معيار حقَّانيَّةِ كلِّ دين

      بافتراض أنَّ ثمة معياراً لتشخيص حقَّانيَّةِ و / أو عدم حقانية كل دين / شبه دین، (وهذا افتراض يوافق عليه بعض فلاسفة الدين، ويخالف بعضهم الآخر)، السؤال المطروح هو: ما هو ذلك المعيار؟ وبأي معيار يمكن أن يُتوسَّل، لتمييز وتشخيص الأديان / أشباه الأديان الحقة، عن الأديان / أشباه الأديان الباطلة؟

      فأما الفلاسفة الذين يؤمنون بمعيارٍ كهذا، فقد سلكوا مسالك متعددة لتبيينه. ونحن، من خلال هذه الأسطر القليلة، سنشير إلى بعضٍ من هذه المسالك، وبعضٍ من تلك المعايير.

         1. مؤسس الدين

      فالذين يرون أن مؤسس الدين هو المعيار، أوردوا – في هذا الباب – آراء مختلفة، وقالوا: أي جانب من جوانب شخصية مؤسس الدين وطبيعته يجب أن يكون معياراً لهذا الحكم؟ وأهم تلك الآراء:

         1. نوع التجربة الدينية لمؤسس الدين

      هل كانت التجربةُ الدينية لمؤسس الدين تجربةً وحيانيةً (نبوية) أو تجربة ميتافيزيقيةً، أو تجربة عرفانية، أو تجربة تفسيرية، أو تجربة حسية، أو تجربة إحيائية؟ بعض فلاسفة الدين، ولا سيما الذين يميلون إلى الأديان الإبراهيمية، يؤمنون أن الدين الذي تكون لمؤسسه تجربة دينية من النوع الوحياني دينٌ حقٌّ، أو يمكن أن يكون على حقٍّ. فبرأي هؤلاء، إنَّ مسألةَ أنَّ اللهَ تحدَّثَ، على نحو من الأنحاء، إلى صاحب التجربة الوحيانية، وأوعز إليه بأشياء، وعلَّمَه إياها، قد تكون دليلاً على أن تتكفَّل بصدقِ تلك التجربة وحقانيَّتِها، وحقانية صاحبها، وحقانيَّةِ دينٍ أسَّسَه ذلك الصاحبُ، وتكفُّلُ الصدقِ والحقانية هذا، مفقود في الأنواع الخمسة الأخرى للتجربة الدينية، وإن لم يكن هذا الكلام، طبعاً، بمعنى أن الأنواع الخمسة الأخرى ليس لها نصيب من الصدق والحقانية قطعاً. إنَّ روح هذا الكلام هي أنَّ للتجربة الوحيانية كفيلاً في الصدق والحقانية، وأنْ ليس للتجارب الخمسة الأخرى هذا الكفيل، ولكن هذا ليس بمعنى أن لهذه التجارب كفيلاً في الكذب والبطلان.

      إن مسألة أن الله تحدَّثَ، بنحو من الأنحاء، إلى صاحب التجربة الوحيانية، مسألةٌ يمكن أن تُقالَ فقط من خلال الرجوع إلى الوصف الذي يذكره صاحب التجربة نفسُه. بتعبير آخر: ليس لأحد، ما خلا شخصَ صاحب التجربة نفسَه، القدرةُ والحقُّ في ادِّعاء أن الله تحدث مع صاحب التجربة ذاك، ومن خلال الرجوع إلى وصف ذلك الشخص وحده (auto-description)، يمكن أن يُدَّعى ادِّعاءٌ كهذا. ومن هنا، فإن القائلينَ بهذا الكلام، عليهم أن يُسلِّموا بالصدق الأخلاقي لشخص صاحب التجربة، ويجدوه فرضاً؛ لأنه إذا كان بإمكان شخص واحد فقط أن يَعلَمَ بوقوع حدث ما، ولا تكون لأحد آخر غيرِه إمكانيةُ معرفةِ هذا الحدث (في حال حدوثه)، فإن على جميع من يؤمنون بوقوع ذلك الحدث من خلال الاستناد إلى كلام ذلك الشخص أن يُسلِّموا بصدقه، ويجدوه فرضاً؛ أي عليهم أن يكونوا قد افترضوا أن كلام ذلك الشخص مطابقٌ لما يؤمن به صاحب التجربة تماماً. والمسألة التي يجب أن ننتبه إليها هنا هي أننا لا يمكن، لمجرد القول بفرض وبتسليم الصدق الأخلاقي لشخص صاحب التجربة نفسِه، أن نراجع صاحب التجربة نفسَه، ونسأله: "أصادقٌ أنت فيما تذهب إليه من ادِّعاء أن الله تحدث معك أم لا؟"، لأن أي جواب له عن هذا السؤال، يدفعنا إلى أن نسأله ثانيةً: "هل أجبتَ بصدق عن هذا السؤال أو لا؟"، وهَلُمَّ جرَّا.

      طبعاً، ما قيل، لم يكن من باب الإشكال فيه، بل كان من أجل التنبيه إلى إحدى الفرضيات المستترة فيه، ويحتاج التفصيل في هذا الكلام إلى وقت آخر ليس الحينُ حينَه.

      والمسألة الأخرى التي تستحق الذكر في هذا الباب، هي هذا السؤال: كيف نربط الصدق المنطقي للكلام بالصدق الأخلاقي لقائل الكلام نفسِه؟ أي كيف يمكن أن نستنتج أن إيمان القائل مطابق للواقع (الصدق المنطقي للكلام)، لمحض أن كلامه مطابق لإيمانه (الصدق الأخلاقي للقائل)؟

      والمسألة الثالثة تقوِّي من جِدِّيَّةِ وأهميةِ السؤال الذي عُرض في المسألة الثانية، وهي أن ميزان تأثُّر تفسير التجربة الدينية إنما يكون من خلال الرؤية الكونية لصاحب التجربة. فلا شك أن من يكون صاحبَ تجربة دينية، كان يعيش – قبل حدوث تلك التجربة – في بيئة ثقافية واجتماعية معينة، متأثراً بها، وكانت له رؤيةٌ كونيةٌ خاصةٌ، وليس من شك كذلك أن التجربة الدينية لن تكون قابلة للبيان والإبلاغ، ما لم تظهر في إطارٍ ذهنيٍّ ولغويٍّ؛ أي في إطارِ المفهوم اللغوي وتعابيره.

      والآن، سؤالنا هو: إلى أيِّ حدٍّ يمكن لتفسيرِ التجربة الدينية؛ أي إظهارِها في إطار ذهني ولغوي، أن يتأثر بالرؤية الكونية السابقة لصاحبها؟ وإلى أيِّ حدٍّ يمكن أن يستقل بنفسه عنها؟ فإلى أيِّ حدٍّ يعكسُ الكلامُ الذي نسمعه من صاحب التجربة، حقيقةَ التجربةِ نفسِها؟ وإلى أيِّ حدٍّ يحتفظ هذا الكلامُ بصبغة الرؤية الكونية لصاحب التجربة؟

      فالمسألة الثالثة، إذاً، كانت عن الرؤية الكونية في ميزان تأثر تفسير التجربة الدينية، والمسألة الرابعة يمكن أن تكون عن ميزان تأثر التجربة الدينية نفسها لتلك الرؤية الكونية.

      والمسألة الخامسة هي: إلى أيِّ حدٍّ يمكن أن نرسمَ حدَّاً واضحاً جلياً وخطاً فاصلاً قاطعاً بين التجربة الوحيانية، وبين التجارب الدينية الخمسة الأخرى؟ إن لترتيبِ التجارب الدينية ومعرفة أنواعها، مسائلَ نظريةً ومشكلاتٍ عمليةً خاصةً بهما، وليس حلُّ هذه المسائلِ والمشكلات وإزالة ما عَمِيَ منها عملاً صغيراً هيِّناً.

      2-1. كَرامات و / أو جذابيَّة مؤسس الدين

      يرى بعض المفكرين أن مسألةَ أن لمؤسس الدين فيضاً إلهياً، وموهبةً إلهيةً، لا يكونانِ للآخرين، علامةٌ مؤکدة على حقانية دينه؛ وذلك يعني أنْ يستطيع المؤسسُ أن يتنبَّأ بأمورٍ ويتوقَّع أخرى، وأنْ يشفيَ المرضى (كرامات)، و / أو تكون له جذابيَّةٌ وهيبةٌ وأُبَّهةٌ؛ أي يستطيع أن يقبض بكفِّه على أذهان الناس وضمائرهم، وأن يحفِّزهم على الوفاء، والتضحية غير المشروطة، وعلی بقائهما (الجذابيَّة).

      ليس من شك في أن الكرامات علمٌ و / أو قدرةٌ خاصة، وأن الجذابيَّة كذلك قدرةٌ خاصةٌ، يفتقدها عموم الناس. ولكن، أن تكون مسائلُ من هذا النوع علامةً على حقانيَّةِ وصدق الأحكام والتعاليم لدينٍ ما، فهذا جديرٌ بالمناقشة بل بالرفض والإنكار. فكما أنَّه لا يمكن، في باب معرفة الوجود؛ أيْ في عالم الواقع والثبوت، أن يكون كلُّ شيء سبباً لشيء آخر، فكذلك لا يمكن، في باب علم المعرفة؛ أيْ في عالم المعرفة والإثبات، أن يكون كلُّ شيء دليلاً على شيء آخر أيضاً. فضروريٌّ، إذاً، أن يكون ثمةَ نوعٌ من التوافق بين العلَّة والمعلول، ونوعٌ من التواؤم بين الدليل والادِّعاء؛ فمن ادَّعى أن مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة، لن يكون قد قدَّم شيئاً لإثبات هذا الادِّعاء، ولو حمل جبل (دَماوَند) من شمال طهران، وألقى به في جنوب قُمْ، بل يكون فقط قد دلَّ على أن له قدرةً و / أو علماً خاصاً به يفتقده الآخرون؛ إذْ لا يمكن لتبديل وتغيير مكان جبلٍ ما، أن ينوب عن برهان رياضي بسيط في إثبات ذلك الادِّعاء الهندسي. ذلك التبديل والتغيير دليل على ادِّعاء "أنني محظوظ بقدرةٍ و / أو علمٍ خاصٍّ ليس للآخرين منه نصيب"، وليس دليلاً على ادِّعاء "أنَّ مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة".

      3-1. أسلوب عمل مؤسس الدین، ونمط حياته

      يرى بعضهم أننا إذا سلَّمْنا أن أسلوب عمل مؤسس الدین، ونمطَ حياته مطابقانِ للمعايير والقواعد الأخلاقية، يمكن حينئذٍ أن يُتَّخذَ هذا الصَلاح والحياةُ الأخلاقيةُ له، معياراً على حقانيَّة دينه وصدقه، فإذا عرفنا أنَّ مؤسس الدين عاش حياةً، كانت كلُّها تواضعاً، وإحساناً، وصدقاً، وعدالةً، وعفَّةً، كان لنا أن نقبل أنَّ دينه على حقٍّ.

      ويذهب كاتب هذه السطور إلى أن الجانب السلبي لهذا المعيار يمکن أن یُقبل و یُدافع عنه كذلك، أما الجانب الإيجابي له، فليس مقبولاً بأيِّ وجهٍ من الوجوه؛ أيْ إذا عُرِفَ أن مؤسس الدين لم يكن له نصيب من التواضع، والإحسان، والصدق، والعدالة، والعفَّة، وكان من أهل العُجْب والكِبْر، والقسوة، والتزوير والرياء، والمكر والخداع، والظلم، والقذارة والدنس، يمكن أن نقبل وقتئذٍ أن دينه باطل؛ ولكن إذا عُلِمَ أنه كان من أهل التواضع، والإحسان، والصدق، والعدالة، والعفَّة، فلا يمكن أن نقبل لمحض هذا الصلاح والحياة الأخلاقية له أن دينه على حقٍّ؛ لأن الحياة الأخلاقية مفهوم أوسع من مفهوم امتلاك الدين الحقِّ.

      ففي باب توضیح الجوانب السلبية والإيجابية لهذا المعيار استفدت من العبارة أعلاه: " إذا عُرِفَ أن مؤسس الدين لم يكن له …". والآن يمكن طرح هذا السؤال: كيف يمكن تبيانُ أن مؤسس الدين عاش أو لم يعش وفقاً للمعايير والقواعد الأخلاقية المسلَّم بها؟ علينا أن نقبل – بكثير من الأسى والأسف – أن أغلبية المؤرخين بشكل يدنو من الإجماع، ممن أرَّخوا لأحوال مؤسس كل دين وتقلُّبات حياته، إما كانوا من مؤمني ومتديني ذلك الدين، وطبعاً لم يجدوا فيه أصغر عيبٍ، ولا أيَّ نقصٍ أخلاقي، أو لم ينقلوه لنا، وإما كانوا من مؤمني ومتديني الأديان الأخرى، وطبعاً لم يجدوا فيه أصغر حسنة، ولا الكمال الأخلاقي، أو لم ينقلوه لنا. وفيما يخص مؤسس أيِّ دين، فإننا نادراً ما نجد مؤرِّخاً، سواءٌ في ذلك أكان محبِّاً دِيناً ما، متعلقاً به، أم لم يكن، يرى أنَّ الحقيقة أهم من أيِّ دين، ويكون مؤمناً كالإمام عليِّ بن أبي طالب بأنه لا طريق أفضل من البحث عن الحق (لا سُنَّةَ أفْضَلُ مِنَ التَّحْقِيْقِ)، أو يؤمن، كالسيد المسيح، أن الحقيقة سوف تحقق له حريته(1). فمن خلال الرجوع إلى آثار مؤرخين قلائل كهؤلاء فقط يمكن أن ندرك ميزان الصلاح / اللاصلاح، والحياة الأخلاقية / اللاأخلاقية لمؤسس أيِّ دين / شبه دين.

      وإنْ – وهذه مشكلةٌ يواجهها كلُّ مَن كان مؤسسُ الدين معياراً لهم في حقانيَّة و / أو عدم حقانيَّة كل دين، بغض النظر عن أن ينظروا إلى نوع تجربته الدينية، أو إلى كراماته، و / أو جذابيَّته، أو أسلوب عمله ونمط حياته- فإنْ البحث، في باب یخصّ مؤسس أيِّ دين، ممكنٌ فقط من خلال الاستفادة من أساليب البحث التاريخي، ومن ذا الذي لا يعلمُ أنَّ أساليب البحث التاريخي، ولو أُنجِزتْ بدقة كاملة، لن تقدم لنا سوى العلم القائم على الظن والشك والاحتمال؟ فالعلم عن كلِّ شيء يكون متعلقاً بالماضي، إنْ بعيداً وإنْ قريباً، ليس له حيلة ولا مهرب من الظنِّ والشك والاحتمال. فالقطع بشيء في البحث التاريخي، أو اليقين بشيء، كالسعي إلى إثارة الغبار عن البحر.

         2. التعاليم الدينية

      وأما الذين يرون أن التعاليم الدينية هي المعيار، فقد عرضوا  بدورهم – في هذا الباب – آراء مختلفة أيضاً، وتساءلوا: أيُّ جانب من جوانب هذه التعاليم ينبغي أن يكون معياراً للحُكْم؟ وأهم تلك الآراء:

         2-1 .  ميزان التلاؤم مع الحداثة

      إلى أيِّ حدٍّ تتلاءم تعاليمُ دينٍ ما مع منجزات الإنسان الحداثوي في ميادين العلوم والمعارف المختلفة؟

      يزعم بعض فلاسفة الدين أن الجواب الصحيح عن هذا السؤال هو المعيار في حقانيَّة و / أو عدم حقانيَّة الدين؛ فكلما كان الدين متلائماً مع آخر منجزات العلوم والمعارف البشرية، قريباً منها أكثر، كان أكثر حقانيَّةً، وكلما قلَّ تلاؤمه معها، وابتعد عنها، نَقص من حقانيَّتِه، ومن صدقه.

      إنَّ هذا المعيارَ ليس مقبولاً بأيِّ وجه من الوجوه؛ فصحيحٌ أنه كلما كانت تعاليم الدين متوائمةً مع الإنسان الحداثوي، قريبةً منه، فإنَّ القابلیة الذهنية والروحية للإنسان الحداثوي كان أكثرَ تقبُّلاً لذلك الدين، وفي النتيجة، ازدادت كفَّةُ ميزان قبول ذلك الدين ورواجه في عالَم الحداثة، لكنَّ القابلیة الذهنية والروحية للإنسان الحداثوي لتقبُّلِ دينٍ ما شيء، وحقانيَّةَ ذلك الدين وصدقَه شيءٌ آخر. فإذاً، لا يمكن أن نتِّخذَ قبول دينٍ ورواجَه دليلاً على حقانيَّته وصدقه.

      ولكن، لكي نستطيع أن نستفيد من ميزان تلاؤم / عدم تلاؤم تعاليم دينٍ ما مع إنجازات الإنسان الحداثوي في تبيين وتشخيص ميزان حقانيَّة / عدم حقانية تلك التعاليم، علينا، على الأقل، أن نبيِّنَ صحة أو معقوليَّةَ أمرينِ مُسَلَّمٍ بهما:

      الأمر الأول أن البشر، على مرِّ التاريخ، قد اقتربوا من الحقيقة يوماً فيوماً، وعلى الأقل، فإنَّ إنسان القرون الأربعة الأخيرة، كان أدنى إلى الحقيقة منه إلى مَن سبقه.

      والأمر الثاني أنْ لم تكن ثمَّةَ من علومٍ ومعارفَ، كان البشر، في يومِ من الأيام، صاحباً لها، ثم، مع مرور الأيام، تغافل عنها شيئاً فشيئاً و / أو خسرها.

      هذانِ الأمرانِ، وإنْ كانا منضويين ومندرجين في فكر التقدم الذي يُعدُّ واحداً من إيديولوجيات الإنسان الحداثوي، إلا أنْ ليس لهما نصيبٌ من أرضيةٍ استدلاليةٍ. (وطبعاً، فقدان الدليل نفسُه على ادِّعاءٍ ما، لا يعني تكذيبَ ذلك الادِّعاء).

      2-2. الثمرات الأخلاقية

      ذهب بعض المفكرين إلى أنَّ معيار حقانيَّة / عدم حقانيَّة دينٍ ما، هو: إلى أيِّ حدٍّ يُدني الالتزام الكامل؛ النظري والعملي بتعاليم الدين، الملتزمينَ به؛ أي المؤمنينَ والمتدينينَ، من التواضع، والإحسان، والصدق، والعدالة، والعفة والطهارة، والاعتدال، والجود والعطاء، والعفو والمسامحة، والحِلْم، والأدب، والوفاء، والحزم، والشجاعة، والشفقة والرحمة، والشكر والإكرام، والبساطة، ورقَّة القلب، وطلب الخير، والعشق؟ أو إلى أيِّ حدٍّ يُبعدهم ذلك الالتزام عن تلك الفضائل الأخلاقية؟ فكلما أسهمت تعاليم الدين في تنشئة هذهِ الفضائل الأخلاقية في الإنسان المؤمن والمتدين، ورسَّختْها فيه، كان ذلك الدين أدنى إلى الحقانيَّة أكثر.

      وإذا كان الحسن والقبح – حسب التعبير الشائع وسط المتكلمين المسلمين – ذاتيَّيْنِ وعقليَّيْنِ، لا إلهيَّينِ وشرعيَّينِ، أيْ إذا استطعنا أن ندوِّنَ – بقطع النظر عن أمر الله، ونهيه، وإرادته، وكراهته، ورضاه، وغضبه – فهرساً من الفضائل والخيرات، وآخرَ من الرذائل والشرور؛ يستطيع العقل البشري أن يكتشفها، ويستطيع جميع الناس – مع ما بينهم من اختلافاتٍ ومفارقاتٍ كثيرة؛ ثقافية، ودينية، ومذهبية – أن يتفقوا عليها بصورة جمعية، في هذه الحالة، يمكن قبول هذا الكلام. بعبارة أخرى: هذا الكلام مقبول في حالة واحدة فقط؛ تلك أن تكون الفضائل والرذائل الأخلاقية أموراً فوق-دينية، ولا تكونَ أسيرةً لدين بعينه، حتى نستطيع حينئذٍ أن نقيس بالميزان فوق-الديني هذا، الأديانَ واحداً واحداً، وأن نبيِّنَ الأهمية النسبية لكل منها، بالقياس إلى غيرها.

      3-2. حلُّ المشكلات العملية اليومية

      ويذهب مفكرون آخرون إلى أن نصيبَ كل دين من الحقانية يُقَدَّرُ بمقدار ما يقدمه من العون في حل المشكلات اليومية للناس. وهذه المشكلات، من غير شك، تشمل جميع المشكلات التي تَحدُثُ في المؤسسات الاجتماعية، ومن ضمنها مؤسسات الصحة، والعائلة، والاقتصاد، والسياسة، والحقوق، والتعلیم والتربية، والاتصالات، والفن، والصناعة؛ ولكن إذا كان لنا أن ندَّعي أن أساس كل هذه المشكلات إنما يكون في داخل ذهن الإنسان وروحه، كان لنا أن نقول: إنَّ القائلين بهذا الزعم، في الحقيقة، يؤمنون أن معيار حقانية كل دين إنما هو ميزان العون الذي یمکن به حلّ المشکلات الذهنیة والروحیة للإنسان.

      ولو أخذنا هذا الكلام على أنَّ معيار حقانية كل دين هو مقدرته علی حلِّ المشكلاتِ الذهنية والروحية، استطعنا – كما أظن – أن نقبل ذلك.

      3. وثمة معايير أخرى كذلك، غير المعايير الستة تلك التي أُشيرَ إليها، اُقتُرحَتْ في باب تبيين حقانية / عدم حقانية الدين / شبه الدين، وقد غضضنا الطرف عن البحث فيها، وتحليلها ونقدها، لأن ميزان أهميتها لا يرقى إلى ميزان أهمية المعايير الستة المذكورة آنفاً.

      إنَّ المعايير الستة المذكورة – كما يبدو جلياً – لا تَحُول دون الجمع بينها، بل إن كل معيار منها يمكن ضمُّه إلى المعايير الخمسة الأخرى؛ ومن بينها المعياران الخامس والسادس اللذانِ يؤمن الباحث بهما، فإنهما يتلاءمان مع بعضهما بعضاً.

      فإذاً، يمكن أن نضمَّ المعيارينِ الخامس والسادس إلى بعضهما بعضاً على أساس قولنا إنهما معياران لكل دين، إذا استطاع ذلك الدين أن يُبعد الإنسان عن الرذائل الأخلاقية، ويُدنيه من الفضائل الأخلاقية، وإذا استطاع كذلك أن يحل مشكلاته الذهنية-الروحية.

      والآن، إذا استطعنا أن نصطلح على حاجة الإنسان إلى أن يكون أكثر خلقاً، وإلى حاجته إلى السلامة الذهنية-الروحية في "الحاجة الأساسية" للإنسان، استطعنا حينئذٍ أن نقول: إنَّ معيار حقانية كل دين هو أن يستطيع ذلك الدين أن يحقق للإنسان حاجاته الأساسية، على هذا الشكل: إن وظیفة الدين تکمن في الترقّي الأخلاقي، والترقّي الذهني-الروحي للإنسان؛ فكل دين امتلك هذه الوظیفة الأساسیة، كان – بما تعنيه الكلمة من معنًى – ديناً، وكل دين لم يمتلك هذه الوظیفة فهو – بمیزان فقدانه لها – ليس – بما تعنيه الكلمة من معنًى – ديناً، بل شبه دين. وليس لمعيار آخر غير هذا المعيار أن يميِّزَ الدين عن شبه الدين.

هامش:

1- إنجيل يوحنا، الباب الثامن، الآية 32.

 

الأصل الفارسيّ: ملاك حقّانيّت هر دين [ حديثِ آرزومندى، جستار هاين در عقلانيّت ومعنويّت، تهران: نكاه معاصر 1389 ]
 

مصطفى مَلَكْيان : مفكر إيراني.

محمد حسن حسن زاده نِيْرِي: أستاذ الأدب الفارسي في جامعة العلامة الطباطبائي في طهران.

عماد خلف: طالب ماجستير في الأدب الفارسي في جامعة طهران، من سوريا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق