ملاحظات حول القوميّة والإسلاميّة الإيرانيّة

رغم أهمية العرض الموجز، الذي قدمه في الأوان الأخ محمود عبد الله، عن المقاصد الثلاثة في الفكر الإيراني الحديث، إلا أن التوقف عند المقصدين الأخيرين، أي القومية والإسلامية، يبدو ضرورياً لتوضيح مقومات السلطة الحالية في إيران، وآفاق التغيير الممكنة فيها. وفي الواقع شغلت ثورة الملالي، التي بدت مفاجئة في حينها، الكثيرَ من المحللين في الغرب، وانصرفت الجهود إلى تقصي مقدمات هذه الثورة التي اكتسحت الواقع السياسي الإيراني، وما تزال تمسك بزمامه منذ حوالي ثلاثة عقود. وأدى هذا إلى تتبع مسار الإسلام الإيراني من إسلام تقليدي، تحت هيمنة أولي الأمر، إلى إسلام سياسي له مشروعه الخاص في الحكم، ويتحين الفرص المناسبة، بما فيها عثرات المشاريع المنافسة، من أجل استلام السلطة.

يمكننا إرجاع الحركة القومية ونظيرتها الإسلامية في إيران إلى سؤال واحد، هو سؤال الهوية الإيرانية. وهذا السؤال لم يتردد صداه سياسياً وحسب، بل طبع بآثاره الكثير من المؤلفات الفكرية والأدبية منذ نهاية القرن التاسع عشر وصولاً إلى ثورة الخميني. وشأن الكثير من التجارب المتخلفة وجدت النخبة الإيرانية طريقها الأسهل في تعريف الذات كمقلوب للآخر. لقد تمثلت القومية الإيرانية بالنسبة لأغلب دعاتها بثلاث ركائز، هي العرق الآري واللغة الفارسية والديانة الزرادشتية، وهذه الركائز الثلاث تحقق الخصوصية “الهوية القومية” لجهتين، فمن ناحية تدمج إيران بالغرب وفق الأسطورة العرقية، وتميزها عنه باللغة والدين، ومن ناحية أخرى تقتلع إيران من محيطها “المتخلف”، إذ تفترق عنها لغة وعرقاً وديناً. وككل الحركات المشابهة وجدت القومية الإيرانية السلوى في العودة إلى الماضي الإمبراطوري لفارس الزرادشتية، وهنا كان موطن الضعف الفكري للقوميين، وتحديداً عندما أخرجوا الدين الإسلامي من نطاق الهوية الفارسية متجاهلين فعاليته في المجتمع الإيراني.

من جهة أخرى سيكون من التعسف أن نفصل تماماً بين القومية والإسلامية الإيرانيتين، فالفارق بينهما يتجلى في أن الإسلام السياسي الإيراني أجاب على سؤال الهوية بأن عدّل في الركائز الثلاث السابقة، فوضع الإسلام الشيعي الإيراني مكان الديانة الزرادشتية، وبهذا تصالح مع الواقع وحافظ على تعريف الذات كمقلوب للآخر العربي، إذ تم الاشتغال على المذهب الشيعي كخصوصية “هوية” إيرانية خالصة. ولعل تجربة الإسلام السياسي الإيراني تعيننا في فهم الالتباس بين الحركات القومية والإسلامية في المنطقة، حيث نشهد على نطاق واسع انحساراً للتيار القومي لحساب التيار الإسلامي، كما نشهد في بعض الأحيان التحاقاً من القوميين بالتيار الإسلامي، فما يحدث في هذه الحالات هو أن الإسلاميين يعيدون تعريف الذات، وبمعنى آخر لا يتم إلغاء جذر فكرة القومية، بل يتحول الإسلام إلى قومية أو يهيمن عليها. المثال المبكر في هذا الصدد هو المثال الباكستاني، فالقومية الباكستانية كمبرر للانفصال عن الهند تجلت في الإسلام “الباكستاني” كمقلوب للهندي . بينما كانت العروبة هي مقلوب الآخر العثماني لناحية العرق، على الضد من الدين الذي يربط العرب بالأتراك. وهذه الأمثلة بمجملها تدلل على أن الفكر السائد في المنطقة بقي أسير مفهوم الدولة الأمة، أي أن العصبية ما تزال المحرك الأقوى للسياسة.

تزامن الدخول القوي للإسلام السياسي في إيران مع تجربة مصدّق، وربما لم تكن عودة مصدّق إلى تولي الوزارة ممكنة ، عقب ما عُرف بانتفاضة تموز 1952، لولا الدعم القوي من أية الله قاشاني الزعيم الإسلامي حينها. ويُسجّل للأخير أنه كان أول من يصدر فتوى دينية سياسية، فقد درجت العادة أن يصدر آيات الله فتاوى تحض على الجهاد في حالات الحرب، أما قاشاني فقد أصدر فتوى بتصفية أحمد قوام، رئيس الحكومة المعين بعد إقالة مصدق من الوزارة الأولى، وفي النص أن تصفية قوام واجب مقدس يقع على عاتق كل مسلم مخلص، والسبب أن الأخير أورد في بيانه الوزاري فقرة تشير إلى المفهوم الليبرالي بفصل الدين عن الدولة. ويبرز الدور الإسلامي أكثر عند سقوط حكومة مصدق الثانية، فبمجرد أن سحب قاشاني دعمه وقعت الحكومة فريسة سهلة للبلاط والجيش. ومن المعلوم أن الفتوى الدينية في المذهب الشيعي لها قوة الإلزام بالنسبة لأتباع المرجعية، أي إن المؤسسة الشيعية قادرة على السيطرة أكثر من نظيرتها السنية.

بعد تصفية مصدق، وانشغال الشاه وحلفائه الأمريكيين بمحاربة حزب توده الشيوعي، أصبحت الساحة مهيأة أكثر للتيار الإسلامي، وقد أحسن آيات الله الاستفادة من درس مصدق، فقاموا بعد الانقضاض على الحكم بتصفية حلفاء الأمس من المعارضين، ومنهم المعارضة القومية التقليدية. لكن الإسلام وحده لم يكن كافياً للحفاظ على السلطة، لذا أخذت سلطة الملالي تكثر من الخطاب الذي يماهي الإسلام بالقومية، مستفيدة من الحصار الغربي عليها ومن الحرب التي خاضتها مع العراق، كما أن الكثير من القوميين السابقين تخلوا عن علمانيتهم وليبراليتهم لصالح الاندماج في “القومية الجديدة”. وعلى سبيل المثال نكاد لا نميز الإسلامي من القومي ونحن نقرأ مقالة وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي، المنشورة في اللوموند بتاريخ 25/10/2007، ، يصف متكي العلاقات الإيرانية الفرنسية بأنها مشحونة “إلى حد تزويد طاغية، يدعى صدام حسين، بالسلاح الوفير، بغية استهداف الشعب الإيراني الآمن في مدنه، وتدمير جزء من التراث التاريخي العظيم لبلد بمثل عراقة فارس” .يبقى أن ننوه إلى أن متكي عنون مقالته بـ”كيف يمكن للمرء أن يكون فارسيا”ً.

تحاول السلطة الحالية استغلال كل ما يتاح لها من أجل تعزيز الشعور بهوية مغايرة للآخر، وينسحب هذا على أدق التفاصيل، فمثلاً تورد شهلا حائري في كتابها “المتعة- الزواج المؤقت عند الشيعة” الطريقة التي يروّج بها آيات الله لزواج المتعة، فهم يعدّونه بديلاً شرعياً للدعارة الموجودة في الغرب، مع المحافظة على فصل الجنسين وفق التصور الإسلامي، “طبعاً تشمل الدعارة وفق هذا التصور الجنس بأجر والعلاقات الجنسية الحرة” ومن ناحية أخرى تم الترويج لهذا الزواج على أنه نوع من تكليف ديني يخص الشيعة، وقد ازداد التركيز على ذلك لحل أزمة أرامل مئات آلاف الجنود الذين قتلوا في الحرب العراقية الإيرانية، ويأخذ التكليف قوته من أن زواج المتعة توقف عند السنة بقرار من عمر بن الخطاب.

بالطبع لا تكفي الأيديولوجيا للإمساك بمقاليد الأمور، ففي بلد ريعي نفطي، كإيران، سيكون من شأن السلطة أن تؤثر تأثيراً حاسماً في توزيع الثروة، وقد وجد القادة الدينيون ضالتهم في تجار البازار الصغار أيام الشاه، وأولئك لم يكونوا معنيين بالعلاقة مع الخارج بقدر ما يكنون العداء للآخر. وبعد ثورة الخميني تأسست رأسمالية دولة إسلامية، وهذه لا تقتضي الانفتاح على الآخر، إلا عبر قنوات الاحتكار الداخلية، أي السلطة نفسها كما نجد في التجارب المشابهة. ومع هذا يُسجّل للتجربة الإيرانية أنها أقرب إلى التوتاليتارية من ديكتاتورية صدام مثلاً، إذ نرى ما دون ولاية الفقيه مأسسة للنظام تعيد توزيع النفوذ والثروة على شريحة أكبر من المستفيدين، وعلى سبيل المثال لا يمكن النظر إلى الحرس الثوري كجيش عقائدي فقط، من دون الأخذ في الاعتبار الدور الاقتصادي الهائل له، على صعيد الصناعات العسكرية أو على صعيد سيطرته على جزء من الاحتكارات المدنية، ” وهكذا يمكن فهم العقوبات الأمريكية الأخيرة بحقّ الحرس الثوري.” وعلى العموم فإن شريحة المستفيدين من الريع النفطي أكبر بكثير، إذا قورنت بمثيلتها في عهد الشاه، كما أن المواجهة المستمرة مع الغرب، منذ بداية الثورة، أكسبت النخبة الحاكمة خبرات في الالتفاف على عزلتها الدولية على الصعيد الإجرائي، وفي الوقت نفسه استثمار هذه العزلة في تغذية مشاعر الكراهية في الداخل.

أخيراً لعل الافتراق الأخطر للمسألة الإسلامية عن القومية بشكلها العلماني هو في تجذر المسألة الدينية، وكما رأينا فإن الإسلام الشيعي يقدّم المثال الأكثر تماسكاً على الإسلام السياسي، حيث تأخذ الفتاوى قوة التكليف الشرعي، لذا تبدو آفاق التغيير في إيران باهضة الثمن، خاصة عندما يتبدى الاستعداد “الاستشهادي” على أنه من طبيعة الحياة.

* عن دور الإسلام الإيراني منذ تجربة مصدق يمكن الرجوع إلى كتاب “جذور الثورة الإسلامية – عهد مصدق” تأليف: سبهر ذبيح

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق