مفهوم علماني لبناء وطن عربي حديث

غالباً ما تواجه المفاهيم الفكرية التي يتطرق إليها الكثير من الباحثين العرب وخاصة تلك المفاهيم الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالأيديولوجيا العربية نوعاً من التعتيم والتصدي، وذلك لكون هذه المفاهيم باتت تؤخذ على أنها عملية تحريضية ضد الأنظمة والسياسات الحاكمة ولا تعدو كونها أكثر من أحلام ورؤى لعصر أفلاطوني لا يتحقق، أساسه نظري ويرتكز على أفكار غربية أدبية. «الحداثة والحرية»، هو عنوان الكتاب الذي جاء على شكل حوار مطوّل، أجراه الصحافي ناجي الخشناوي مع المفكر التونسي محمد الحبيب الجنحاني، ويعالج فيه إشكالية الحداثة والمقاربة مع العولمة والديمقراطية والمجتمع المدني.

 

الحبيب الجنحاني مفكر وأستاذ في الجامعة التونسية، من مواليد 1934، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب من ألمانيا عام 1965، ومن أبرز مؤلفاته: «دراسات في الفكر العربي الحديث» و «التحول الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع صدر الإسلام» و «دراسات مغربية» «الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب العربي»، وغيرها من الكتب والمقالات التي تصب في بحر واحد وهو المجتمع العربي الحديث وكيفية التعاطي مع الواقع الراهن انطلاقاً من أفكار وتجارب خارجية حقيقية. في الكتاب يبدأ الخشناوي مقدمته متراجعاً عن ذاك الإيمان الذي اعتنقة والقائل بأن «قدر البداية هو النهاية»، مؤكداً أن بدايته هذه نهاية العمل الذي طالت فقراته وتعمقت محاوره لعمق المحاور الجنحاني نفسه وقد قسم الكتاب إلى ثلاثة محاور تناولت قضايا ثلاث: «الحداثة، العولمة والديموقراطية».

 

مشاكل مزمنة وأخرى مستجدة

 

يفصّل الجنحاني في المحور الأول من الكتاب الأخطار المحدقة بالمجتمع العربي، والمتمثلة بوقوع عدد كبير من الأقطار العربية تحت محنة الصراع الطائفي والمذهبي الذي يشغلها عن قضاياها المصيرية، إضافة إلى تردي وانهيار المؤسسة التربوية والتصحر الثقافي والمشاكل الاجتماعية المزمنة التي تمس بالأخص جيل الناشئة.

 

وبحسب الجنحاني يعود جذور هذه المشاكل إلى سبب رئيسي وهو فشل الدولة الوطنية الحديثة -التي أسست غداة استقلال البلدان العربية في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي- وظهر بعد حوالي أربعة عقود، ذلك أنها لم تول اهتماماً لتحقيق المشاريع الاقتصادية والاجتماعية. فما كان مكّن الدول الاستعمارية من أن غيرت أساليب حكمها من مرحلة «الاستعمار المباشر» إلى ما يسمى بـ «الاستعمار الجديد» الذي تمثل في المساعدات الاقتصادية المقترنة بالضغوطات السياسية والعسكرية «فهي قد خرجت من الباب لتعود من النافذة»، فالدولة الوطنية غاب عنها التحديث السياسي وتنشئة الأجيال الجديدة على قيم التعدد السياسي والتحرر الفكري، واكتفت بوجه واحد للعملة، أي محاولة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا لا بد من تحول النظام إلى نظام تعددي ديمقراطي يؤمن بمقولة «الحداثة» التي انبثق عنها «عصر الأنوار». ومن أبرز قيمها: «أن الإنسان هو الذي يقرر مصيره وليس هناك أي قوة أخرى تؤثر فيه في هذا السياق، فهو الذي يقرر مصير المجتمع الذي يعيش فيه، ويختار السلطة التي ينبغي أن تحكم هذا المجتمع، فلا علاقة إذن للسماء بشؤون الدنيا في هذا المجال». ويعود الجنحاني ليؤكد في هذا الفصل مفاهيمه العلمانية التي تبتعد عن النصوص الدينية، مؤكداً أن محاولة إعادة تجربة تاريخية مر عليها أكثر من أربعة عشر قرناً أمر لا منطقي فليس في تاريخ المجتمعات اي اعادة لتجربة تاريخية مضت؟، مع الايمان بالافادة من القيم المضيئة في التراث الاسلامي والعربي.

 

وفي هذا الباب يبعد الحبيب تجارب واراء التيار الاصولي الذي يطرح نفسه بديلا سياسياً وحضارياً متكاملاً دون ان يمتلك ادوات الفكر النقدي التجديدي، مقدماً بعض الامثلة التي تقدم الدليل على فقر فكرهم التنويري اهمها: مفهوم اهل الذمة وقضية تحرير المرأة. يقول الجنحاني في نهاية هذا الفصل: «ما معنى القول ان هذه المناهج نبتت في بيئة غريبة عن بيئتنا، معنى ذلك اننا نرفضها ونحاول استنباط مناهج خاصة بنا وهذا منطق لا يستقيم ويتنكر لمكسب مهم من مكاسب الحداثة، حداثة عصر الانوار. لماذا لا نقول ان مكتسبات الحداثة في الميدان التكنولوجي والعلمي والطبي وغيرها نشأت في بيئة اخرى، ويجب علينا ان نرفضها، هذا منطق غوغائي وشعاراتي ينبغي علينا التصدي له ومقاومة منابعه…» فتكون الحداثة «كل» لا يقبل القسمة، او التجزئة، فلا يمكن ان نقبل على الحداثة في المجال الاقتصادي والتقني ونهمل الحداثة في الفكر والسياسة.

 

مفاهيم العولمة

 

وفي الفصل الثاني من الكتاب يطرح الخشناوي مجموعة اسئلة تختص بمفاهيم العولمة باعتبارها عند الكاتب «البنت الشرعية» لحداثة عصر الانوار، مفرقاً بين هذه الظاهرة وبين استغلالها من طرف الليبرالية الجديدية المتطرفة، مبعدها عن اي علاقة مع الاديان والقوميات والاجناس، فهي ظاهرة كونية تاريخية ذات ابعاد متعددة ومختلفة. وبعد ان تطرق الى الجوانب الاقتصادية والسياسية المختصة بهذه الظاهرة وفصلها بين مشروع غربي قائم يطمح الى بناء «دولة الرفاه» وبين حكوماتنا العربية او ما سماه ببلاد الجنوب التي باتت حرساً في بلاط اممية رأس المال، اختتم الخشناوي هذا الباب بالسؤال عن الجانب الثقافي للعولمة المتمثل في مجموعة من المصطلحات ابرزها: «صراع الحضارات، حوارها والثقافة الكونية والخصوصية الحضارية.» وفي رده فرق الجنحاني بين الجانب المضي والمظلم للعولمة الثقافية، مؤكداً ان تدشين عصر الصورة والثورة الاتصالية محتواهما محتوى ايديولوجي ثقافي بالدرجة الاولى يهدف في جزء منه الى إلهاء الشعوب وتخديرها، مشيراً الى ان ليس هناك ما يعرف بالخصوصية الحضارية، ذلك ان الثقافة الغربية ليس بالضرورة ان تلغي الحضارة الاخرى بل على العكس تفيدها وتغنيها، وان التعددية الثقافية لطالما كانت اثراء للشعوب ولم تفرز يوماً هيمنة غير تلك السياسية منها.

 

كونية الديمقراطية

 

في المحور الثالث بعنوان: «الديموقراطية» يتناول الجنحاني مفهوم الحرية انطلاقاً من دراسته عن مفهوم الحرية في التاريخ العربي التي ربط بينها وبين التراث الانساني، ليستخلص كونية هذا المفهوم شأنه في ذلك شأن «الديمقراطية» و «حقوق الانسان» و «المجتمع المدني»، ويؤكد الجنحاني في هذا الباب ان تحول الدول العربية الى دول سلطوية قامعة تسن القوانين وتبني الاجهزة وحرمان المواطن من حقه في الحرية الذي جاء نتيجة طبيعية لسيطرة المؤسسة العسكرية على الدولة.

 

وفي حديثه عن الوجود الصهيوني في المنطقة العربية والذي ارجع اليه اعاقة تماسك المجتمع المدني، اشار الجنحاني ان هذا الوجود يطمح الى تقسيم البلدان العربية وخلق كيانات ذات طابع طائفي واثني تزعمه اسرائيل عسكرياً واقتصادياً. اما عن مصطلح «الحرية المسؤولة» فأضاف الجنحاني: «انها كلمة حق اريد بها باطل، ذلك ان مسؤولية التمتع بالحريات العامة امر طبيعي وبديهي حتى في اكثر البلدان تحرراً وديمقراطية …ثم ان السؤال الذي يطرح نفسه هنا، من يحدد هذه المسؤولية؟»

 

اخيراً فرق الجنحاني بين المجتمعات المدنية والمجتمعات الدينية، معتبراً انه لا وجود للمجتمع العلماني بل هو مدني يقوم على فصل الدين عن الدولة.

 —————————————————-

نشر في جريدة أوان في 28/2/2008
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق