مقدمة لأجيال النخبة العراقية 1921 ـ 2003: النموذج القديم للدولة من خلال شعرائه

 لأن الشعر هو الميراث الثقافي الأساسي ومستودع التجارب الشخصية والجماعية في تاريخ العراق، كما هو الشأن في التاريخ العربي بشكل عام، فهو النموذج الأنسب لمقاربة ” أجيال الثقافة العراقية” خلال ثمانية عقود، مع ملاحظة أن هذه المقاربة هي عينة تَصلحُ أنْ يوسعَ مداها، ويعمَّم نموذجُها على مجمل النشاط الثقافي الإبداعي، الفكري والفني وحتى السياسي في تاريخ العراق خلال القرن الماضي.

أما على الصعيد السياسي، فإننا نبدأ “بتجييل” الثقافة العراقية ابتداء من قيام الدولة العراقية في العام 1921 وننتهي عند نهاية النموذج القديم للدولة العراقية في العام 2003 بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، وهي “حقبة” زمنية تامَّة من الناحية اللغوية والاصطلاحية، وحائزة على الشروط الزمنية والوقائعية ذات المبدأ والمآل.

وعلى وفق هذه القاعدة العامة يمكن الانطلاقُ لتأسيس تقسيمات نوعية لأجيال الثقافة العراقية خلال حقبة الدولة القديمة.
تبدأ هذه التقسيمات من:
الجيل الأول: “جيل البطولة” وهو الجيل الذي ولد مع نهايات القرن التاسع عشر أو قبل ذلك، والذي بلغ شبابه العضوي وعطاءه الأساسي في الثقافة، مع نهوض فكرة “الوطن” خلال ثورة 1920، وقيام نموذج الدولة العراقية في العام 1921، وهم الأجداد الذين عانوا وطأة الاحتلال البريطاني والمجاعات والقحط، والأوبئة المصاحبة للحروب، والثورات المسلحة (ثورة العشرين نموذجاً) وهؤلاء هم البناءون الأصليون والآباء الناكرون للذات في وضع بناء الوعي الأول. ويمثل الجواهري والرصافي والزهاوي والشبيبي أبناء هذه الفترة.

وإذا كان الحبوبي والكاظمي يمثلان عهدَ الملوك الأوائل، ملوك الديانات القديمة والأساطير والوثنيات، ونماذج الأيقونات الأولى الباهرة التي تتصلُ بنوع من المماثلة التقريبية مع نماذج كلكامش وحمورابي وسواهما، فإن الزهاوي والرصافي وصولاً إلى الشبيبي والجواهري، هم تواريخ الثقافة المؤسساتية، الثقافة البرلمانية، والنضالية، لدى الأوَّلين، وبُناة المؤسسات الثقافية لدى التالين، من المجمع العلمي الذي كان الشبيبي أوَّلَ رئيس له، إلى اتحاد الأدباء الذي كان الجواهري مؤسسه.

هؤلاء أيضاً هم الأبطال المدنيون بامتياز، فقد شهدوا ولادة الدستور العراقي، فانتقدوه وعملوا به، وهم “أبطال برلمانيون” جلسوا على مقاعد غير منابر الشعر (أربعتهم دخلوا المجالس البـرلمانية ومجالس الأعيان) وتنافسوا واعتركوا في مساحات الدولة المتاحة. كما أسسوا المراكز الثقافية والتجمعات الفكرية.

الجيل الثاني هو “الجيل الفنان” وهو في تقسيمنا النوعي هنا يمثله “جيل الريادة” وما يتصل بها: السياب، والبياتي، ونازك وبلند، والبريكان وصولاً إلى سعدي يوسف، إضافة إلى علي الوردي، وفائق حسن، كنماذج ثقافية تمثيلية نوعية أخرى، وهم الذين ولدوا إما بعد قيام الدولة العراقية وهم الغالبية، أو قبل ذلك بقليل، وعايشوا مرحلة تكون النسيج الأول للمجتمع العراقي بصيغته الإرهاصية الأولى وشهدوا في نضجهم الفكري والعضوي قيام ثورة 1958 وواكبوا الانتقال من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري أي جانب مهم من مثقفي عقد الخمسينات. وهم جيل المشاعر القلقة والغامضة، يتاح لهم التعامل مع عهد من التنازع الداخلي والصراع الأيديولوجي، وأفراده ينشؤون كأنهم محميِّون بسلطاتٍ وتحت رعاية اجتماعية ومؤسساتية حتى يصبحوا زعماء وروَّاداًَ. وعلى الرغم من أنهم يرثون شيئاً من ميراث “البطولة” لقرب اتصالهم بالجيل “البطل” إلا أنهم في منتصف الطريق، يتَّسمون بشيء من روح المساومة، وذلك في عهد الازدهار الروحي تحديداً، لكنهم سُرعان ما يتحوَّلون إلى متشدِّدين مع بداية ظهور الأزمات التاريخية.

الجيل الثالث المنقَّح أو “الْمُعرَّق” عن طروحات “شتراوس وهاو” هو “جيل الأنبياء” وهو في الواقع جيل الآباء الأقرب لجيل الثمانينات في العراق كما سنأتي إلى تفصيله، وهم ولدوا وترعرعوا أطفالاً وصبية في زمن الازدهار إذ تزامنتْ سنواتُ طفولتِهم مع انبعاث المجتمع قياساً بتاريخ العراق خلال “الأربعينات والخمسينات” وقدموا إبداعاتهم في العمل السياسي والفكري والإبداعي خلال الستينات والسبعينات، وهم يتَّصفون بثقة زائدة بالنفس تقتربُ من النرجسية وبامتلاك الحقيقة في اللاهوت والسلطة، في السياسية وفي الثقافة، كأيِّ أنبياء حقيقيين، لذلك سيكونُ من بين أبناء هذا الجيل، الدكتاتور والشهيد، الشاعر والجنرال. والمبدأ هنا ليس الجنرال في الجيش أو الشهيد المقتول أو الدكتاتور في السلطة على وجه التحديد وبصيغة التجريد، وإنما المثال أو الصورة الأبرز لتلك التمثيلات.

والملاحظ أن ما يجعل أفرادَ هذا الجيل مُتمسكين بقلاع ذواتهم، شعورُهم بأنهم كَبروا في بيئة هيأت لهم مناخَ رعاية مركبة، مما خلق منهم رجالاً مثاليين إلى درجة جعلتهم مستعدين للموت في سبيل ما يؤمنون به، خاصة خلال مرحلة الذروة أي “برهتهم” الأساسية، وهم يترعرعون في الحاضنة الاجتماعية القديمة كالأطفال المقدَّسين في حياة جديدة، ويبلغون سنَّ الرشد في عصر النهضة فهم شبابُها الحيويون، وفي الكهولة يتحولون إلى زعماء أخلاقيين، حيث تبدأ مرحلة الانحلال، وهم الرواد الحكماء في فترة الأزمة القادمة. إنهم الكناية الصريحة عن عصر الازدهار الذي لا يريد أن يصدِّقَ أنَّ بعدَ الذروة ثَّمة هبوطاً طبيعياً لمسيرة التاريخ.

الجيل الرابع الذي سنتقصى طبيعته ومعضلاته، ونركز على كشف تكويناته بتفصيل أكثر لأنَّهُ موضوعُ البحث هنا، هو “الجيل البدوي ” في مفهوم النموذج البدئي أو جيل “الأكس” في الثقافة الأميركية، وهم أيضاً “جيل البوب” في الثقافة العالمية التي تجمع النـزعات والميول الشبابية لمرحلة ما، وهم مغامرون ومتنوعون وغيـر مرغوب بهم ويتسمون بعلاقة تنازعية مع المؤسسات، وهم يكبرون تحت وطأة الوصاية المركَّبة، فهم أطفال “النهضة” أي أبناء الريادة والرواد، يكونونَ شباباً معزولين، وفي الكهولة واقعيين، لكنَّهم ما بعد الأزمة يصبحون شيوخاً قساة ومبشرين بعصر بطولة جديدة، ربَّما يصبحون هم ممثليها في سياق دورة تاريخية جديدة. حيث تجري محاربتهم من قبل “فنانيـن” و”أنبياء” جدد وهكذا.

هؤلاء ” البدو الحضاريون”، هم غيـر مشاركين في صناعة الحداثة / القديمة، لذلك فهم يعانون من شدَّة وطأة تلك الحداثة على سلوكهم، مما يدفعهم إلى ردَّات فعل، تتسم بأنَّها صفة جوهرية لنـزعاتهم، فيندفعون بتأثير هذه النـزعات إلى البحث عن حداثتهم هم أسوة بما حصل لمن سبقوهم، وهم يعملون لأجل ذلك كجماعة متضامنة أو ذات شراكة وهدف في المرحلة الأولى، وقد يلجؤون إلى الانتقام أو الرفض النهلستي أو حتى الميل نحو نـزعة التدمير الذاتي حين لا تتناسب الصورة الداخلية للمجموعة أو لفرد منها مع ما هو متاح ومتوفِّر من ظروف خارجية.

عالميأ يعدُّ جيل “الأكس” أو جيل “ثقافة البوب” في أميركا وأوروبا التمثيل الموازي لهذا الجيل عراقياً، لهذا “الجيل” سمات “عالمية” مشتركة عبر متغيرات أساسية عاصرها، بينها نِهاية الحقبة الاستعمارية القديمة، وانتهاء الحرب الباردة، وانهيار حائط برلين تمهيداً لثقافة العولمة والتطبيع والقانون الدولي الجديد.

أما على مستوى العالم الثالث فتتسم المتغيرات بصعودٍ قويٍّ للدكتاتوريات في عدد من بلدانه، ونشوب الحروب الإقليمية، والنـزاعات المحلية، من حرب الخليج الأولى والثانية، إلى حرب أفغانستان، إلى حرب لبنان وحروب اليمن.

في العراق تتعاضدُ كلُّ هذه العوامل الذاتية من حرب ودكتاتورية، ومن تأثيـرات إقليمية متنقلة تجسدها تفاعلات الحروب الإقليمية وصعود التيارات الدينية من “الجهادية الإسلامية” في أفغانستان، إلى فكرة “ولاية الفقيه” وتصدير الثورة الإسلامية في إيران. وصولاً إلى المتغيرات الدولية التي ستطرق أبواب البلاد معلنة نهاية دورة “جيلية” كاملة واكتمال الحقبة وانغلاقها على نماذجها الأربعة، ومن ثم العود الأبدي إلى النموذج البدئي الأول، أي أعادة إحياء جيل “البطولة” وإعادة صياغة مفهوم الدولة والمجتمع صياغة جديدة.

ولهذا سنجد أن نموذج “الجيل البدوي” غيـر متوافق، ليس مع محيطه المؤسساتي فحسب، بل ومع تراث الدولة، ووصايا أجداده وآبائه من الأجيال السابقة، فهو لا يقرُّ بنموذج البـرلمان الذي أسسه “البطل المدني” وهو لا يملك براعة “الجيل الفنان” في الامتثال والتمثل. وهو أيضاً غيـر معني بثورة “جيل الأنبياء” بكل ألوانها ولا يؤمن بحروبِهم رغم أنَّهُ عادة ما يجد نفسه مزجوجاً في أتونها.

وهو له حربه وله أمثلته وأمثولته، وله أيضاً نموذجٌ غيـر مدجَّن لفكرة الدولة، نموذجٌ غيـر متشكِّلٍ بعدُ لكنهُ قائم على رفض ما هو مُتحقِّق.

وهذا الجيل هو الباعث لإعادة إحياء ” المهدوية ” الإنقاذية في المجتمع العراقي، سنجدُ، على سبيل التدليل العابر ليس إلا، تنامي فرق سلوكية ومجموعات محلية متعدِّدة تقومُ أنشطتها واستراتيجتها على تمثل عقيدة الظهور “الشيعية” أي ظهور المهدي المنتظر، وتقوم على استنهاض مقولات الملاحم والفتن، وسنجد أن جميعَ من تبني الفكرة المهدوية خلال حقبة الدولة العراقية بأكملها، وخاصة في مجال الممارسة هم نماذج شخصية من هذا الجيل.

وهو بهذا المعنى “جيل” يأخذ من الدين أخبارَهُ الأسطورية وغيـر معني تماماً بتواتر معاملاته وعبادته وفروعه الفقهية.

خلال التنازع بين النماذج البدئية للأفراد والجماعات في حركة التاريخ نحو إكمال واحدة من دوراته وإعادة صياغات توجهات المجتمعات المحلية، تحدث أربعة مُنعطفاتٍ أساسية يستغرق كل واحد منها حوالي الـ 20 سنة وتَصِلُ في النهاية إلى الغاية نفسها عادة.

فالمُنعطف الأول يصل إلى مستوى “الذروة” الذي يسبق النهضة ويمهِّدُ لها، وذلك عبـر طورٍ من التمدَّد الجريء للنشاط الثقافي والسلوكي، ليتحوَّل إلى حالة تأسيسية، في نمط جديد وليُصبحُ نموذجاً مُؤَسَّساً بعد أن يجرى تفكيك النموذج الذي أسَّسهُ القُدماء.

الطور التالي هو طور النهضة القادمة حيث يأتي زمنُ التمرُّدِ على الكتلة الأيقونية المُؤَسَّسة، عندما تصبحُ جماليات النشاط الروحيَ هي المعيار لتحديد طبيعة النهضة.

ثمَّ تحلُّ فترة مزدوجة من القلق والانحلال، أو القلق الذي يكتنف مسيرة “النهضة” ويمهُّد للانحلال، إذ يتزايد حسُّ القلق على ما أنجز باطِّراد، لناحية الشكِّ في طبيعة الإنجاز الثقافي الفكري النخبوي، وفي طبيعة السلوك الاجتماعي إزاءه، وهو يؤدي إلى نوع من الاضطراب الاجتماعي في ظل فردانية قوية، وتنافسٍ بين النخب والجماعات المحلية، وتنازع مع توجُّه المؤسسات التي تكون مضطربة هي الأخرى على نحو متزايد.

وهنا يحيـنُ موعد المُنعطف الرابع أخيراً، وعصر الثورة بعد جيل كامل من الشكِّ والاضطراب، بفعل الأزمة التي وصل إليها المجتمع فيسعى إلى أن يُعيدَ تعريف طبيعته الجديدة وأهدافه المستنبطة بعد دورة تاريخية مكتملة أمدُها ثمانون عاماً.

بعد هذا التلخيص لصور النماذج البدئية للأجيال الشعرية في العراق، قياساً إلى التحولات الاجتماعية المحلية في سياق دورات التاريخ، يمكننا أنْ نستقصي ملامح لصورة البطل المدني ” المحلي” ممتزجة بصورة المثقف البرلماني متجسدة في أشعار تلك المرحلة بما تحمله من منبـرية جماهيرية استنهاضية في شعر كل من الرصافي والجواهري ومحمد مهدي البصير ومحمد رضا الشبيبي وسواهم.

كما يمكن رصد صورة الفنان الإنساني التقدُّمي التنويري ممزوجة بشيء من المصالحة والمساومة والتعايش مع المتغيرات في تمثلات عديدة من شعر الرواد.

أما صورة “النبي الثوري” وريث النهضة، والمبشر بالتغيير، الشاب في زمن الازدهار، فسنجدها لدى شعراء جيل الستينات وبعض من شعراء جيل السبعينات.

لنصل إلى نموذج “البدوي الفوضوي” المتمرِّد والحرَّ حدَّ إنكاره لفكرة المؤسسات، والذي تمثل الثمانينات وما بعدها عقوداً نموذجية مثالية لتقصي التمثيلات الهائمة لتلك الصورة الشعثاء.

وبينما ترتبط بنموذج “البطل” فكرة العهود السياسية ورسالات الأمة، والتحوُّلات في بناء الدولة، ترتبط بنموذج “الفنان” فكرة الإنسانية والوطن والتنوير، وصناعة السلام والرخاء.

أما نموذج “النبي” فتربط به فكرة الإصلاح والتقويم، والنقد لتبـرير صعوده.

فيما يبدو “البدوي” أفصح قرين لفكرة التمرُّد، ونشدان الحرِّية، تحت وطأة الحروب الإقليمية والنـزاعات المحلية العنيفة والحروب الأهلية.
لكنَّ هذه النماذج الأربعة ليست صوراً نمطية ثابتة لكلِّ نموذج أو هي معتقل نموذجي للفرد والمثقف، فعلى سبيل المثال وانطلاقاً من آخر جيل حالي، وهو جيل البداوة، فهو سيعدُّ جيل “البطولة” في الدورة التاريخية التالية، أي فكرة بناء الدولة العراقية ما بعد الكولونيالية الثانية، وسيولدُ منه جيلٌ فنانٌ وهو في واقع الحال جيلٌ موجود حالياً لكن إنجازاته لن تظهرَ قبل عقد من الزمن، حيث تولد فكرة الوطن بصياغة جديدة، وفكرة الثقافة باقتراح مغاير، والمساومة بين الوعي والتراث. ليمهِّدَ الطريق أمام أنبياءٍ جُددٍ، فَبَدوٍّ جددٍ وهكذا

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق