ملاحظات حول الاستشراق والفلسفة العربية

نظر المستشرقون إلى الفلسفة العربية على ضوء إشكاليتين أساسيتين يمكن تكثيفهما في السؤالين التاليين: أوّلا: هل مثّلت تلك الفلسفة في علاقتها بالفلسفة اليونانية إتباعا أم إبداعا؟ وبالتالي هل كان فلاسفة العرب مجدّدين أم مجرّد شرّاح ناقلين؟ ثانيا : ما علاقة الفلسفة العربية بالدين الإسلامي؟ هل هي مجرد توفيق بينه وبين الفلسفة اليونانية أم إنّها في انفصال واستقلال عنه؟

وكانت الأطروحة الطاغية ـ وبالتالي الاتجاه الرئيسيّ في الاستشراق ـ تقول إنّ تلك الفلسفة اتباعية في علاقة باليونانيين، وتوفيقية في علاقتها بالدين، وعلى سبيل الذكر فإنّ سوليمان مونك يشيد بابن رشد باعتباره أكبر علماء العالم الإسلاميّ، لكنّه يقول عنه إنّه لم يكن يريد تأسيس منظومة فلسفية، بل أن يكون شارحا لأرسطو، دون إدخال أيّ تحوير على فلسفته. S.Munk. Mélanges de philosophie juive et .arabe.J.Vrin.Paris1988.p346

والتأكيد ذاته نجده لدى ليون غوتييه، بخصوص ابن رشد، من جهة التوفيق والإتباع سواء بسواء، وقد ذهب بعيدا في تأسيس أطروحته هذه إلى حدّ استدعاء تفسيرات موغلة في العنصرية، تقرّ تفوّق العرق الآريّ على العرق السامي، كما تتفوّق اليهودية والمسيحية على الإسلام في شتّى مناحي الحياة، فالفلسفة اليونانية اندماجيّة fusionniste ومثلها اليهودية والمسيحية، أمّا الإسلام فانفصاليّ séparatiste، ومن هنا إخفاق كلّ محاولات التوفيق بينه وبين الفلسفة، وعجزه عن التعايش مع الديانتين الأخريين.

لقد اعتبر أنّ الفلاسفة العرب كانوا مجبرين على مصالحة أكثر الفلسفات اندماجية مع أكثر الأديان انفصالية Gauthier(Léon) introduction a la philosophie musulmane ;Ed : Ernest Leroux. Paris 1923 .p134، ومن هنا تنبع ازدواجية فيلسوف مثل ابن رشد؛ فقد ظلّ إيمانيا في علاقته بالجمهور، وعقلانيا في علاقته بالفلسفة.

وفي معرض تأكيده لأطروحته تلك، ينقد التصور الإسلاميّ لله، فالمسلم منفصل عن ربّه، مستسلم له وراكع أمامه، فاله الإسلام طاغية متجبّر، يأمر أحيانا بالشيء ونقيضه، بل إنّه يمكر كما يمكر البشر وهو خير الماكرين، ويبدو الله قامعا والمسلم مقموعا، إنها علاقة سيّد بعبده، بينما في المسيحية يتبدًّى الله أبا وحبيبا، فهو غير منفصل عن المؤمنين، إنما يقيم فيهم ويمتزج بهم، حتى أنّه يدفع بذلك التصوّر إلى أقصاه متسائلا لماذا لا توجد جمعيات خيرية إسلامية؟ وما إذا كان ذلك يفسّر بأنّ المسلمين أنفسهم منفصلون عن بعضهم غاية الانفصال؟ هذا بطبيعة الحال قبل أن تنتشر تلك الجمعيات في عصرنا في شتّى البلدان، مما اضطرّ دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأمر بإغلاق بعضها، متّهمة إياها بكونها تمثّل غطاء للإرهاب.

ويقدم غوتيه صورة للعرب تنضح بالأحكام الجاهزة، فهم قوم انفعاليّون عاطفيون متقلّبون متطرّفون، وعندما يبحث عن تفسير لذلك فإنّه يجده في الجغرافيا، أي في بيئتهم الصحراوية القاحلة ومناخهم المتقلّب، فاليوم الحارّ القائظ يتبعه ليل بارد، والجفاف الممتدّ لسنوات يتبعه سيل عارم، فتفيض الوديان وتجرف الخيام المنصوبة هنا وهناك، وما ينبغي الحذر منه في الصحراء، ويا للمفارقة، هو الموت غرقا، وتطرّف العرب يتجلّى حتى في مأكلهم فهم يخلطون الحليب بالفلفل، الحلو بالحارّ، كما في رمضان، وألبستهم تمرّ من النقيض إلى النقيض، فمن لبس السواد أو البياض طيلة شهور، إلى لبس الألوان الصارخة المتنوّعة وغير المتناسقة في الأفراح والأعياد.

وفي علاقة بذلك يتساءل ما إذا كانوا قادرين عند الاصطدام بحضارة أخرى على التطوّر، مشكّكا في ذلك، فهم يمكن إن يأخذوا ببعض مظاهر الحضارة الغربية، ولكنهم سيقولون إنّ ذلك يتناسب مع الإسلام وأحكام القرآن، وهكذا فإنّ الروح الانفصالية ستظلّ متأصّلة فيهم، بل إنّ بعض المتأثّرين منهم بالحضارة الغربية يلبسون البذلة الإفرنجية ويحتفظون في الوقت نفسه بالشاشية والطربوش، دلالة على هوية انفصالية.

لقد كان ليون غوتييه مدرّسا للفلسفة في جامعة الجزائر في بداية القرن الماضي، وقد عبّر عن تلك الأطروحات في زمن كانت فيه الآلة العسكرية الفرنسية تحصد ضحاياها، وبالتالي فإنّ أطروحاته العنصرية لا يمكن فصلها عن النزعة الكولينيالية، فخطابه يفصح عن ذاته كخطاب حربيّ، تنعدم فيه الأمانة العلمية، وتتمّ فيه التضحية بالموضوعية على عتبة الإيمانية المسيحية دينيا، والامبريالية الغربية سياسيا واقتصاديا، وهذا الاتجاه في فهم الفلسفة العربية والعرب عامّة، يجد امتداداته لدى باحثين آخرين مثل ليفي بروفنسال الذي سحب تلك الأحكام على البربر أيضا فـ: “البربر شأنهم شأن جميع الشعوب التي ليست على حظّ كبير من التطوّر… نفوسهم جبلت على التطلّع البرّيّ مع قسوة جارفة “. الإسلام في المغرب والأندلس، القاهرة، دون تاريخ، دار نهضة الإسلام، ص267، كما نجد صدى ذلك في ما قامت به بعض مخابر البحث الفرنسية في الجزائر المتخصصة في علم النفس من تطوير فكرة عدوانية “الجزائريّ” و”العربي” و”الشمال إفريقي” و”البربري”، طالما أنّ هاته التسميات على اختلافها تحيل على الضحية المطلوب تطويعها استعماريا، وهو ما يكشف عنه فرانز فانون في كتابه : معذبو الأرض، فقد روّج هؤلاء صورة الجزائريّ المتوحّش، فهو حتى عندما تخرّ ضحيته تحت ضرباته القاسية فإنّه يستمرّ في طعنها رغم مفارقتها الحياة، إنّه محتاج إلى الإحساس بحرارة دمها، بل إلى الاستحمام فيه، لقد غدت صورة “الشمال إفريقي” لدى هؤلاء مقترنة بغريزة الإجرام، تلك الصورة النمطية التي يكثّفها فانون على لسان هؤلاء فيما يلي : ” أهل شمال إفريقيا مجرمون بالفطرة، فغريزة الانقضاض على الفرائس معروفة فيهم وميلهم القويّ إلى العدوان واضح تراه العين، أهل شمال إفريقيا يحبّون التطرّف لذلك لا تستطيع يوما أن تثق بهم ثقة كاملة، ترى أحدهم صديقك اليوم فإذا هو عدوّك غدا، إنهم لا يدركون الفروق الطفيفة، فالروح الديكارتية غريبة عنهم غرابة أساسية… أهل شمال إفريقيا أناس عنيفون بالوراثة”. فانون، معذبو الأرض، ص 213. وبخفّة لافتة حاول هؤلاء العنصريون إضفاء طابع علميّ على أطروحاتهم مؤكّدين أنّ الأمر يتعلّق بأسباب بيولوجية، فالدماغ لدى “الشمال افريقيين” ينقصه التطور لذلك تسيطر عليهم الغرائز.

وبإمكاننا بيسر تبيّن الروابط المتينة بين ما ذكرناه هنا وبين ما يرد في كتابات مستشرقين كثيرين آخرين مثل ارنست رينان، ممّا يعني أنّ هناك اتّجاها عامّا في الاستشراق يقوم على مثل تلك الأحكام الجاهزة التي عبر عنها ليون غوتييه والمدرسة النفسية الفرنسية في الجزائر، فنحن إزاء لوحة قاتمة، فالاستعمار ليس فقط احتلال أرض، بل تزوير وقلب للوقائع أيضا.

وسواء تعلّق الأمر بقراءة هؤلاء للفلسفة العربية أو بنظرتهم إلى العرب والشرق عامة، فإنّ ما يطغى على خطاباتهم هو النظرة الاختزالية، بل العنصرية، حيث تترى الأحكام الإيديولوجية الزائفة، فقد نظروا إلى الشرق كما لو كان جوهرا سرمديا، وقالبا واحدا متناغما ساكنا، إنّه كيان غرائبيّ عجائبيّ ملغز وغامض يثير الفضول أكثر من أيّ شيء آخر، ومن ثمّة صراعه الدائم مع غيره من الكيانات على قاعدة النفي والإقصاء والاستبعاد.

إنّ ما حاولنا الوقوف عليه حتى اللحظة هو تحديدا الاستشراق في جانبه الكولونيالي، المشحون بمطلب الهيمنة والمسكون بالشعور بالتعالي، أي إنّ حديثنا اتّجه ناحية ما هو سائد في خطابات المستشرقين، وبالتالي فإنّ ذلك الحديث أبعد ما يكون عن النظر إلى الاستشراق في كليته، فبرأينا هناك “استشراقات” لا استشراق واحد، ممّا يستدعي منا تدقيقا وتنسيبا للأمور، وبالتالي تنبيها إلى أنّ هناك من المستشرقين من يقف في الصفّ المقابل لغوتييه ومونك وغيرهما، وعلى سبيل المثال فإنّنا نجد لدى موريس بويج اعترافا بمكانة ابن رشد فهو برأيه “يحتلّ موقعا مهمّا في تاريخ فلسفة العصر الوسيط العربية واليهودية واللاتينية” notes sur les philosophes arabes connus des latins au moyen âge . inventaire des textes arabes d’Averroès :imprimerie catholique . Beyrouth1922.p
أمّا لويس غارديه، فإنّه دعا إلى الكفّ عن التعامل مع ابن رشد باعتباره شارحا فقط دون أيّ إبداع يذكر l’originalité d’ibn Rochd in : مؤتمر ابن رشد، الجزائر 1983، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ص 370.

كما نجد في كتابات بعضهم حول الفارابي مثلا، اعترافا بتميّزه عن أرسطو حيث نقف على تلك الفرادة على مستوى طرح المشكلة الأنطولوجية، وهو ما يراه Dauory الذي أرجع تلقيب الفارابي بالمعلم الثاني لا إلى تجديده للأرسطية، وإنما لتأسيسه الفلسفة على قاعدة جديدة فهو “من تمكّن لأوّل مرّة في تاريخ الفلسفة من التمييز بين الماهية والوجود… فهذا التمييز ينتمي لدى أرسطو إلى المجال المنطقي، أمّا الفارابي فقد نقله إلى مجال الميتافيزيقا ” R.Dauory: Alfarabi fondateur de la philosophie islamique.in:
أبو نصر الفارابي في الذكرى الألفية لوفاته، تصدير إبراهيم مدكور، القاهرة 1983، الهيئة المصرية العامة للكتاب،، ص 348.

كما نظر جون جوليفييه إلى فلسفة الفارابي باعتبارها تفصل بين الدين والفلسفة Jean Jolivet ,l’intellect selon Alfarabi : Quelques remarques in : Philosophie médiévale arabe et latine .J.Vrin. Paris1995. p219
بالإضافة إلى هذا، فإنّنا نقف على تنوّع في أعمال المستشرقين حول الموضوع الواحد، يصل أحيانا حدّ التضارب، فقد ترجم ارفين روزنتال تلخيص ابن رشد لجمهورية أفلاطون متأثرا بأطروحة الوصل بين الفلسفة والشريعة، بينما أنجز ليرنر ترجمته متأثّرا بأطروحة الفصل بينهما.

وما نبتغيه هنا ونحن نستعرض تلك المواقف، ليس الإشادة بما كان منها تمجيديا تجاه الموروث العربي، والحطّ من شأن ما كان منها تحقيريا، بل التنبيه إلى وجوب قراءة الاستشراق في تاريخيته ونسبيته وفي علاقة بالإشكاليات التي يطرحها، و تبيّن ما إذا كان من الممكن الإفادة منه في هذا الحقل أو ذاك من حقول المعرفة، والتحرّر من الأسلوب الرائج في التعامل معه، والذي يتجلّى في خطابات إطلاقية مطمئنة إلى ما تروّجه، فلا تفعل أكثر من دغدغة العواطف، مصوّرة الاستشراق على أنه شرّ البلية، ومؤامرة كبرى على”أمّة الإسلام”، متجاهلة أنّ الانكسارات الداخلية في الاقتصاد والسياسة والفكر تمثل أفضل مدخل للهيمنة ومنها هيمنة المعرفة. وفي علاقة بذلك ترتسم أمامنا ملامح المهمّة التي تقضي بالمرور من ردّ الفعل إلى الفعل، بما يعنيه ذلك من تعميق دراسة الموروث العربي واستنطاقه في علاقة بالإشكاليات المطروحة في عصرنا، والقطع ابستيمولوجيا مع أسلوب الرواية والسرد في التعامل معه.

إنّ النظرة التي تعلي من شأن الموروث وترفض كلّ نقد عقلانيّ لأسسه ومرتكزاته المقدّسة بشكل خاص، تذكّر بتلك الحكاية التي يوردها ايميل حبيبي في المتشائل، حكاية الفلاح المهووس بغيرته على زوجته، فكان يحرث الحقل وهي في صندوق فوق رأسه، فعجب الأمير لحاله فأمر بفتح الصندوق فوجد المرأة بداخله وبجانبها صديقها.

وهكذا فإنّ مواجهة الاستشراق بالشتائم والاتهامات، واستثارة ردود الفعل الإيمانية ضدّه باعتباره هجوما صليبيا على “ديننا الحنيف”، لا تقوى على الصمود، فالمستشرقون ليسوا مسلمين، وبالتالي لا معنى لمطالبتهم بأن يؤمنوا بما يؤمن به المسلم، كما أنّ النقد الذي وجّهوه إلى الإسلام والمسلمين ليس وحيد زمانه، فمن ينظر إلى الموروث العربي يتنبّه بيسر إلى أنّ نقد الدين ضارب بجذوره ضمن الموروث العربي نفسه، بل إنّ النزعة الإلحادية لا يخلو منها مصر ولا زمان، وكما يقول حكيم المعرّة في رسالة الغفران فإنّ “الإلحاد لم يزل في بني آدم على مرّ الدهور، ولا ملّة إلا ولها قوم ملحدون، يتظاهرون لأصحاب شرعهم أنهم مؤالفون، وهم فيما بطن مخالفون “.

وتلك النزعة السلفية الماضوية في التعامل مع الموروث، تعضدها النزعة الاستلابية التي تبدو ظاهريا في موقع التقابل معها، وهي التي تنكّر القيّمون عليها لهموم أوطانهم وشعوبهم، وظلّوا يمارسون دورهم كحرّاس لثقافة المركز الكولونيالي، فهؤلاء يصحّ عليهم ما كتبه سارتر قبل عقود في تقديمه لكتاب فرانز فانون معذبو الأرض، إنهم “أكاذيب حيّة تسعى… لا يملكون ما يقولونه لإخوتهم لأنهم لا يزيدون على أن يردّدوا ما يسمعون “.

وبالعودة إلى الفلسفة العربية، غنيّ عن البيان أننا لا نروم في هذا المقام الدفاع عنها، وإبراز تهافت الأطروحات الاستشراقية إزاءها، فأصالة الفلسفة العربية كامنة في المفاهيم التي نحتتها، والنظريات التي أنتجتها، وفي الانغراس في بيئتها، ومن علامات ذلك ردود الفعل العنيفة التي استثارتها، ويعبّر تكفير الغزالي وابن تيمية وغيرهما لهؤلاء الفلاسفة دليلا على ذلك، إضافة إلى ما كان لهذه الفلسفة من إشعاع عالمي تدلّل عليه الترجمات والردود في لغات أخرى كالعبرية واللاتينية، وإذا كان البعض قد أصيب بعسر هضمها فذاك ليس دليلا على فسادها وتهافتها.

ولكن لنعد إلى موضوع حديثنا، فقد استنتجنا أن هناك “استشراقات” لا استشراقا واحدا، وإذا كانت الفلاسفة لا ينبتون من الأرض كالفطر كما يقول كارل ماركس فإنّ المستشرقين لا يشذّون عن ذلك.

لقد تدخّلت في قراءاتهم للفلسفة العربية الإيديولوجيات السائدة في زمانهم، وخاصة الصراع بين الليبرالية والاشتراكية والإيمانية اللاهوتية والإلحاد، وهذا يقودنا إلى القول إنّ الاستشراق ليس فقط مجالا لما هو علميّ، وإنّما للإيديولوجي والسياسي أيضا، وبالتالي يجب التساؤل عن الحدّ الفاصل بين الإيديولوجي والسياسيّ من جانب، والعلميّ من جانب آخر، وما إذا كان الفصل بين الجانبين ممكنا؟ أي الإجابة عن سؤال : متى ينتهي الإيديولوجي ويبدأ العلميّ فيما كتبه المستشرقون؟

وتنسيبنا هذا لا يجب أن يحجب عنا ما هو رئيسي في ظاهرة الاستشراق، فقد عبّرت عن مجتمع متفوّق اقتصاديا وتقنيا ينشد التوسّع، فالأمر يتعلّق بجدل الغالب والمغلوب بالمعنى الخلدونيّ، كما كانت ولا تزال انعكاسا لما يعتمل في صميم ذلك المجتمع من تناقضات طبقية. وعلى قاعدة الاستشراق نمت رؤى سياسية واستراتيجيات حربية، فهو بالمعنى الاستراتيجيّ استكشاف مبكّر لحصون الأعداء المفترضين.. وكثيرا ما كان خطاب الهيمنة الاستشراقي يخلي المجال أمام كلام المدافع وأزيز الصواريخ والطائرات وارتكاب المذابح وما أشبه اليوم بالبارحة. وحتى نكون منصفين نقول إنّ هذه ليست خصيصة غربية بحتة، فالعرب أنفسهم في زمن قوّتهم اهتموا بدراسة غيرهم من الشعوب لغايات لا تختلف كثيرا عن تلك التي قصدها الاستشراق في لاحق الزمان، وأمام البشرية وقت قد يطول قبل أن تدفن نهائيا نزعات التمركز على الذات المتفشية الآن بين الشعوب والأمم والمذاهب والملل، وعندها ستكون هناك حاجة لكي تكتب صفحات حروبها العسكرية والثقافية السابقة بحثا عن الحقائق والعبر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This