مع قهوة الصباح : الـحـريـة تـنـسـي الأحـبـّة والأهــل

بعض الناس تصبح لهم مع الزمن سنّة معيّنة يحاولون احترامها كلّما زاروا مدنا يعشقونها فيبرمجون زيارة الموقع الأثريّ الفلاني، واحتساء قهوة في المقهى الفلاني المشهور، والمرور ذات مساء بمطعم معيّن، ومهاتفة صديقة مرّ زمن طويل على تأليف قصة حياتية جميلة معها.

يندرج ذلك ضمن شغف الإنسان بذكريات الماضي، والتعلّق بأوهام الشباب الدائم !

* * *

عادة ما تتضمّن خطة زيارتي إلى باريس ارتشاف قهوة المساء في أحد الأيام بمقهى “فوكتس” (Fouquet,s) بشارع شانزيليزي، متخيلا نزول الشيخ أحمد بن أبي الضياف (1802-1874) رفقة سيده وصديقه أحمد باي (1806-1855) ذات يوم نوفمبري 1846 من هضبة قوس النصر في اتجاه ساحة الكونكورد، وقد جرى هذا الحوار بينهما كما نقله في رحلته إلى باريس :
أحمد باي : “ما أشوقني للدخول من باب عليوة (أحد أبواب مدينة تونس) وأشتمّ رائحة الزيت من حانوت الفطائري داخله، فقلت له مداعبا، وأنا أتنفّس في هواء الحرية، وأرد من مائها، وقدماي بأرضها : يحقّ لك ذلك إن دخلت من هذا الباب تفعل ما تشاء، أما الآن فأنت رجل من الناس، فقال لي : لا سامحك الله، لم لا تحملني على حبّ الوطن لذاته، وعلى أي حالاته؟ فقلت له : إنّ هذا البلد ينسي الوطن والأهل كما قال الشاعر :
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم   يعاب بنسيان الأحبّة والأهل”
فقد تجاوز الشعور بالحرية والأمان من الظلم لدى الشيخ الزيتوني المستنير وهو يتجوّل في باريس قبل ما يربو عن قرن ونصف، حدود الوطن وما ارتبط به من هوية منغلقة، متمنّيا أن تمتزج الأنا بهوية الآخر.
إنّ الأنا الحرّة مثل الأنا العاشقة تتمنّى في حالات معيّنة أن تذوب في الغيرية.
تفطن هذا الشيخ المعمم إلى أنّ الوطن يتحوّل إلى سجن كبير عندما يتحكّم في رقاب الناس، وفي أرزاقهم نظام استبداديّ ذو أساليب فاشية، إذ في هذه الحالة يصبح المواطن يعيش حياة المنفى داخل حدود الوطن، ومن سخرية التاريخ أن يعيش المواطن التونسي هذه الحالة في مرحلة الطاعون الأسود بعد ما مرّ ما يربو عن قرن ونصف عن جولة الوزير المنحدر من قبيلة “أولاد عون” في شارع الشانزيليزي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق