من تصدّر الهجوم على نشرتك وافتتاحيات دورياتك ومدرستك؟
– كان في طليعة المناهضين لمشروعي العلماني ذوو القربى. تعرف اني ولدت مارونياً وأصبحت انجيلياً. ولما كانت إمكاناتي المادية محدودة، فقد قبلت مساعدة إخواني البروتستانت الذين أسّسوا مدرسة عبيه – التي درّست فيها – قبل مدرستي والجامعة الاميركية بعدها. وسرعان ما رفضت المساعدة عندما تبيّن لي أنهم يحاولون “برستنة” الطلاب خلافاً للمادة الثالثة من قانون الكلية التي تنص على قبول “تلامذة من جميع الطوائف والملل والأجناس من دون أن تعرض لمذاهبهم الخصوصية أو تجبرهم باتباع مذهب غير مذهب والديهم”. وفي المناسبة، أود أن اضيف الى الحلقة الاولى من سلسلة الذين ناهضوا مشروعي العلماني مباشرة أو مداورة، الحلقة الاخيرة المتمثلة بمن اشترى هذا المبنى المشاد وفق الهندسة المعمارية التراثية حيث الحجر الرملي والقناطر والرسوم التي تغطي الجدران والسقوف. فلو اشترى صاحبنا هذا الرمز العلماني والتربوي لترميمه والمحافظة عليه – كما فعل المهندس عاصم سلام – لاستقبلته بلا موعد (حدد المعلّم بطرس في أحد أعداد “الجنة” ساعات معينة لثلاثة أيام في الأسبوع لاستقبال زواره. فهنأه الوالي الذي كان يعاني من زيارات “الغمة طمة”)، وضيّفته فنجان قهوة سكّر خفيف. لكنه فعل ذلك من أجل هدمه وإقامة ناطحة سحاب على أنقاضه.

¶¶¶

يبقى أن بعض نتاج المعلّم بطرس لا يزال مفقوداً أو مجهولاً ومنه افتتاحية “الجنة” التي نشرها في 27 أيلول 1871 وردد فيها فعل إيمانه بفصل الرياسة عن السياسة. وإذ نعيد نشرها تعميماً للفائدة، نصحّح الخطأ الشائع الذي يكرره مؤرخو الصحافة عندنا وهو أن افتتاحيات “الجنة” هي، نظماً وتلحيناً، لسليم البستاني، الابن البكر للمعلّم بطرس:
“انه طالما نبّهنا الأفكار في هذه المدينة وغيرها الى وجوب تجنب كل ما من شأنه إلقاء الفتن بين الاهلين وهو معلوم ان أهالي سورية مع اختلاف طوائفهم المذهبية رعايا دولة واحدة لا تريد أن تنظر اليهم الا بعين المساواة وترغب في معاملتهم بحسب النظامات العمومية التي قررتها لجميع رعاياها مع قطع النظر عن مذهبهم وعن جنسيتهم، ولذلك كان من واجباتنا السير في السبيل الذي يرضي سياستنا بالاقتصار عن ارتكاب اعمال لا توافق روح أهل هذا العصر وتحملهم على الحكم بأننا لا نزال من أهل الأعصر القديمة الذين كانت التعصبات الطائفية والمذهبية تعمي أبصارهم. وما نقوله لجهة سوريا اجمالاً نخصص بها بيروت لأنه قد كثرت فيها الوسائط التي تحمّل أهاليها معرفة فوائد الاتحاد الوطني والميل عن سبيل التعصبات الباطلة وأن يعرفوا اننا ابناء وطن واحد ومن واجباتنا المحاماة عن شرف الوطن وعن المصالح العمومية ضاربين صفحاً عن التحزبات المذهبية التي طالما اتتنا ببلايا كثيرة، ويهمّنا أن نقول ان كثيرين يتحزبون للمتخاصمين بدون أن يعلموا سبب اختلافهم، ومصدر هذا التحزب هو الغرض الديني فقط وليس ملاحظة العدل والحق، فلا يخفى ما في ذلك من الضرر وعدم الموافقة. وليس فقط ذلك، ولكن كثيراً ما يحوّلون الألعاب والملاهي وأسباب الحظ والانشراح الى أسباب النزاع والخصام. فهذه الحالة ليست حالة من يروم الصعود على سلّم التقدم والنجاح، فالمأمول ان الذين في يدهم زمام الارشاد الديني والسياسة والاعيان يصرفون همتهم المعتادة في استئصال أسباب هذه المضرات من سوريا وعلى الخصوص من بيروت، ويفرغون مساعيهم في سبيل ترقية أسباب الراحة والالفة بين الأهلين وفاقاً لروح هذا العصر”.

(بطرس البستاني، “الجنة”، 27 أيلول 1871)

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية 1/5/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق