مقومّات الاستعارة البصريّة وأبعادها الجماليّة والتعبيريّة في إنشائيّة العمل التّشكيلي

 “إنّ التعبيريّة في الفنّ التّشكيلي من خلال عناصر التّأليف القائمة على الشكل واللون والتّركيب والبناء، منحت الفعل الفنّي وإنشائيّته بعدا ميتافيزيقيّا يحرّر الإنسان من واقعه ويكشف بذلك الفروق السيكولوجيّة والاستعاريّة ويبني إيقاعات التّعامل مع الحياة، بواقعيتها ورمزيّتها المتراوحة بين الغموض والتّعقيد من جهة، والبساطة والتّفاؤل من جهة أخرى”.

 

 

 

إنّ محاولات الكشف عن أسباب التعدّد ودواعيه، والتنوّع في رمزيّة الظاهرة الفنيّة التعبيريّة لا بدّ أن تتمحور حول نشأتها من لغة تشكيليّة تقوم على الاستعارة، فهي خلاصة تنتج من خلال تفاعل الفنّان مع الواقع الموضوعي، والواقع العيني المحسوس والمتخيّل.

 

وهذا ما يجعلنا نربط جدلا بين مفهوم الاستعارة والأبعاد التعبيرية في الفنّ التّشكيلي.

فما هي الوسائل والأنساق القائمة على الإفرازات التعبيرية للاستعارة البصرية في الفنون التشكيلية؟ هل يمكن للاستعارة أن تتحول من وسيلة إلى غاية تشكيلية وفنية؟ وماهي أبعادها؟ وإلى أيّ مدى يتجلى تأثير هذا المفهوم في الأثر الفنّي؟

 

يمثل مفهوم الاسْتِعَارَةُ في علم البيان: “استعمال كلمة بدل أُخرى لعلاقة المشابهة مع القرينة الدالَّة على هذا الاستعمال، وهي “اِسْتِعْمالٌ مَجازِيٌّ لِمَعْنىً خاصٍّ بِكَلِمَةٍ لِمَعْنَى آخَرَ على وَجْهِ الْمُشابَهَةِ.”[1]

أما الاستعارة في الفن التشكيلي فهي رؤية للعالم الموضوعي والمتخيل في الآن ذاته، وهي تساعد الفنان على إنشاء الأبعاد البنائية والتأليفية في العمل الفني، استنادا إلى واقع تعبيري يحمل للمتلقي لغة الخطاب الرّمزي والفكري والرّؤية الجماليّة من خلال العلاقات الجدليّة الكامنة في بنائيّة اللوحة وعناصرها التشكيليّة.

تعتبر الاستعارة من الأدوات المهمّة جدّا في محاولة الفهم الجزئي لقنوات الشّعور النابعة من التذوق الفني، المتولد من التجربة الجمالية وسلوكاتنا ووعينا الرّوحي والوجداني، ومجهودات الخيال هاته لا تخلو من بعد عقلي، إذ هي مزيج منصهر في علاقة تلازميّه بين الحسي والعقلي، فهي تستعمل الاستعارة كلغة تواصل تشكيلي بين العمل الفني وعناصره وتركيباته وتأليفاته والمتلقي البصري.

إذن هل يمكن القول بإمكانيّة تأسيس حقل يقوم على بصريات الاستعارة في الفن التشكيلي؟

إن نظريّة الاستعارة (le métaphore ) بوصفها تعبيرا عن الضّمني تفضي إلى نظرية الرّمز الذي يمثل كيان اللوحة التجريدية، فهو متواجد في كافة عناصرها وأيقوناتها وتراكيبها وبناها، وبالتّالي فإن نظرية الرمز في المقابل، ستتيح لنا توسيع نظرية الدلالة، التي لا نضمن فيها مقومات المعنى الصوري فحسب، بل المعنى “اللا صوري” أي الإيحائي أيضا، كما يؤكد (بول ريكور في نظرية التأويل).[2]
وبما أن الاستعارة البصرية مرتبطة بالأسلبة أي الاختزال والتكثيف في عناصر الموضوع القائمة على الفكر التعبيري واللغة التشكيليّة، وإمكانية الوصول من خلال قراءة العمل الفني إلى جوهره الباطن والظاهر، فان هذا يساعدنا على أن نتوصل إلى تحليل تجليات القوة في التكوين التأليفي لعناصر اللوحة، والتدقيق في جلّ المعاني والصور.

ومن هنا يمكن أن نؤكّد على إمكانيات الاستعارة البصريّة ليس فقط كوسيلة تنشأ ارتباطا كليا بالنصّ الأدبي وإنّما البصري أيضا استنادا إلى قدرتها التأويلية داخل اللوحة التشكيلية.

يمنحنا الفن التشكيلي الكثير من المفردات والوسائل التي تجعل من الاستعارة وسيلة غنية تدفعنا لدراسة مكونات اللوحة بمختلف عناصرها التشكيلية وما تتيحه لنا من أسرار اللغة البصرية التعبيرية. فمثلا عمد (فان كوخVan Gogh ) استخدام الأشياء بمفهوم استعاري، ففي لوحة (الحذاء ) أو في لوحة ( غرفة فان كوخ) نلاحظ الإمكانات المتعددة لمفهوم الرمز الإيحائي للتركيب التشكيلي، وعناصره التأليفية، المتولدة من مفهوم الاستعارة البصرية، وما توحيه للمتلقي من دلالات الذاتية في تساؤلاتها الوجودية، والباحثة في المنحى التعبيري عن الحقيقة الكلية دون زيف، ويتأكد ذلك مع (مارتن هايديقير) قائلا: “….إنّه لا يتعلق بإعادة التّعبير عن الموجود المفرد الحاضر في كل مرّة، وإنّما يتعلق الأمر على العكس من ذلك، بالتّعبير عن الجوهر العام للأشياء…”[3]
أما في لوحة (مقهى في الليل) فان اللون الأصفر يفرض وجوده وكثافته، فهو يشع لدرجة الربط بينه وبين النور لأنه يقوم بتأكيد الوجود أو مكونات الحياة والتركيز على الأشياء وإظهارها ليوجدها لذاتها، وبهذا فان النور لا ينفصل لا عن الإنسان ولا الحياة، إنّه يدخل معهما في فرضية الوجود على عكس الزمن الذي يفرض تآكل الموجودات والأشياء تدريجيا،

 

إنّ الألوان لدى (فان كوخ) أصبح لها معادلها الاستعاري ورموزها التأويلية ـ الميتافيزيقية، ويتجلى ذلك في لوحة (نجوم الليل فوق رون) التي تعكس ضوء النجوم التي تشبه الثريات على صفحة البحيرة الهادئة بشكل مشع، وكأنها توهجات نار تتلألأ من خلال انبثاقها من الماء ويلغي الفنان كل ملامح موجودات اللوحة ماعدا عجوزان(رجل وامرأة) يسيران في المستوى الأول من تركيب اللوحة باتجاه المشاهد وكأنهما تائهان أو مغموران سعادة بعد أن تذكرا ماضيهما عندما وقفا على جرف البحيرة قبل لحظات .إنها استعارة تنشأ من خلال الوظيفية الجمالية والتعبيرية لعنصرين متقابلان يمثلان تماهيا لانبثاقهما من الطبيعة .


 Vincent Van Gogh : Nuit étoilée sur le Rhône
1888, huile sur toile, 72,5 x 92 cm.1888. Musée d’Orsay, Paris.

ومن ذلك يمكننا الحديث عن تشيئ الذاكرة ،التي تستحيل في تعبيرية الفن استعارة بصرية، مثل الأثاث ومزهريات عباد الشمس الوحشي والأحذية والكراسي والتي تبدو أشياء جامدة، لكنها متحركة بصريا من خلال التقنية المعتمدة في الخط والشكل واللون. وبالتالي تمنحها استقلاليتها فتمتلك حركتها وإيقاعها ومعناها الجديد.

إنّ هذا الجوهر العام يستند إلى مفهوم الجمالية الذي شهد رجّة فعلية مع غالبية لوحات فان كوخ، ونعود إلى (لوحة الحذاء)، والتي من خلالها استحال الفن ليس هو بالجميل، وإنما يسمى هكذا لأنه ينتج الجميل، والجمال هنا يقوم على الاستعارة من الواقع الذي يتطابق مع الخيال.

فتركيب هذه اللوحة لا يستند إلى موضوع واحد رئيسي كما كان المثال في التيار الفني الكلاسيكي ،وإنما كل جوز من الحذاء يمثل موضوعا في ذاته ولذاته، فالعناصر التشكيلية المعتمدة وخاصة في المعالجة اللونية من خلال تقنية التهشير اللوني والخطي (HACHURES) المعتمد، لا تتطابق فيها لمسات الفنان مع التكوين البنيوي للحذاء، إذ نلاحظ ابتعاد الخط عن الشكل الخارجي وتماهيه مع خلفية اللوحة، فيتلاحم الشكل مع الخلفية بسبب تنوع الخطوط الصغيرة الحاملة لكل الاتجاهات الأفقية والعمودية والمائلة، بالإضافة إلى الخاصية اللمسية البصرية المكونة لمختلف تجاعيد وتجاويف الحذاء التي توحي بقدمه من خلال النتوءات الظاهرة في مادية المادة التي عولجت بها التركيبة لونيا.

أما الحركة التي يولدها هذا الحذاء في التركيب فإنها تنبجس من الخطوط المتتالية والتراكمات المادية للون، بالإضافة إلى تعدّد المستويات بين الأول والثاني والثالث، فبتقدم حذاء عن الآخر هنالك إيحاء بحركة الشخص الذي ينتعله، وهذا ما يحدد البعد السينوغرافي للاستعارة البصرية، وكأنه عرض لمسرحية one men Chow  لكن دون حضور مادي للممثل، وإنّما هو حضور ضمني من خلال حركة الحذاء ،وهذه الحركة تولد الصيرورة والدوام والتواصل من خلال لغة التواصل السيميولوجي للأثر الفني من خلال الاستعارة.

إن التواصل الفكري الذي أنتجته النظرة الواقعية والتعبيرية لمفهوم الجمال ،كما ارتآه الفنان في عمله، تستعير من الواقع والحقيقة لتعطينا جدلية الصورة IMAGE وعلاقتها من خلال الاستعارة بالتصورIMAGINATION ، الذي ينفي مفهوم “التسوير” بمعنى الانغلاق والمحدودية في القراءة التأويلية والرمزية البصرية للعمل الفني.

 

[Vincent Van Gogh->http://fr.wikipedia.org/wiki/Vincent_van_Gogh] : Une paire de chaussures

Huile sur toile de 37.5 X 45 cm 1885

أما في بعد آخر، فإنّ التعبيريّة في الفنّ التّشكيلي من خلال عناصر التّأليف القائمة على الشكل واللون والتّركيب والبناء، منحت الفعل الفنّي وإنشائيّته بعدا ميتافيزيقيّا يحرّر الإنسان من واقعه ويكشف بذلك الفروق السيكولوجيّة والاستعاريّة ويبني إيقاعات التّعامل مع الحياة، بواقعيتها ورمزيّتها المتراوحة بين الغموض والتّعقيد من جهة، والبساطة والتّفاؤل من جهة أخرى.

فالتّعبير استعاريا عن وجود الإنسان وتحوّلات أشياءه تمثل دوما أشياء تعكس الحالة الاجتماعية والنفسية، وفي ذات الوقت تمتلك أسطوريتها ومثيولوجيتها المطلقة، وهذا ما يفرض العلاقة الهذيانية كما عبر عن ذلك (فريود) قائلا: “ينسحب الفنّان كالعصابي، من واقع لا يرضى إلى دنيا الخيال هذه، ولكنه خلاف العصابي يعرف كيف يقفل منه راجعا ليجد مقاما راسخا في الواقع”.[4]

ويتجلى الهمس الوجودي القائم بين إمكانيات التأويل لعناصر الموضوع كاستعارة والفنان الذي يجعلها جزءا من وسائله الإبداعية، ليعبر من خلالها عن الإمكانات اللا محدودة في العمل الفني المفتوح كما عبر عن ذلك ( إيكو).

 

[Vincent Van Gogh->http://fr.wikipedia.org/wiki/Vincent_van_Gogh] : l’huile sur toile de 72 x 90 cm. chambre de Van Gogh 1888

من هنا نريد أن نثبت العلاقة الجدلية بين المعنى التشكيلي للوحة، والمعنى المجازي الرمزي المبني على الدلالات المعمقة المتداخلة بمفردات اللوحة التشكيلية، ولاسيما الخطاب الفني المقرون باستعارة المفردات التي تربط المعنى الصريح بالمعنى الضمني.
ولكي نعطي للمسائل المعقدة فرصا للحلول، لابد لنا من الاهتمام والأخذ بنظر الاعتبار بالمكانة الإدراكية للعناصر المكونة للرمز والإيحاء التي تولدها الاستعارة المنطقية، ولأن هناك تمييز بين اللغة الإدراكية واللغة الانفعالية في اللوحة الفنية، تنشأ لغة جديدة في كل مجالات الفنون، لا الفن التشكيلي فحسب، وهي لغة الاستعارة التي تكون نسيج، من نداءات تبدو هادئة في ظاهرها، ومتفاعلة ومنفعلة في باطنها.

تلك هي من المسائل التي يمكن للاستعارة أن تؤدي فيها وظيفتها في الفن، فترتبط بدلالات الموضوع ورهاناته الجمالية، المبنية على الأسس الثلاثة التي تجعل من المتلقي يختار جزءا من العمل الفني، ويضعه أمام اختبار إلى الجزء الآخر والآخر ويكشف عنه الغموض، هو ليس فك الشفرة ولا معرفة الطلاسم، ولكن عامل التأويل مطلوب في كل نتاج فني وتداخل المعاني وتفاعلها أمر معقد يستند الى عملية التركيز على آليات وسبل التحليل وفق الصورة التي تصغرها الاستعارة بكل جزء من أجزائها ومن ثم يمكن تدقيق رؤية العمل ونتاجه بصورته الكاملة والتامّة.

 

 

 

 الهوامش:

 [1] معجم الوسيط:بطرس البستاني مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الطبعة الثالثة ،1998، ص 67.

[2] بول ريكور:نظرية التأويل،الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي،الطبعة الثانية 2006، ص 67.

[3]

M.Heidegger,

Chemins qui ne menent nulle part,trd,Wbrokveir,Ed,Gallimard,1950,P.98.

[4] سيقموند فرويد: حياتي والتحليل النفسي، ترجمة، مصطفى زيور، دار المعارف، بيروت،1998.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق