مقابلة في فرع فلسطين / فاديا لاذقاني

أخوالي وعمّي حبسوا أمّيَ في البيت. بدّلوا قفل الباب وأخذوا منها المفتاح. أعيتهم الحيلة في “ردّها إلى الصواب”. ما برحوا يستمعون إلى نوبات غضبها، وبروونها، إذ تنفجر بهم صياحاً وقهراً واتهامات. “أنتم تعرفون فلاناً وفلاناً، لو حصلتْ لأولادكم ما قعدتم ليل نهار”. اعتادوا على ذلك، فكانوا يحزنون لها بإخلاص وإشفاق. ثم يمضون. منظرها إذذاك كان يقطع نياط القلب.

شكاوى وتحذيرات عدة وصلت إليهم عن مشاويرها إلى فروع “أمن” الشام كلها.

اعتادت على القيام فجراً. تتسلّل من البيت خلسةً وتذهب إلى الفروع التي دلّتها إليها “نساء الحلال” ذوات التسعيرات المختلفة الثمن: – هاتي البشارة، ابنك عايش. هو موجود في الفرع الفلاني. تسعيرة هذه المرة كانت الأغلى. ربما كانت الصائبة!

أصبحت رحلاتها إلى الفروع دورية. نحاسيات زواجها وجواهرها وسجاجيدها العجمية الأصيلة، ما برحت تنقص! لكن، هل أغلى من حشا القلب وبؤبؤ العينين؟

أمام الفرع المسمّى “فرع فلسطين”، وصلت حاملةً شظى نار. “كان وجه امرأة البشارة هذه المرة مختلفاً. ردّدتُ سجع الليل كله الأسماءَ اللازمة التي لقنتني إياها تلك المرأة”. اجتازت مشياً. لا تاكسي يقترب من المكان. المسافة الطويلة من ساحة العباسيين إلى مدخل الشارع الحصين المفضي إلى فرع فرحتها الوشيكة، قطعتها من دون أن تشعر بالتعب. بعد حواجز عدة، ها هي أمام مدخل الفرع. كالعادة، بلطف موشّى ببعض الهزء أولاً:

– يا خالة، عودي إلى بيتك واستري على نفسك. يقول لها عنصرٌ مدجج بسلاحه.

– عندي توصية لرئيس الفرع، قالت بحزم.

علت قهقهة ضحك جماعية من العنصر ورفاقه. لكنها أصرّت : اتصلوا به، تصدّقوا ما أقول.

بعد أخذ وردّ، جاءها عنصرٌ متجهّم الوجه يقول لها:

– إن لم تغادري المكان فوراً، فسوف نعتقلك أنت!

لكأنه أعطاها الوصفة السحرية، فعلى الفور غيّرت أمي خطتها، واقتعدت قارعة الطريق قائلةً:

 

– اعتقلوني، فلن أغادر! فقد أشمّ رائحة ابني في الداخل.

لم تتحرك. جاء رئيس الدورية:

– انقلعي من وجهي فوراً وإلا…

وقعت عيناها على سلاحه الذي كان مصوّباً نحوهها. لم يخطر في بالها جواب آخر:

– حتى لو قوّصتموني فلن أغادر المكان قبل أن أعرف مصير ابني!

للمرة الأولى يدخلونها! بعد ساعاتٍ وممرات وانتظار في مكاتب، ما من كراسٍ فيها لقعود الأمهات، كانت في مكتب رئيس الفرع نفسه! “حسناً فعلتُ بإصراري”، همس لها قلبها راقصاً من فرح.

ها هي تحظى بالمقابلة المنتظرة من سنين.

الرجل الجالس وراء مكتبه العريض الفخم لم يدعها الى الجلوس. لم يخطر في بال أمي أن المقابلة ستدوم دقيقتين فقط، وأنها ستجد نفسها بعدهما في الشارع ملقاةً على أرضه بالكاد تفيق من إغماءتها التي لا بد حصلت في مكتب رئيس الفرع. لم يخطر في بالها أنها ستصل إلى بيتها هيكلاً صامتاً إلا من هذيان محموم سيبدأ مساء اليوم ويدوم بضعة أيام. وأن هذا سيحدث بعد جواب رئيس الفرع لها دفعةً واحدةً قبل أن تفتح فمها بحرف:

– ما بدّك تبطّلي تشرشحي حالك؟ بعدك دائرة من فرع لفرع؟ أولادك؟ أما بك ذرة عقل؟ ما زلت تسمّينهم أولاداً؟ شو عاملينلي جبهة؟ واحدة شيوعية، والثاني بعث مشبوه، والثالث “إخوان”. كان أحسن لك لو ربّيتِ كلاباً، فالكلب أوفى لصاحبه منهم. لم يفكروا قط فيك، ولم يسألوا عنك، حريّ بك أن تنكريهم وتنسي أنك أنجبتهم.

 

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق