معنى غرناطة / عزت القمحاوي

يعود العربي من غرناطة فيكتب أو لا يكتب، لكنه لن يخرج من الزيارة من دون أن يعاني ذلك الشيء العصي على الوصف، الذي ليس الحزن ولا الشجن ولا الفرح ولا الغبطة ولا الحنين ولا الضجر، ولا الألم ولا اليأس؛ لأنه شعور مركب من كل هذا، ولا توجد كلمة واحدة لوصف كل ما يحسه العربي الزائر للمدينة؛ فيعود صامتا أو يتجاسر ويكتب.

لدى العربي مبرراته؛ فالمدينة لا تحيل إلى جمال محايد، لكنه جمال يخصه، وتاريخ يخصه، حتى لو كان الوجود العربي هناك غزوًا استيطانيًا انتهى بسقوط مملكة بكى عليها آخر الملوك كالنساء لأنه لم يحافظ عليها كالرجال.

لكن ما مبررات الإسباني أنطونيو غالا ليشعر بذلك المزيج الذي لا يوصف من الحزن والشجن والفرح والغبطة والحنين، الذي يحتاج إلى كلمة أخرى لوصفه تختلف عن الكلمة المطلوبة لوصف شعور العربي؟!

ما كتبه غالا عن غرناطة لا أثر فيه لحزن على ما فقد الإسبان من تاريخ المدينة، بل الاعتزاز بعروبتها التي أعطتها ألقا يجعلها اليوم فريدة بين المدن.

'غرناطة بني نصر' هو كتاب غالا الشاعر والمسرحي الذي عرفناه روائيا في رواية عشق لا يعرف معنى الكرامة أو الحدود الخاصة بين الحبيب والمحبوب ولا بين الولع الجنسي والعاطفة. وقد ترجمه الشاعر رفعت عطفة ونشرته 'ورد' الدار الدمشقية ذاتها التي قدمت وله غالا في ترجمة عطفة أيضا.

في كتابه عن فريدة الدهر، يترك غالا المدينة تتحدث بضمير المتكلم: 'حين يصفني من يراني اليوم بالجميلة أبتسم. ربما ظنوا أن ابتسامتي ابتسامة خيلاء: على العكس إنها ابتسامة حزن. فقبل ستمئة أو سبعمئة سنة كنت جميلة فعلاً. مراهقتي دامت طويلاً؛ في ذلك الوقت جاءني النضج. المدينة كالمرأة: شعورها بأنها محبوبة يجملها؛ شعورها بالتوتر في سبيل قضية حميمة يمنحها الكمال'.

هذا المدخل على لسان غرناطة، يوضح إلى أي حد يعشق الكاتب مدينته، إلى أي حد هي جميلة الكتابة الذكية عن مدينة محبوبة، وكم هي مغوية لغة الترجمة التي أنجزها شاعر، يترجم بشغف يشي بحبه للغة والمدينة والكاتب.

تتفهم غرناطة شعور من يرونها جميلة اليوم، لكنها تشعر بالحنين إلى ما كانته، خصوصًا في أماسي الصيف الطويلة، حين تنزف الشمس وتقاوم الموت بيأس. تنظر في مرايا البرك وبحر الينابيع لترى نفسها في الماء. ترتعش فلا تدري أيها أكثر حقيقة: حقيقتها أم ظلها.

 

***

 

لا بد أن غالا نظر في تلك البرك طويلاً التي تنظر فيها غرناطة فترى حقيقتها المرتعشة أو ظلها المرتعش. وهي هواية غرناطية أصيلة فيما يبدو، تمارسها المدينة منذ مئات السنين ويتعلمها زوارها بالسليقة مثلما يتعلم المواليد الجدد لغاتهم الأم.

غرناطة تشعر بالحنين إلى ماضيها؛ فيعلم زائرها لغة الحنين إلى ماضيها.

حينما يبدأ نزيف الشمس في غروبات الصيف الطويلة، ويرى صورته تتأرجح في عمق مرآة الماء ببركة صحن الريحان أو صحن الأسود بقصر الحمراء؛ فإنه على الأرجح سيرى فوق صورته المهتزة طبقة أخرى من الاهتزازات لفتاة متكسرة، وقد يلتفت فيجد وراء كتفه فتاة غرناطية بعنق طويل، من كثرة ما تطلعت إلى الربوة، وقد يدعوهما تمازج الصورتين في الماء إلى شعور بالمتعة يقودهما بدوره إلى التدحرج معا نزولاً إلى ليل البيازين، وفي غبطة التمازج الليلي، قد لا يدركان أيهما أكثر حقيقة: واقعهما على الشرشف أم ظلهما في الماء.

***

يروي غالا الجديد من الوقائع، بل يعيد ما رواه العجم والعرب عن تاريخ غرناطة، لكنه، بمزاج فنان، يجعل من كل أجوبة السابقين أسئلة على لسان المدينة.

يزرع الشك في المستقر من المقولات، بوضع إحداها في مواجهة الأخرى، أو بترك المدينة تكشف بنفسها، عن ضيقها مما نسبه إليها هذا المؤرخ أو العالم الاجتماعي أو ذاك المعماري.

وأول الشك في مقولتي عاشقيها الكبيرين، ابن خلدون الذي يرى أن المدينة خنّثت سكانها وسلبتهم فضيلة العصبية وابن رشد الذي يرى أنها حضّرت العرب والبربر وجعلتهم أفضل.

ولا يستطيع الزائر العربي لغرناطة لليال قليلة أن يتيقن من صحة رأي المهاجر البدوي (أول فيلسوف تاريخ عرفه العالم) ولا من رأي الفيلسوف القرطبي، لكنه سوف يستسلم للحنين ويردد أغنيات عبدالحليم حافظ ومعطوب الوناس ، مع مغن بربري محترف، يطن بأذنه صدى ألحان زرياب في مقاهي البيازين التي تقدم الشاي والنرجيلة في تجاور سعيد مع صالات الديسكو التي تتولى بوميض ألوان إضاءتها تحويل حقائق المدينة إلى ظلال إلى حين شروق الشمس، لتتسلم قنوات المياه والبحيرات على الربوة مهمتها الأبدية.

***

تميل غرناطة ـ على لسان غالا ـ إلى عدم المبالغة في أثر زرياب في الموسيقى الأندلسية لكنها لا تنكره بالكامل؛ فهي نشأت في البداية من الموسيقى الشرقية، لكنها سرعان ما أدخلت نسغها وطريقتها في إظهار الفرح وظلت حية في غرناطة نفسها وفي جميع أنحاء المغرب الذي انتقلت إليه.

ولا يمكننا أن نتقبل ببساطة ما تقوله غرناطة على لسان المفتون غالا بخصوص الفرح في موسيقاها، لأن الزائر لمقاهيها اليوم سيعرف أن لية من الغناء المتصل ستتعدد فيها منازل الروح كما تتعدد منازل النجوم.

لا يمكن لليلة من الغناء الأندلسي أن تنتهي بدون الشعور الغامض بالغبطة والفرح والحزن والشجن والحنين والنشوة واليأس والأمل، ولا صفة يمكن أن نطلقها على كل هذا إلا أنه الحياة، أو غرناطة!

 

عن جريدة القدس العربي 18/7/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق