مفهوم العلم بين أساتذة الجامعة

الجامعة وأساتذتها وطلابها جزء من نسيج المجتمع تؤثّر فيه وتتأثّر به. وإذا كان  الواقع اليوميّ في المجتمع المصريّ يعكس  تماما ريفيّة الإدارة والسلوك، ونقصد بالريفيّة هنا : عدم احترام قيمة الوقت، الفردية المتضخّمة، احتراف النقد، سيطرة شخصية الخولي على أدوار السلطة، الاسترخاء الفكريّ، المبالغة في التهوين والتهويل، العشوائية في التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم، اللفّ حول المشكلة والتحايل، التمييز العاطفيّ والمجاملة والشخصانية في العلاقات، وعدم احترام العلم، المزاجية في اتخاذ القرارات، الاعتماد بصفة أساسية على الذاكرة في حفظ المعلومات وتسجيلها واستدعائها، فهذه السمات تعكس تماما العقلية الريفية.
وإذا كانت تلك الخصائص هي سمات سلوكية  سائدة بين المصريين في إدارة مؤسساتهم، ومنها الجامعة، فإنّنا لا نستغرب من أساتذة الجامعة عندما يجتمعون في مجالس أقسامهم، وكلياتهم، أو جامعاتهم كي يناقشوا تسكين أعضاء هيئة التدريس على الجداول الدراسية، أو تشكيل  اللجان المختلفة مثل لجان الترقيات، تحكيم البحوث، مناقشة الرسائل العلمية أو الإعارة، أو الانضمام إلى أحد المشروعات البحثية، أو مشروعات ما يسمّى بالجودة المنتشرة الآن، تثار بينهم  دائما الخلافات، وتصبح قراراتهم موضع أخذ وردّ و شدّ وجذب كانعكاس طبيعيّ ومنطقيّ للخلل السائد في قيم المجتمع والجامعة، التي أصبحت تسيطر عليها قيم السوق والمصالح الفردية على حساب قيم الموضوعية وأخلاق البحث العلمي، والمفترض أن تتمّ على أساسها العملية التعليمية والبحثية.
وعادة ما تكون خلافات أساتذة الجامعات في اجتماعاتهم حول أحقية التخصص الأكاديمي للعضو في اختياره لأحد المناشط السابقة. وإذا  استبعادنا الأقدمية، يحاول كلّ عضو من المجتمعين أن يؤكّد أنّ تخصصه هو الأنسب والأفضل والأعظم حتى يتم اختياره، وعندما يفشل في تبريراته التخصصية يلجأ إلى الأبواب الخلفية، والمسالك التحتية التي يشتهر بها بلدنا، ليحقق أغراضه تحت مزاعم السعي إلى كفاءة العملية التعليمية البحثية والمحافظة على التقاليد الجامعية.
1-  أنّ كلّ تعاون يحدث بين العلوم يضفي شرعية على النتائج المنتمية إلى العلم المستهلك أو العلم المنتج أو العلم الجديد، فتطبيق حساب فيثاغورث على نظرية النسب الموسيقية أدى إلى ظهور نظرية النسب وهى أوّل نظرية رياضية دقيقة.
2-  أنّه لا يمكن أن يبرز إلى الوجود علم بمعزل عن غيره من العلوم، أو يعيش في حالة من الأنانية الابستمولوجية.
3-  أنّ العلم واحد لا يتعدّد، وما اللغة والآداب والتاريخ والفيزياء والفلسفة إلا فروع من العلم، تبدو في ظاهرها منفصلة عن بعضها ولكنها في الواقع متصلة.
4-  أنّ  كلّ العلوم توجد معا بصورة مادية في عالم المعرفة، وكلها تشكّل جزءا من وحدة اللغة الإنسانية رغم صيغها التخصصية.
5-  أنّ مفهوم كلّ علم من العلوم يقتضي ضمنا أن يكون له مجاله المعرفيّ الخاص، وأنّ الحدّ الفاصل بين مجالات العلوم يثير دائما النزاع العلميّ.
6-  أنّ التخصصات الأكاديمية  المستندة إلى الوحدة المعرفية أي إلى علوم متعددة لا إلى علم واحد، هي التخصصات العلمية  التي تعالج قضايا لا يمكن فهمها بواسطة علم واحد.
7-  أنّ العلوم لا تبقى ثابتة على الدوام، فقد تفقد جزءا من أرضها وتتنازل عنه للعلوم الأخرى، وقد تتغيّر أيضا تغيّرا جذريا في مفاهيمها وقضاياها ومناهجها، بحيث لا يبقى من العلم إلا اسمه.
8-  وإذا كانت العلوم متغيّرة وغير مستقرّة، فكذلك مجالات الوحدة المعرفية، فهي يمكن أن تصبح علوم الغد، والعلوم التي تعدّ اليوم واضحة المعالم مرسومة الحدود، قد تنضمّ وتتوحّد غدا، لتصبح مجالا لتخصص قائم على الوحدة المعرفية.
وفى ضوء تلك المسلّمات، تعتبر التخصصات الأكاديمية المشكوك في علميتها  مجالا من مجالات الوحدة المعرفية، التي في سبيلها إلى أن تصبح أحد العلوم واضحة المعالم  مرسومة الحدود، وإلى أن تصبح كذلك فهي الآن مجال معرفيّ تلتقي فيه كثير من العلوم، تمتزج وتتبلور وتتلاحم في وحدة معرفية تخدم قضاياه. لذلك فإنّ نموّ ونضج التخصص الأكاديمي  كعلم، يتوقف كثيرا على مدى تطوّر البحث العلميّ في العلوم الأخرى.

والمسلّمات السابقة يعرفها الأساتذة جيّدا، ولكنّ البعض منهم يتجاهلونها لأسباب كثيرة، منها مشاعر الإحباط السائدة، بينهم وبين تلاميذهم، وخريجيهم الناتجة من إحساسهم بأن مجتمعهم وبلدهم ليست في حاجة ملحة لخدماتهم، وغياب الديمقراطية السليمة خارج وداخل الجامعة، التي أصبحت أداة سياسية للسيطرة على الأساتذة والطلبة، بعد أن انكمش دورها المعرفيّ والتنمويّ وتحولت إلى مطبعة لإصدار شهادات بدون قيمة، نتيجة التلقين وضعف وفساد الإعداد الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس، ومحدودية الإمكانيات من تجهيزات مكتبية ومعملية وعائد مادي، فأصبحت جامعتنا الحكومية أسيرة مقيدة الأدوار في التعليم والبحث وخدمة البيئة، وتكاد تظهر كديكور لزوم المظهر الحضاري، ولامتصاص طاقات واحتجاجات الشباب في الداخل. وترتّب على المعطيات السابقة سيادة ظواهر الارتزاق العلمي  بين أعضاء هيئة التدريس حيث الصراع على تسويق المذكرات الجامعية والمشروعات البحثية، وكشوف الجودة المزعومة، والتنافس على عضوية اللجان العلمية المختلفة لزوم علاقات المصالح، والتكالب على الإعارة، حيث تنكسر الشخصية العلمية والإنسانية للأساتذة، وتتغلظ المشاعر، ويخشن الوجدان، ويتجمد الإبداع، وتسجن الأفعال في دائرة الحواس.

 لقد أصبحت هناك حاجة ملحة  لبذل الجهود  لانتشال أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية من تلك الظواهر، بإعادة النظر بجدية وبعمق في فاعلية  جامعتنا الحكومية الموجودة فعلا، وتطويرها وفقا للنظم العالمية، لأنها البوابة  الطبيعية  التي يجب أن نواجه بها  المستقبل، ولن يتحقق ذلك بالتوسع في الجامعات الخاصة التي سوف تزيد ظاهرة الارتزاق العلمي انتشارا بين أساتذة الجامعة وتعمق وتؤكد مفهوم السوق في التعليم، ويتكالب عليها أولاد الفئات الطفيلية، التي جمعت ثروات هائلة على حساب الشعب ونجحت في الضغط وتوجيه السياسات التعليمية لصالحها، فالأهداف والمضمون التعليمي والثقافي  للجامعات الحكومية  يختلف تماما عن فلسفة الجامعات الخاصة، التي تسعى إلى  إنتاج مواطنين ذوى معايير سلوكية  تخدم مجتمع الاستهلاك و قيم السوق. ولن نستغرب بعد ذلك أن يأتي يوم على مصر تعرض فيه الأهرامات، وأبو الهول للبيع وفقا لآليات السوق، لأن الحكام والنخبة وقتها من خريجي الجامعات الخاصة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق