مقاوماتنا .. والزمن الخطأ

أبدأ بالزمن الأصغر الذي بات مفضلاً «للمقاومة» في العراق وهو يوم الجمعة الذي اصطلح عليه المسلمون أن يكون يوم ألفة القلوب وتوحدها ويوم يذر فيه المسلمون البيع متجهين الى ربهم، وأيضا بجانب العبادة جعل هذا اليوم لراحة أجساد كدها التعب، تتوجه فيه من بين فسح قليلة ظلت ترتادها الى أسواق تقليدية عرفتها بغداد وارتبطت أمكنتها بالذاكرة، فلجمعة بغداد اسواقها من شارع المتنبي الذي تركه الإرهاب أثراً بعد عين، ناحراً الثقافة وروادها، الى سوق الغزل الذي يقبع على مسافة كيلومتر شرقه ويرتاده بسطاء الناس وفقراؤهم الذين لم يسلموا رغم كونهم على نقيض رواد الأول لا حظ لغالبيتهم في الثقافة لكن تجمعهم هواية تربية الطيور، فكانوا، وقبلهم المصلون في المساجد، الهدف الذي يفضله الإرهاب زماناً ومكاناً فتتمزق في هذا اليوم المبارك الأجساد البريئة، وهذه المرة بأيدي براءة أخرى عبر أجساد أوصينا أن نرفق بها وبعقول رفع التكليف عنها.

أما الزمن الأكبر الذي أخطأت فيه «مقاومتنا» فانه عندما تستمر في منهجها العنفي التدميري، في وقت بات يسود فيها إجماع لا يشذ عنه الا جماعات العنف، بأن طريق خروج القوات الأجنبية من العراق هو تحقيق حد من السلم والاستقرار، وأن إزالة المخاوف بين المكونات العراقية تستبعد فرضية أن يظل الأجنبي هو الضامن من استئساد جماعة على أخرى، وأن تعجيل زمن بناء الدولة العراقية ومؤسساتها يقابله تخفيض لمساحة وحجم وعمر المحتل، وأن المنادين بالانسحاب في واشنطن ينتظرون أنباء الاستقرار، في حين أن دعاة البقاء تقوي الفوضى فرصهم.

أما المقاومة الثانية «حماس» فهي أيضا تبدو بجلاء أنها تخطئ الزمن، إذ أنها استمرت في انقلابها وشق الصف الفلسطيني معطية بذلك الذريعة بأنه لا يوجد شريك فلسطيني يركن اليه، ومثبتة اعتقادا بأن أي انسحاب إسرائيلي سيكون بديله الفوضى، مع استمرارها بمقاومة الألعاب النارية التي تسميها صواريخ والمستجلبة لانتقام إسرائيلي وحشي، مانحة بذلك المبرر للعزلة والقطيعة عن العالم، فظنت أن اختراقها لهذه العزلة ومنجزها الجهادي تحقق بإقامة فتحات في جدار والتبضع من محلات للبقالة، في حين أن هذا العام كان مهيأ لأن يكون عام ظهور دولة فلسطينية كون الإدارة الامريكية أدركت أن وراء كره المسلم والعربي لها هو الظلم الواقع على الفلسطينيين وان ذلك طالما وظف كحافز لكل الأعمال الإرهابية التي امتدت من بالي الى نيويورك، ولأول مرة يكون هنالك إجماع عربي والتزامات زمنية لإدارة أمريكية تريد في عمرها المتبقي بهذا العام أن تحقق نجاحاً واختراقاً في السياسة الخارجية بأن تحل أكثر مشكلة مزمنة عرفها عالمنا المعاصر، فكان على حماس أن تترك الزمن للإجماع العربي ولتوجه الإدارة الأمريكية وان تستثمر الزخم الدولي غير المسبوق وان تترك السلطة الفلسطينية تخوض التفاوض وان تكسب اللوم أو الثناء وأن تستدرج الدعم الدولي للمانحين لإعانة شعب منهك وأن تحار في توفير طعامه ومستلزماته، وتبقى حماس على موقفها الرافض المتعبد بالثوابت والمحافظ على أطروحة الجهاد والكفاح المسلح.

أما المقاومة الأخرى وهي اللبنانية فكم تمنينا ان يكون زمنها قد بقي عند العام 2000 عام تحرير الأرض والإجماع اللبناني والعربي خلفها كون منجزها شكل الانتصار الأوحد الذي صنعته مقاومة بعد نصف قرن من الهزائم والانسحاقات العربية، وان تكون ظلت هناك دون ان تأتي الى تموز 2006 ذاك الذي فيه صادرت قرار الدولة في الحرب واتهمت بأنها خاضت حربا لمصلحة أطراف إقليمية نتائجها دمرت بنى البلد التحتية وأجهزت على اقتصاد كان على حافة التعافي، مكلفة شعبا بأن يظل يحمل أثقال الآخرين ويخوض حروبهم على أراضيه من أجل ديمومة صمودهم.

الرابعة هي مقاومة حزب العمال الكردستاني(pkk) ضد تركيا، إذ هي تأتي في زمن حكومة العدالة والتنمية التي مثلت أول حكومة تتفهم حاجات الكرد والتي شرعت بوضع برامج عملية لتطوير البنية الاقتصادية والتنموية للمناطق الكردية مع اعتراف صريح بالتنوع القومي وضرورة فتح الفضاءات في التعليم والإعلام باللغة الكردية، تأتي هذه المقاربات متناقضة مع تأريخ من الحكومات التي سبقتها والتي ظلت لم تعترف بكلمة كرد او بوجود تنوع في المجتمع، في حين ان هذا الحزب اعتبر طريق تحقيق الكرد لمصالحهم هو بإدماجهم بالسياسة وعبرها وليس عن طريق العنف فاستقطب الأصوات الكردية وصعد من بين مرشحيه حوالي ثمانين نائبا كرديا للبرلمان في حين ان حزب المجتمع الديمقراطي (الكردي) لم ينجح في ان يوصل اكثر من عشرين نائبا، تأتي هذه المقاومة بدل ان تعين حزبا يحاول ان يفكك ارث الكمالية وهيمنة العسكر، الكمالية التي رفضت الاعتراف بالكرد وأنكرت وجودهم والعسكر الذين لم يعرفوا إلا القوة والإلغاء أسلوباً للتعاطي مع قضيتهم، إذن فان اقل ما تلام هذه المقاومة عليه أنها تأتي في الزمن الخطأ. هذه المقاومات اشتركت جميعها في أنها أولاً تنسى أن الناس مشاريع للحياة وملت أن تكون مشاريع للموت، وثانياً أن أمامها فضاء ديمقراطياً تستطيع أن تصل عبره الى ما تريد بدل حروب وقتال لا تورث إلا الخراب، وثالثاً أنها وإن قاتلت محتلاً، إلا أنها أسست لعنف في المجتمع سيستمر حتى بعد رحيله، ورابعاً أن المقاومات كانت تستفيد من القطبية الثنائية وتتكئ على المعسكر الاشتراكي في دعمها، وكون هذا أصبح الآن من التراث النضالي فاستبدلته المقاومات الحالية بدعم دول الإقليم ولكن الفرق عن الأولى أنها بدل أن توظف الدعم لمصلحة الهدف الوطني فإنها رهنت الأوطان لمصلحة الداعم الإقليمي.

—-

نشرت في الشرق الأوسط في 10/2/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق