مقدمة لأجيال النخبة العراقية 1921 ـ 2003: جيل “البدو” الآبق على فكرة الوطن

 المنعطفاتُ الثلاثة الأساسية التي مهَّدت للمنعطف الرابع الأخطر أي سقوط الدولة القديمة، ونشوء ممكنات جديدة (لدولة جديدة) تتمثل في ما يلي:
المنعطف الأول: نهاية العهد العثماني وبداية الهيمنة البريطانية وإعلان قيام الدولة العراقية، الذي سيقود إلى إيجاد مجال حيوي لبداية الصراع المحلي، وبداية عصر الإيديولوجيات.

المنعطف الثاني: يلخصه تطور المشاعر والعواطف وتحوُّلها إلى أفكار، وازدهار فكرة النهضة من خلال ولادة الإيدلوجيات القومية والإنسانية: تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، وحزب البعث خلال الأربعينات. وبداية التنافس الداخلي على صياغة “روح الأمة” والذي أدى بانعطافته الواضحة إلى قيام النظام الجمهوري.

أما المنعطف الثالث: فهو يتصل بالمرحلة ما بعد قيام النظام الجمهوري، والتنازع بين نموذج الدولة الإقليمية والدولة القومية، بين مقترح البلاد المفتوحة، والبلاد المحافظة. وهي “فترة” قلق الهوية الناتج عن صدمة الانقلاب العسكري وصعود الطبقات المحلية للمرة الأولى للتنافس على زعامة البلاد بعد أن ظلَّت لأربعة عقود (ما يعادل نصف حقبة تقريباً أو نصف عمر الدولة العراقية) ذات مرجعية مرتبطة بسلالة “هاشمية” الأمر الذي سيؤدي إلى بداية عهد الاستبداد والدكتاتوريات المحلية بديلاً عن الزعامات “السلالية” التاريخية.

المرحلة الأخيرة تمثل مرحلة الدخول في المنعطف الرابع. الأخطر في تاريخ العراق الحديث وهي تمثل بداية حرب الخليج الأولى: الحرب العراقية الإيرانية مروراً بحرب الخليج الثانية (احتلال صدام الكويت وحرب عاصفة الصحراء الأميركية لإخراجه منها) وصولاً إلى سنوات الحصار، وانتهاء بانهيار الدولة القديمة باحتلال العراق وهي زمن يستغرق 22 سنة بالتمام، وهي بالضبط “المدة” كما يراها علماء الأجيال الحديثة لنشوء المزاج العاطفي والعقلي وارتقائهما، لعمر الجيل الواحد لناحية المعاصرة والتداخل.

هذا هو عمر العطاء الأساسي “للجيل البدوي” أي العمر المحكوم فيه هذا الجيل بالتعبير الأساسي عن نشاطه وسماته وتوجهاته، وبهذا المعنى فهناك من هم “ثمانينيون” من الناحية التزامنية، لكنهم لا يندرجون في النسق التكويني “للجيل البدوي” لأنَّهم ينتمون بتعبيراتهم إلى ” ثقافة أخرى” وهناك من يتَّسقون في بلاغيات “الجيل البدوي” ولكنهم ليسوا من “الثمانينيين” لأنهم لم يعبروا عن نشاطهم خلال “عقد” الثمانينات، لكنهم إما التحقوا تعبيرياً به، أو كانوا مشغولين في حياض أخرى من التعبير قبل أن يتمازجوا مع التعبيرات الجديدة، وهناك من هم “ثمانينيون بدويون” وهؤلاء هم الخلاصة النموذجية المعبرة عن نسق مختلط بين روح “الجيل البدوي” والأنماط البلاغية للعقد الثمانيني وسماته الثقافية والمزاجية.

أخلاقياً يمكن النظر إلى معظم أبناء الجيل البدوي من – شعراء الثمانينات – على إنه جيل يعاني من الانهيارات الدراماتيكية والصدمات النفسية، والتشتُّت في التزام المواقف وبناء الأفكار، والاضطراب في تحديد الخيارات، وبذلك فهو يُعدُّ جيلاً انقلابيَّاً سريع التأثر غرائزي الاندفاع. وربما ستسفر أية متابعة حقيقية لنماذج خطابية بيانية وعينات سلوكية لربع قرن تمثل الطور الثاني من أعمار الجيل – بيـن الشباب وعتبات الكهولة – ستسفر عن تبيان الشرخ الواسع في البنية العقائدية الرجراجة أصلاً لدى أبناء هذا الجيل، وهو جيل أنتمي إليه على كلِّ حالٍ، وما هذا النقد إلا لتوصيف حالة عامة، قد لا أكونُ أنا، أو أحد سواي من أبناء جيلي تمثيلاً دقيقاً لها، ولكنْ هذا على العموم هو الواقع التحليلي الذي يعنى بالقواعد والتمثيلات البارزة ولا يحفلُ كثيراً بالاستثناءات والهوامش.

يمكن دراسة مواقف عدد من شعراء هذا الجيل وتبدُّلاتها السريعة حدَّ التناقض في الموقف من النظام الدكتاتوري، ثمَّ طبيعة الحماس غيـر المنضبط لدى الأغلبية منهم في الموقف من الاحتلال الأميركي للبلاد. على أنَّ هذا الموقف الأخير هو موقف عام شمل جميعَ أجيال الثقافة العراقية تقريباً، لكنَّ الملاحظ أن حماسات “الجيل البدوي” اتسمت بروح “الثأر” بالاتجاه الأول، وبروح التفاعل حدَّ الاندماج والتماهي في الاتجاه الآخر، لم يكن ثمة ثقافة تسامح في الحالة الأولى، ولا نـزعة جماعية للنقد والاعتراض في الحالة الثانية.

وفي التوغُّل عميقاً في البنية النموذجية “للجيل البدوي” لكشفِ الفكرة غيـر التقليدية المعهودة عنه في الصياغة “الخلدونية / الوردية” (نسبة لكل من ابن خلدون وعلي الوردي)، وإنما لتظهير الفكرة الأصلية الثقافية لا الاجتماعية للبدوي، لا بد أولاً من نقد الفكرة التقليدية (عن البدوي) إذ أنَّ هذا النموذج الأصلي هو في الواقع أقام طويلاً، ولعله لا يزال كذلك، في صياغة خارجية، بل لا يوجد حتى الآن صياغة أخرى ذاتية للبدوي، بمعنى إنه نتاج أفكار الآخرين وتصوراتهم عنه، وإن تلك الأفكار والتصورات هي التي شكلت الملامح الأساسية لتاريخه الاجتماعي سواء في تصور المديني عنه، أو أفكار علماء الاجتماع عنه، أو في نظم الدين التي تجعله في مكان ما في الفقه والعقيدة على حدٍّ سواء، وكذلك في نظرة الإمبراطورية، التي تضعه في الغالب في جهة النموذج الملتبس بالنموذج بالبربري، وصولاً إلى فكرة الاستشراق، وفكرة المتثاقفين بالنقل الثقافي الاجتراري، لا بإعادة صياغة الأسئلة حول الثقافة وجوهر أفكارها.

فعلى الصعيد الديني توصف معارف البدوي عادة بأنها ذات مرجعية أسطورية، وإن روحانيته الوثنية المركبة تجعل منهُ باستمرار غيـرَ قادرٍ على هضم واستيعاب النظم الدينية القائمة على مفاهيم مستقرَّة.

أما المتمدِّنُ فيوصفُ على الأغلب بمعرفية متحصلة من مؤسسات تعليمية وكاتدرائيات ومساجد داخل أسوار عمرانية. ولذلك فإن البدوي في الفكر الإسلامي هو أشبه بكائن ناقص الأهلية، أو قليل الدين، ترجَّح عليه شهادة القروي والبلدي لدى جمهور الفقهاء المسلمين.

وعادة ما يوصف ” البدوي” بالصياغات الاجتماعية التقليدية، المعتمدة على نظام الطبقات بأنه تدميري هادم في مقابل حضارة تقوم على العمران والبناء الهرمي.

وهنا ينبغي التفريق بين العمران بصيغة الحضارة، والآخر بصيغة المدنية، إذ ثمة فرق نوعي بينهما، لنفهم معضلة العلاقة بين البدوي والدولة بوصفها نموذج عمران مدني ترويضي، إذ يرى “هيغل” أنَّ الحضارة تبدأ من أوَّل بدوي متنقِّل إلى الزراعة، وهو ما رآه ابن خلدون قبله حيث رأى أن النمطَ العمراني البدوي سابق على النمط العمراني الحضري. لكن فكرة الدولة التي نشأت مع أول حقل زراعي كما يرى هيغل في ” أسس الفلسفة” نشأت معها أيضاً فكرة الزواج والعائلة والدين المنظم والممكَّن “من المكان”.

من هنا نشأت فكرة الهيمنة، ممزوجة، مع إخضاع الإنسان للأرض لشروط استقراره، نشأت معها هيمنة للزراعة الملكية الخاصة وتعدد هذه الملكيات وتضاربها لاحقاً وهو ما أوجدَ أنواعاً جديدة من الصراعات الداخلية والخارجية وأوجدَ معها قواعدَ صراعٍ وتصادم محدَّدة بين الجماعات المحليَّة الصغيرة، وكذلك بين الجماعات الكبرى.

فإذا كان المتمدِّن قد أعادَ إنتاج موارد الطبيعة بصياغة جديدة فإنه خضعَ في الوقت نفسه إلى قدر مُتعادلٍ تقريباً وربَّما أكبر من (التعديل) الاستلاب.

هذه العلاقة التبادلية الإحلالية لا تشبه العلاقة التفاعلية الداخلية بين البدوي والطبيعة، فهو متوحِّدٌ فيها، هو جزءٌ منها أو هو هي، وبينما يخاف البدويُّ من الاندماج بالمؤسسات المدنية، فإن المدني يبقى دائماً على علاقة غيـر حسنة مع الطبيعة، ذلك أن الذعر المدني من الطبيعة يجعل من المستقبل الكوارثي هاجساً داخلياً لديه، فيما يستعصي البدوي عن الاندماج في المؤسسات المحلية باعتبارها النهاية لبداوته.

ومع أن الأرضَ هي شكلُ حياته لناحية التحرُّك غيـر المحكوم بتصورات محدَّدة، إلا أنَّ التصوُّرات الخارجية عنه ثابتة، ويبدو أنها ستبقى كذلك.

و”البدوي المحلي” بلا وطنٍ يصيغُ له هويتهُ السياسية المستحدثة فهو صورة لشخصِ ما قبل الدولة، وهو في الوقت نفسه ليس “مواطناً” إذ لم تترسَّخ لديه هذه القناعة رغم أنه كان مُحارباً للدفاع عن حدود سموها له وطناً، وهو لم يتمتع بحقِّ المواطنة حتى وهو يقتل في الحدود الإقليمية التي لم يتدخل في اختيارها.

وقبل ذلك فشلت الدولة طيلة عقود في أن تجعله ذلك المواطن، رغم أنها أوجدت له حروباً ومجالات عنف متعددة، وطاردته كأنها تعيدهُ إلى بداوته وفوضاه الجميلة.

ثمة فرق جوهري وأساسي ينبغي الاحتراز له وهو الفرق النوعي بين البدوي والغجري، فالقاسم المشترك بين النموذجين هو الترحال والتجوال وعدم القدرة على الاندماج بالمكان بغياب روح التكيُّف الاجتماعي، إلا أنَّ هذه السمة الأخيرة تبدو متباينة إلى حدٍّ كبير بين النموذجين، فنتيجة مجاورة الغجري للمدن، وتركز ترحاله قي المدن المأهولة، أوجدَ لديه روح المساومة مما قربه من روح الفنان، خاصة وإن الموسيقى والرقص والتبصير في قراءة الطالع وتفسير المستقبل، ساهمت في تعزيز تلك الروح كنوع من أساليب الاتجار بالمواهب لدى الغجري، كما ينضوي الغجر في نظام اجتماعي يعتمدُ، في نشاطاته السرية بمحيط المجتمعات المدنية المجاورة، على “هيكل المافيا” أي على أساس القدرة على اقتراف “الأفعال” أو “الاحتيال” أو ما ينظر له في سياق هذا التوصيف أو بالقرب منه، في المدينة التي تجري مجاورتها، مع قدرة مضاعفة على التملص من وطأتها الأخلاقية، كما تقوم بنية التفاعل من خلال المجاورة على “الإغواء” واستدراج سكنة الوحدات العمرانية، إلى خيام “الغجر” وعرباتهم، لتلقي تسليات ومتع وتفاعل غيـر مألوف، بينما “البدوي” ينتظم أكثر في نظام “العصبة” و”ارتكاباته” المفترضة هي نوعٌ من النوازع الأخلاقية المحض لتأكيد وجوده الثقافي وهي تدفعه إلى المفاخرة حتى بجريمته غالباً.

ثمة أيضاً مسافة أخلاقية مفترضة بين الذكاء والاحتيال بين التوظيف النفعي للعقل وبين استخدامه كتعبير عن الهوية.

مثلما ثمة فرق بين النسب السلالي المضيع عن عمد، والمنتسب لأشجار في غابات كثيرة كما هو الحال لدى الغجري، وبين المحافظة على التسلسلية الطبيعية للنسب لدى البدوي والاعتزاز بهذا الاتصال العميق الغور من خلال شجرة نسب واضحة المعالم حتى وإن كانت وحيدة في الصحراء.

وبهذا المعنى فان “الغجري” هو تمثيل نوعي “للبدوي” ولكنه لا يصل إلى حدود التعريف المانع الجامع، أو البدل البلاغي والفكري للبدوي.

فالبدوي في كل حلِّهِ وترحاله، لا أرض له ولهُ كلُّ الأرض! لذلك فحريته قائمة على عدم الملكية الشخصية وعلى استبدال الأفق والمدى، بالقرية والبلدة.

وهو دائماً كان على سفر ومع هذا ترسم له صورة ثابتة مقيمة في مكان ضيق من التاريخ، لا تسافر في المعارف والوقائع، ولذلك كان هو ضحية تاريخ الحضارات ولم يكتبْ أحدٌ تاريخ حضارته.

فالبدويُّ مُؤسس الهجرة قبل “النبي”، فالأنبياء المهاجرون من إبراهيم إلى محمد، كان كلٌّ منهم بدوياً في “برهة” معينة ومكان محدَّد، قبل أن يصبحوا أنبياء في “برهة” تالية، ولذلك فإن البدوي يجسِّدُ نَموذجاً قديماً للحنين الأبديِّ الغامض لتلك البداية وللعودة إلى الهجرة الأولى.

وعلى هذه الأصول ذات الجذور الأسطورية يواظب “البدوي” على إعادة إحياء تلك السمات الأولى لشخصيته بوصفه المبتكر الأول للهجرة.

وعلى هذا الأساس ستكون أول هجرة واضحة، على أساس إعادة تمثيل ” أسطورة البدوي” بين شعراء هذا الجيل، هي عندما خرجنا أنا والشاعر باسم المرعبي من بغداد إلى كردستان وكنا نترحَّلُ هناك بيـن حدود إيران وحدود سوريا طيلة شهرين في رحلة هروب لم تنته عند عبور نهر الخابور نحو سوريا، وعند ملتقى التفرق والشتات أعني (الماء) الذي يمثل إحداثيات أساسية في بوصلة البدوي صادفنا: كلاً من شكر خلخال وعبد الزهرة الركابي والفنان المسرحي المرحوم عدنان نعمة الذي أعدم بعد دخول الجيش إلى كردستان عام 1996، وهو ما فعله لاحقاً أحمد عبد الحسين قادماً هذه المرَّة من إيران وتتالى آخرون وآخرون من “الجيل البدوي” .

وفي الوقت نفسه كانت الصحراء الغربية تنفتحُ على حشدٍ كبيـر، من “بدو” بالفعل ثمانينيين بالقوَّة، مُتطلِّعيـن إلى صحرائهم القديمة التي لم تقدم لهم سوى أفق لرحلة هائمة أخرى عبـر المحيطات. فكانت رفحاء، ومُخيَّماتٌ في صحراء مُمتدَّة، ستجدُ من هو أكفأ مني في التأريخ لها.

بل إنني شخصياً بقيت لثلاثة عشر عاماً بلا جواز سفر، ومع هذا عبرتُ الحدود باتجاه العراق مرتين وزرتُ بيروت مرَّات ومرَّات، كما يتنقَّب البدو والرعاة بالرياح ويعبرون الصحارى.

إنه الْمُغترَبُ المزدوج المنفي داخلياً وخارجياً، لا أرض الميلاد ولا أرض ميعاد، ولا مبعث.

عددٌ كبيـر من شعراء هذا “الجيل” عبـروا الحدود أو غامروا بعبورها وهم لا يمتلكون جوازات سفر.

إنهم “بدوٌ” لأنَّ تخوم حياتهم تقع بين الحرب والمنفى، بين جوقة الحطابين الذي يعدون ناراً لإحراق المستقبل، وبين المدن التي يصلونها ولا يجدون حياتهم، تماماً كحياة البدوي في الهجرة والترحال ومواجهة الأخطار في الأمكنة المفتوحة على احتمالات قاسية.

كأنَّ كلَّ مسيرته داخل العراق كانت مجرد محطة لعبور وشيك وظل يفكر بذلك العبور كفرص تنتظر السنوح، لا أحد من “الثمانينيين” كانَ مَشدوداً إلى أرض أو تراب بالمعنى البدائي طالما أن كلَّ أرض هي أرضه، ولا أرض له حقاً!

وفي التراث فإن البدوي عالم بالمياه يعرف أين يجدها، ولا يقلق كثيراً عندما تنفد مياهه في ضباب الرحلة ولا ينخدع بلمعان سرابها، لذلك يغدو البدوي صعب المراس صعب التدجين.

أجيال، جاليات أينما حلوا فهم لم يشتركوا في صياغة مفهوم سياسي للوطن ولا حتى مفهوم مدني، فظل الوطن بالنسبة لهم فكرة ماثلةً في مكان ما خارج الوعي الذي تصيغهُ المؤسسات.

شعراء الجيل البدوي، هم المحاربون في فترة الأخطار، والمطاردون المطلوبون في زمن تثبيت الولاء للسلطة وترسيخ النصر، وهم منفيُّون في ساعات تقييم المحاصيل والاستحقاقات، لهذا هم لم يكونوا مواطنين في الوطن، إلا داخل هذه التعبيرات المتعدِّدة لصورة البدوي.

كم من هذه الأفكار يمكن أن تقارب أمزجة جماعة “الثمانينات” في الأدب والفن والنشاطات الاجتماعية المختلفة؟ قد يخرجُ من يخرج هنا وهناك ليقول إن الفكرة الأساسية هنا وهي علاقة الثمانيني بالمؤسسة لم تكن في الدرجة التي جرى بها تمثيلها بعلاقة البدوي. وأقول إنَّ كلَّ محاولات اندماج جيل الثمانينات في نظم وتجمعات مؤسساتية باءت بالفشل ولم تعمر طويلاً، وأضحت أكبـرَ نقطة عارٍ على “الثمانيني” نفسه وهو يعيد تقييم وجوده الطارئ والشاذ في تلك المؤسسات، ذلك أن إبرام أية صفقة مع “البدوي” يبدو مستقبلها كسراب الصحراء التي يعرفها البدوي جيداً ويعلم بها المدني أيضاًَ، وحين أخاطبُ بهذه العبارات أفراداً محدَّدين في هذا الجيل فإنهم سيهزُّون رؤوسهم إذا ما قرأوها، ذلك أنَّ ندم البدوي يسكنهم حقاً، وقدرة الفنان على التبرير تمنعهم غالباً من السفسطة الزائدة، مثلما تمنعهم فكرة النبي غيـر المتوفر من الانتحار، أو فكرة البطل من ادعاء بناء غير موجود. لذلك كانت الفوضوية “الأنارجية” هي فلسفتهم للتعامل مع مؤسسات الدولة على أساس القاعدة الذهبية للفوضويين التقليديين التي ترى في الدولة مجرَّد شرٌّ لا بدَّ منه.

وإذا كانت الفوضوية بالمعنى الفلسفي لـ” الأنارجية” تعني الانحياز إلى “مجتمع اللا دولة” وفق رؤيا عقلانية، وبينما يُعدُّ “البدوي” الأكثر حنيناً لفكرة الأسطورة في رفضه لمنطق الاندماج في الكتلة البشرية داخل أسوار العمران المؤسساتي، فإنَّ “شعراء الثمانينات” وبسبب من الشروط التاريخية التي رافقت ولادتهم الثقافية والإبداعية لم يجدوا في العقلانية الفوضوية أكثر من تأكيد على لا عقلانية “البدوي” وفوضاه غيـر المعقلنة.

كانَ جيلاً متحدِّياً للعقائد بشكل واضح، لكنَّهُ منحاز للعدالة كقيمة أخلاقية دون ترتيب إيديولوجي، حتى وإن جاء هذا التحدِّي بدافع تحوُّل المجتمع إلى كتلة عقائدية واحدة تقريباً وغيـر متجانسة بسبب الدكتاتورية.

لذلك تنوس صورة البدوي الثمانيني في هذا المشهد بين بطلٍ ووغدٍ، كائنٍ قذرٍ، ورجلِ قيٍم، صلبٍ ومتوحشٍ.. وهذه في الواقع هي الخلاصة التفكيكية لصورة الشاعر الثمانيني بل المثقف الثمانيني عموماً في العراق.
أخيـراً، ينقل ابن خلدون فكرة عن تحصيل البدو لأسباب معيشتهم بقوله أن أرزاقهم تنشأ عادة تحت ظلال رماحهم، هنا يمكن استبدال الرماح بالأقلام على سبيل المجاز التعبيري للبدو الجدد بدو الكتابة اليوم المحاربين بالأمس

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق