مقام الصبر وأحوال الهذيان

عتيق رحيمي


 


“الفنان هو من يشير بإصبعه مقرّبا منّا رقعة معينة من فسيح العالم”
“جون ماري غوستاف لكلزيو،J. M. Gustave Le Clézio “النشوة الحسية”  

         “أنا بوذي لعميق وعي بضعفي، مسيحيّ لاعترافي به، يهودي لسخريتي منه، مسلم حال مجاهدتي له، نفاتي كلما حُنّطت صورة الله في مطلق القضاء والقدر”. هكذا حدّد “عتيق رحيمي” الشاعر والروائي والمخرج السينمائي الأفغاني طبيعة العلاقة التي تربطه كمبدع وكإنسان بالدين. قبل سنوات قليلة لم يكن هذا الروائيّ الذي حصد عن أوّل عمل خطّه باللغة الفرنسية أبرز تقدير أدبيّ فرنسيّ ونقصد جائزة “الغونكور le Goncourt” معروفا بالمرة.
 
     وفد “رجل الظلّ” من كابول الأفغانية بعد أن حوّلها “طالبان” إلى مقبرة أشباح يتولّى أمرها المعمّمون والملالي تجّار السلاح والمخدّرات. لجأ إلى فرنسا وأقام بباريس حاملا معه مشاهد مفزعة عن مطلق الدمار وعميق الاحتياج، غير أنّ اعتمال تلك المشاهد في مصادفة نادرة مع تكوين افتراقيّ مزج بين صنوف من المعارف والفنون والآداب هو ما أعاد تشكيل ذائقته بطريقة طريفة، مجدّدة غير منتظرة.  ليس هيّنا أن يمزج العارف بظروف الأفغان بين حكمة الشرق ممثلة في تأملات الحكماء وقصائد كبار الشعراء وأساطير الأنبياء ومواعظ المتصوّفة وعقل الغرب الذي أعادت النهضة تشكيله واستحكمت على مضمونه توجّهات فلاسفة الأنوار. وحدها المصادفة كانت قادرة على أن تقارب ومنذ سنوات شبيبته الأولى عميقا في تجاويف لاوعيه بين “هيروشيما حبيبتي” لمارغريت دوراس و”عشيقها” أيضا، وحكايات أكبر المتصوّفة الأفغان “بهاء الذين مجروح” ومواعظه المنقولة ضمن آثاره المعروفة “كالتنين الداخلي”.
 
  من شعر التصوّف استلهم “عتيق رحيمي” مجمل الاستعارات التي مكّنته من إدراك العالم في امتداده مع رغبة جامحة في التعرف على ساكنته والتنقل بين أرجائه قصد استجلاء غيرياته في تقاربها وتباعدها، في تآلفها وتضادّها في عَنَتِهَا وتسامحها، ومن قراءاته لـ”نيتشه Nietzsche” و”يونغJung  ” و”فرويدFreud ” تفطن لمجاهل اللاوعي محاولا فكّ ألغازها معوّلا على جميع أشكال التعبير التي تتيحها سهولة الانتقال لديه بين فنّ الرواية المشيّدة على جمال اللفظ وسلاسة العبارة وإيثيقا الصورة المستندة على ملكة كتابة المشاهد السينمائية وتقنياتها.
 
   تنبجس الحكاية من رحم الواقع لتنعكس على سطح أحاسيس ناقلها، حكاية لانقطاع تيار التواصل بين زوجين انقلبت فجأة إلى مأساة فاجعة وضعت حدا لمسيرة إبداعية ونضالية يافعة عاينها رحيمي في “نادية أنجومان” تلك الشاعرة الأفغانية الملهمة التي واجهت مصيرها المأسوي ببسالة ولم تجاوز الخامسة والعشرين ربيعا. كان يتهيّأ لحضور ندوة أدبية قامت على تنظيمها صديقته الشابة توشك على الانعقاد بـ”هيرات” غربي أفغانستان لما وصله نعيُ من عشق قصائدها وبدا له أنّ حرصها الشديد على التعامل بندّية مع غيرها وامتلاك مطلق مصيرها هو الذي جرّها إلى حتفها.
   
   زلزلته الحادثة فتوجّه بنفسه إلى المرتفعات الأفغانية يبتغي قولا فصلا في أسباب حصول الخطب، فصادفه زوج فاقد لكامل وعيه بعد أن حقن في سجنه البنزين ليختلط مع دورة الدم في شرايينه.  أبكم كسيح مُسجّى لا يقدر على شيء. لو كنت امرأة للازمته حتى إرغامه على الإصغاء إلى ما نأى صدري عن تحمّله. قالها رحيمي في خلده ثم عاد من حيث أتى يحمل لعنة الفاجعة التي لم يجد لها تفسيرا. حكاية تحتاج إلى مواجهة الذات في مناجاة تتنكّب هذيانا مخبولا إفصاحا عمّا صدأ من حرمان وما تراكم من حسرة في أعماق الذات. “حجر الصبر” حكاية امرأة لازمت جسد زوجها المجاهد الجريح المسجّى قبالتها، تناجيه بصوت هادئ لا يفتأ متحوّلا إلى هذيان كاشفا عن عذابات العنف والجهل المسلط عليها، المولّد لتمرّدها، المعبِّر عن تشوّفها للحبّ وتعطّشها لإشباع ما اعتمل داخلها من شبق ولذّة.
 
   لم يكن يعرف شيئا عن حياة هذين الزوجين لكنه كان يتساءل عمّا يمكن أن يدفع رجلا أعمت بصيرته الغيرة وأرزت به تناقضاته إلى تبريح حبيبته وزوجته وأمّ أبنائه ضربا حتى الموت ؟ أيّ شيطان من شياطين الإنس والجن تملّكه قاصفا روحه وروحها حال تيقّنه مغادرة الحياة لجسدها؟ أعوزت رحيمي القدرة على ولوج وجدان الرجل المسجّى أمامه فباغته تلبّس المرأة بأغوار وجدانه ليتحدّث على لسانها ويكشف عن عميق جراحها. كان لا بدّ أن يكون راويته صامتا لا حراك به تماما مثل زوج “نادية أنجومان” الذي صدمته عيناه الشاخصتان المسمرتان في سقف غرفة مستشفى السجن بالجبال الأفغانية.
  
      ليس له أن يستند إلى أيّ تحليل نفسي، عليه أن يسجّل فقط جميع ما يرى وما يسمع ويُسْلِمَ نفسه لامرأة تتحفّز للنطق على لسانه، عليه الغوص بعيدا في تجاويف ثقافتيه الفارسية والغربية ليحوّل تلك الحادثة الفاجعة إلى نشيد جنائزي مهيب الطالع، عنيف الوقع، أوبرالي الصدى، خالص البراءة. اشتداد للرؤية مع اقتصاد في العبارة، ندرة للظرف وغياب للنعوت، “حجر الصبر” رواية تدور في فضاء مغلق يشحذ ذاكرة تستدعي الصور رغما عن أنفها، عازلة الأصوات المركّبة مستحضرة المنصهر فيها أو المنشدّ لها. تقطيع المشاهد جاهزا في هذه الرواية وكذا التعليمات المقدمة للممثلين قبل التجسيم المصوَّر، فعتيق رحيمي مخرج بارع سبق لإيثيقا الصورة التفتق لديه ضمن “أرض ورماد” عنوان شريطه الحاصل على جائزة “النظرة الأخرى” ضمن دورة 2004 لمهرجان “كان Cannes” السينمائي. هو مؤلف لفظ وصورة، يستجمع نحو الكلمات مقترحا خرافته وفقا لكتابتي الكلمة والصورة. قلة قليلة من المؤلفين يمتلكون تلك الموهبة إزاءها نستذكر “برغمان” و”بريسونBrisson ” و”كوبركKubrick ” وبازولينيPasolini “.
   
   يبدو رحيمي على شاكلة هؤلاء ملتزما بما ينجز، واعيا باختراق السياسي ضرورة نبض خرافاته. لكن هل استحضار صور الحرب وإطباق الجهل وسيطرة العنف وانفراط عقد المحبة بما هو فعل إنساني مقصور على السياسة؟ كان “ألبير كامي Albert Camus” محقا تماما عندما اعتبر أن فعل الكتابة ليس بملزم فحسب بل هو شديد التوريط أيضا. لا يتهيب رحيمي عن تعرية البربرية بالعبارة والصورة في آن، ففي التقليد الشفوي وكذا في قريض الشعر الأفغاني تُدرك الألفاظ وفق أُوَلِ معانيها. ألم يؤثر عن أولئك الشعراء قولهم “ضع فاك فوق فمي واترك لساني يحدّثك عن الحب”. ليس ذاك في شرع العارفين استحثاثا للشبق أو إيغالا في استجلاب اللذة، ففي لغة الفرس يحلّ لفظ الجسم نفس موقع الروح معنى ومنتهى. وحده الإسلام أوجب بعد انتشاره الفصل في اللفظ بين الأمرين.
  
     ألا نستطيع وفق هذا التصوّر الفارسيّ المشكل لحقيقة التباس الروح بالجسد تعقّل ما شكل بلاغة مقولة  “أنتونا أرتو Antonin Artaud”  “من الجسد بواسطة الجسد مع الجسد انطلاقا من الجسد وحتى الجسد Du corps par le corps avec le corps depuis le corps et jusqu’au corps » . يستقيم أن تقرأ مقولة “أرتو” هذه بطريقتين متباينتين إما على سبيل النسك أو من بوابة الشبق، فما هناك من تناقص بين الروح والجسد في الثقافة الهندية-الفارسية. كما أن الحكاية في التراث الشعري أو الأدبي الأفغاني لا تملك موعظة أخلاقية توصد نهايتها بشكل حاسم.  فحديث الرواة في تسلسل انتقالهم من حكاية إلى أخرى هو مظنّة المتتبع الحريص والقارئ الحصيف في آن، لأنّ لبّ الحكايات ومنتهى إجاباتها موكول بمدى قدرة متلقيها على فهم ذلك التسلسل أصلا.
  
   يمزج رحيمي في كتابته الأدبية وأعماله السينمائية بحنكة وتبصّر بين أدوات الرواية كجنس أدبي تفتقت عنه الثقافة الغربية عندما يقص حكايته دون ما حاجة للاستعارة معوّلا في نفس الوقت وفي غواية دالة على طقوس الحكاية الشرقية المفعمة صورا شعرية. ألم يعترف هو نفسه بأنه قد تعلم عن “رامبوRimbaud ” و”بودليرBaudelaire” و”دوراسDuras ” كيفية التحرر من قيود العبارة محوّلا الصفحة إلى فقرة والفقرة إلى جملة والجملة إلى كلمة. ألم يُسرّ لمن أبهرهم أسلوب القصّ لديه أنّ العبارة في “حجر الصبر” قد نظمت على وقع كتابة موسيقية توافق نجوى كلماته حال الاستماع لقطعة “الضِعف le double” ضمن “نشيد البجعة le chant du cygne ” في موسيقى الألماني “فرنز شوبير Franz Schubert” لأنّ جمل تلك القطعة القصيرة وأصواتها الصادية ومقاطعها الصامتة المهيبة تماثلت بطريقة مربكة مع النشيد الجنائزي الذي كان بصدد خطّه. ثم ألم يتبين له لاحقا ما حصل لـ”شوبير” الذي ثبت استلهامه لتلك القطعة من نص شعري يحمل هذا الطالع : ” هذا رجل شاخص مُسَمّر العينين في السقف Voilà un homme avec les yeux ouverts et cloués au plafond ” أليس الزوج المسجّى المنقلب”حجرَ صبْرٍ” هو نفس ذلك الرجل الشاخص مُسَمَّر العينين في سقف غرفة الاعتراف والتطهّر ! ! !
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق