مــدن مــتــشــظّــيـــة / حسين شاويش

لا حديث لألمان هذه الأيام ألذّ من الحديث عن “الوحدة بعد الانشقاق” وإن كانوا في هذا الحديث أبعد ما يكونون عن الوحدة وأقرب ما يكونون إلى الانشقاق. على الأقل من منظور طريقة التحليل. المناسبة معروفة للقاصي والداني، وهي الذكرى العشرون لسقوط جدار برلين. إحدى أهم الدوريات الثقافية “لتر-انترناتسيونال” خصصت عدداً لهذه المناسبة. على غلافها اضطجع “الدب البرليني” (شعار برلين ويقال إن اسمها نفسه اشتق من اسمه) متعباً ينوء تحت عبء جدار ارتمى على صدره الضخم.

التحليلات التاريخية والسياسية أصبح معظمها قيد التداول أو الفحص وخصوصاً بعد فتح أرشيف الـ”ستازي”، وكالة الاستخبارات في المانيا الشرقية، أمام الباحثين، وهي وإن اختلفت استنتاجاتها بحسب مشارب المحللين ومدارسهم الفكرية تتفق على الوقائع المباشرة التي أدت إلى سقوط ذلك “المخفر المتقدم للشيوعية” بحسب البعض، أو “التجربة الألمانية لإشتراكية ممكنة واقعيا” بحسب البعض الآخر.

هذه الوقائع المباشرة يمكن تلخيصها بانتصار المطلب الشعبي بحرية السفر إلى “الغرب الرأسمالي”. لا يغيّر من هذه الحقيقة كون البداية الحاسمة لذلك الانتصار جاءت نتيجة خطأ بيروقراطي ارتكبه موظف كبير في “المانيا الديموقراطية” (هل يتذكر أحدٌ أن هذه التسمية كانت لشرق ألمانيا لا لغربها؟).

المجلة المذكورة لم تترك اسما مهما له علاقة من قريب أو بعيد بهذا الحدث إلاّ “استجوبته”. أحد هؤلاء هو الفيلسوف ومنظّر الفن بوريس بويز. أذكره هنا لأنه هو الوحيد ذكّر بالنبي الأول لحرية السفر، أقصد هوبز. يتذكر بويز من كلام هوبز ما يأتي: “في مكان ما من بداية “ثعبانه” يتأمل هوبز في كلمة “حرية” ويقول إن الكثيرين يعتقدون أن الحرية الحقيقية هي حرية التفكير، أو حرية القول أو حرية الضمير. كل هذا ليس صحيحا. إن الحرية الحقيقية هي حرية حركة الجسد البشري في المكان. في نهاية الأمر كلنا ماديون ولا تكفينا الحرية الفكرية. فقط عندما نستطيع الحركة بحرية نشعر بأننا أحرار”.

أنا بدوري، تذكرت هذه الكلمات عندما زرت بيروت قبل شهر. كان أول ما استفسرت عنه قبل سفري هو تلك الأماكن التي “لا يستحب أن أمرّ فيها”، ولحسن الحظ كانت النتيجة مكانا واحدا يقع خارج بيروت هو عين الحلوة. مهما يكن من أمر، لقد كانت المشكلة هي عينها.

في كثير من أماكن الجدار السابقة، نصب الألمان لوحا صغيرا يذكّر بهذه المعلومة التاريخية. عندما زرت بيروت، توقعت شيئا مشابها. صحيح أن جدار بيروت لم يكن اسمنتيا، بل كان مزيجا من البشر والحديد (ولم يكن دائما ثابتا، وبهذا فقد كان أكثر مكرا)، لكنّ عدد الذين قتلوا عليه هو أضعاف مضاعفة للذين قتلوا على جدار برلين. لكنني لم أعثر على أي إشارة مادية مشابهة لما فعله الألمان. قلت في نفسي “لم تنته بيروت من حربها الأهلية إذاً”.

من يقدر على منع تداعٍ يقفز دفعة واحدة إلى جدار القدس. ويقفز أيضا على المعروف من الأسباب السياسية وشؤون القرصنة والعنصرية الإسرائيليين، ليتأمل في مسألة “الحريات” التي تمت “أسمنتها” تحت إسمنت الجدار الكريه. ولربما كانت تلك “السمنتة” (من اسمنت) وما تستدعيه من ذكريات جدارية برلينية هي السبب في أحد الاستيقاظات النادرة للضمير الأوروبي إلى درجة الإدانة الحقوقية للفاشي الإسرائيلي.

في حوارات فلسفية هنا في برلين، تناول الناس في هذا السياق مسألة “جدلية التواصل والتباعد”. لقد هجم الألمان الشرقيون على “إخوتهم” الغربيين عندما اجتاحوا الجدار في موجة حب لم تستمر أكثر من سنة أو اثنتين لينقلب ذلك المد جزراً كانت نتيجته أن عشرين في المئة استمرّوا حتى تاريخه في التصويت لحزب يساري هو استمرار لحزبهم الشيوعي القديم. هل نتعامل هنا مع الثنائي الفرويدي “حب- كراهية” أم هي صعوبة تطبيق سياسات التنمية في أماكن “التطور اللامتكافئ”، أم هي الآمال المبالغ فيها والمبنية على أحكام مسبقة عاطفية لا علاقة لها بالواقع، أم أن المسألة هي ببساطة تتعلق برأسمالية تعني لها “الأخوّة” فقط بقدر ما تدرّ عليها هذه الأخوّة من مال؟

بعد أحد تلك الحوارات، علق في ذهني تداعٍ لم أستطع التخلّص من التأمل حوله. خلاصته أن الحب انفصال في حقيقته. انفصال عن الذات في اتجاه الآخر، المحبوب. إننا لا نستطيع أن “نطيق حالنا” فنهرب منها إلى ذات أخرى نعلن عليها الحب. إن كان هذا يصدق في حال الحب الفردي، فهل كانت هذه هي حال الشرقيين؟ ألا نستطيع أن نفسّر على أساس ذلك حال العرب مع الغرب مثلا؟ في كلمات أخرى، هل يكمن هذا في أصل “استلابنا” تجاه”هم”؟ أم لعل نظرية أفلاطون في انشطار الذات الواحدة الأصلي أصدق في هذا، حيث كلٌّ من النصفين المنشطرين يتوق إلى “العودة إلى الذات الموحدة الأصلية”؟ هذه النظرية التي تكمن في أصل فلسفة الحب الصوفية، بحسب أحد أشكالها على الأقل، تناسب الحالة الألمانية على ما يبدو، وخصوصاً أن ذلك الإنشطار لم يكن عفويا ولا إراديا ولكنه حصل بفضل “الجيش الأحمر” الفاتح. هكذا نعود إلى مسألة الحرية من جديد.

فيلسوف الفن الذي ذكرته أعلاه، ولد في برلين الشرقية بعيد الحرب العالمية الثانية من أبوين روسيين و”هاجر” نهائيا إلى الغرب عام 1981 حيث لا يزال يدرّس كأستاذ كرسي في جامعات أميركية وألمانية. هذا الأصل وهذه السيرة، يفسّران ليس فقط فهمه لـ”فلسفة” انهيار جدار برلين، ولكن حتى نظريّته في “الأثر الفني” نفسها، حيث المفهومان الأساسيان هما المكان والأرشيف. هذه النظرية تجعل المجتمع “مكانا” يفرز من بين إنتاجاته أعمالا معيّنة يقوّمها على أنها “آثار ثقافية” له و”ينصبها” في فضائه كأرشيف فني، ثم يعيد تقويمها وترتيب أهميّتها إلى ما لا نهاية.

إنه “المكان” إذاً، الذي يضيق أو يتّسع فيستعبد أو يحرر.
لكنّه المكان الذي بسبب تعامله مع العين كأحد المخارز في أعصابنا، هو أول ما يعيد تذكيرنا لا بالواقع فحسب، ولكن بالتاريخ أيضا.
فكّرتُ لدى مغادرة بيروت أن أنصح أهلها بأن “يؤرشفوا جدارهم” هناك حيث انتصب، وحيث كان “يهبط” كلما “طار”. أي أن يحوّلوه مكاناً… فبذلك فقط يمكن أن يتحول تاريخاً ■

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق