ملاحظات حول الموقف العربي من المحكمة الجنائية الدولية ( 2/2)

{مأساة دارفور: حلّها أبعد من قرار أوكامبو وخطابات البشير الأخيرة.}

في 24 يوليو الماضي نشر الموقع الإلكتروني لقناة العربية تقريرا تضمن نتائج استفتاء أجراه الموقع حول انطباعات رواده تجاه مذكرة توقيف المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مارى أوكامبو بحق الرئيس السوداني، عمر البشير، لتورطه بارتكاب ثلاث من الجرائم الأشد خطورة على صعيد القانون الجنائي الدولي.

جاء عنوان التقرير الذي نشر غريبا بالفعل، حيث حمل في صياغته ما يمكن أن يحيل إلى نتيجة معاكسة تماما لآراء رواد الموقع (والقناة ذاتها)، فجاءت صياغته كالتالي: أن المشاركين في الاستفتاء “يشككون بجدية الملاحقة الدولية للرئيس البشير”.

المفهوم من هذا العنوان ببساطة أن هناك تحركا ما ضد الرئيس السوداني، وأن رواد الموقع يشككون في جدية هذا التحرك، وهو بالطبع أمر بعيد كل البعد عن المغزى المقصود والمباشر لنتائج الاستفتاء الذي أبدى تشككا واضحا حيال مغزى ودوافع قرار المدعى العام لهذه المحكمة.

على سبيل المثال، وفي تعليق القراء على هذا التقرير- وجه شخص يدعى “فتح العليم الحاج” تساءلا لمن أيد رأي المحكمة الجنائية التي أعتبرها “أمريكية” مفاده “لماذا لم يطلبوا تطبيق هذا المبدأ على الصهاينة الأمريكان واليهود بفلسطين ؟”، وحسب شخص آخر اكتفي بتعريف نفسه على أنه “عاشق الشمال” فإن ” الرئيس عمر البشير حاكم دولة عربية قبل كل شي ومسلم”.

تكررت هذه التعليقات وغيرها على حوالي 10 موضوعات أخرى تناول فيها موقع العربية تفاصيل خبرية عن قرار المدعى العام، وتتشابه هذه التعليقات إلى حد كبير مع الصفحة التي خصصت في الموقع العربي لهيئة الإذاعة البريطانية “شارك برأيك” حول نفس الموضوع، إضافة إلى آراء رواد موقع قناة “الجزيرة” بالطبع الذي كان صريحا مع نفسه لأبعد الحدود فاكتفى في اغلب الأحيان بعرض رأي شريحة محددة من القراء فارضا فيتو على الآراء المناوئة (التي يمكن استنتاج أنها مع قرار المدعي العام).

في رصد وتحليل انطباعات رواد المواقع الإلكترونية العربية (ومنها الثلاث سالفة الذكر) فائدة كبرى، فالظاهر والمستتر من أصحاب هذه التعليقات يوضح الاتجاهات العامة للنقاش العربي-دون حاجة إلى “فذلكة” أو رطانة مزعومة للمثقفين.
رواد المواقع الإلكترونية- في أحد التفسيرات- هم الجيل العربي الجديد، الذي يقوم في الغالب بالتظاهرات ويقضى الساعات أمام الفضائيات والمواقع والمنتديات، هؤلاء الرواد هم فاعل حقيقي في النهاية، يساهم بعضهم في حروب الكراهية السياسية والعرقية والقومية والدينية.

{{صدمة الاتهام}}

في المحصلة شبه الأخيرة فإن أي قراءة لتعليقات القراء على موقع العربية (حيث مساحة الحرية النسبية مقارنة بالحظر الذي تمارسه الجزيرة)، ستوضح أننا إزاء تكرار خطوط الانتقادات العربية الكبرى لقرار المحكمة. التي يمكن تلخيصها في عدة عناصر:
الأول: أن السودان دولة عربية إسلامية يراد تفتيتها من قبل القوى الغربية التي خلقت قضية دارفور وفاقمت منها بعد أن استثمرت قواها في إشعال الحرب بين الشمال والجنوب.
الثاني: أن المحكمة تركت مجرمي الحرب الأساسيين (جورج بوش وقادة إسرائيل) وراحت لتلاحق الرئيس السوداني، الذي بات معروفا لدى أوساط عربية بأنه صوت ممانعة ضد النفوذ الغربى.
الثالث: أن المحكمة الجنائية ليس لها أي اختصاص في دارفور، لأن القضاء السوداني هو وحده المنوط بالتحقيق في أي جرائم على أراضيه.
لم تبد هذه التعليقات وغيرها أي اهتمام بما يحدث في الإقليم، وجل ما اهتمت به وتناقلته هو الجملة التي استهل المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية بيان أسباب إيراده للرئيس السوداني في قائمة الأفراد المشتبه في ارتكابهم ثلاث أنواع من الجرائم الأكثر خطورة على صعيد القانون الجنائي الدولي، وهى “أن البشير يسيطر على الجناة ويوجههم”.
نالت هذه العبارة الحظ الأوفر في النقاش العام العربي الذي راوغ –في أغلب الأحيان- من أجل استدعاء أي مفردات للهجوم على قرار الاتهام ومن توهم أنهم يقفون بصورة غير مباشرة وراءه.

النقاش العام –وهو هنا مفهوم أفضل من مفهوم “العقل العربي” -رأى في القرار وقاحة لا سابق لها، فحتى المعارضة العربية -منزوعة الشرعية والمضيق عليها بالسجن والاعتقال والتشويه- لم تجرؤ أبدا على الذهاب بعيدا عن هذه الحدود بأن تصف رأس السلطة الحاكمة في دولة ما بأنه مجرم ومسئول عن بطانته التي لا تجد أي حرج في استخدام التصفية الدموية لمناوئي رأس النظام.

من تابع ردود الفعل القوية — التي أطلقت تأييدا أو اعتراضا أو حتى قلقا حيال قرار المدعى العام–سيجد الدهشة وهى تغلف كل هذه المواقف. فرغم أن العرب شاهدوا في السابق مشهد السفاح الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش أمام محكمة دولية، فضلا عن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين (في محكمة عراقية -أمريكية)، إلا أن هذه هي السابقة التاريخية الفريدة التي يطلب فيها من رئيس عربي أن يمثل أمام محكمة لتستجوبه عن دوره في انتهاكات ارتكبت، وعن حجم مساهمة رجالاته ودركه وعسسه في امتهان كرامة مواطنيه.

ربما علت الدهشة أوجه الجميع، لأن طلب المدعى العام كان يسخر من الفلك الذي تدور فيه السياسة العربية، معظمة ومفخمة من مقام قادتها، كان يسخر من استهلال الخطابات الافتتاحية في مؤتمرات القمة العربية، التي تخاطب قيادات الدول العربية بـ “أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، ملوك ورؤساء وأمراء الدول”.

هذه الدهشة هي التي أفضت في اليوم التالي (15 يوليو) إلى أن يظهر خبر طلب مدعى المحكمة الجنائية القبض على البشير في الصفحات الأولى للجرائد العربية الرئيسية بصياغة فاقدة لأي “تلوين خبرى”. فقد ظهر بصيغة حيادية بشكل كبير (شيء لا تعرفه الصحافة العربية كثيرا)، وهو أمر يمكن إرجاعه إلى نقل الخبر عن طريق وكالات الأنباء الرئيسية (رويترز، آيه أف بي، أسوشيتد برس)، وهى وكالات تتفنن فيما بينها لإضفاء الحيادية على أخبارها. لكن سرعان ما أفاقت وسائل الإعلام العربية وبدأت الأخبار، فقد أشهرت اللجان والتنظيمات العربية الرسمية عضلاتها، فضلا عن تبلور للموقف الرسمي (المتأخر كالعادة) الرافض للقرار.

ورويدا رويدا تشكلت معظم اتجاهات النقاش حول المحكمة وأفرزت تناقضات جديدة لتضاف إلى التناقض الرئيسي الذي حكم علاقة النظم العربية بالمحكمة.

وفي الجزء الأول من هذا المقال استعرضت أول ملامح هذه التناقضات من خلال تغير رؤية العرب الرسمية (وغير الرسمية) تجاه المحكمة من مؤيد ومشجع لها إلى عدو صارخ لها واعتبارها أداة أمريكية ضد الشعوب العربية. ويبقى في هذا الجزء الإشارة إلى تناقضات أخرى أحدثها طلب أوكامبو، منها طبيعة التناقض بين قانونية القرار وتسييسه، وكذلك تناقض تحقيق العدالة وإرساء السلام في دارفور.

تناقض قانونية القرار وتسييسه لا يمكن لشخص بمفرده أن يعد ويحصى عدد الأصوات التي رأت في قرار المدعى العام تسييسا لا شبهة فيه، فمن الناس من قال إن القرار يعبر عن أجندة قوى غربية تريد تفتيت السودان وتمزيقه (رأي اتحاد المحامين العرب مثلا والتيارات القومية)، ومنهم من رأي أن المحكمة تغافلت عمدا عن الانتهاكات التي تمارسها القوى الكبرى مثل القوات الأمريكية في العراق ، والسجل المزري لإسرائيل في جرائم الحرب المستمرة التي جعلت من فلسطين أكثر مناطق العالم عرضة لجرائم الحرب.

هنا ينظر النقاش العربي إلى مركزية فكرة الازدواجية، فالقضاء الدولي يترك العراق وفلسطين ويذهب إلى السودان! يشتبك هذا الرأي مع سجال قانوني شكلي حول شرعية قرار المدعى العام، ذلك لأن السودان غير مصدق على النظام الأساس، ومن ثم فهو غير ملزم بأي قرارات تتخذها هذه المحكمة.

هناك بعض الملاحظات (أو الردود) على اتجاهات النقاش العربي بخصوص طلب القبض على البشير يحتاج المرء إلى ذكرها، ليس نكاية في العروبة والسودان، إنما من أجل البحث عن الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة. فالموافق على طلب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية لا يرغب بالضرورة -وعلى طول الخط- في تفتيت السودان بين شمال وجنوب وغرب وحتى شرق.

وبالنسبة للعراق، الذي يقف عليه رهان القوى التي تعارض قرار المدعى العام، فسنجد أن النظم العربية من محيطها إلى خليجها (بما فيها تلك التي تطلق على نفسها دول الممانعة) لم تكن طرفا على الإطلاق في إماطة اللثام عن الجرائم الأمريكية في العراق سواء قبل الغزو أو بعده. وللغرابة، فإن أول تحذير أطلق من مغبة الغزو وإمكانية أن يسفر عن جرائم حرب تقع تحت طائلة المحكمة الجنائية جاء من خلال بريطانيا الرسمية، فقد سبق أن نقل النائب العام البريطانى لورد جولد سميث تحذيرا لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك تونى بلير (في 7 مارس 2003) بأن الجدل حول الأساس القانوني للحرب سيجعل من المحكمة الجنائية الدولية في حالة تأهب لفحص أي مزاعم حول جرائم الحرب التي من الممكن أن يرتكبها الجنود البريطانيون.(1)

هناك نقطة أخرى تتعلق بأن العراق قد سبق عرضه بالفعل من خلال مجموعة كبيرة من المراسلات(بلغت 240 مراسلة) إلى المحكمة الجنائية الدولية، بخصوص وقوع جرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة، سواء كانت جريمة الغزو نفسه (باعتبارها جريمة عدوان) أو جرائم ارتكبت بواسطة قوات التحالف (منها على وجه الخصوص بريطانيا وبولندا وأستراليا بوصفها دولا أطراف في المحكمة).

وجاء رد المدعى العام أنه فيما يتعلق بالشق الأول حول جريمة العدوان، فإنه لم يجر تحديد عام للجريمة- حتى هذه اللحظة- في المعاهدة المؤسسة للمحكمة، ومن ثم فهي تخرج عن نطاق المحكمة. أما فيما يتعلق بالانتهاكات الأخرى (استهداف المدنيين بصورة عمدية) فقد أشار المدعى العام إلى أن المعلومات التي توافرت لا تقدم أساسا قانونيا صلبا لقصدية استهداف المدنيين. يمكن الدخول حوله من خلال حملة قانونية رسمية أو غير رسمية.

نقطة أخرى راهن عليها النقاش العربي من أجل إثبات عدم مشروعية طلب اوكامبو، وهى جدال القانونيين العرب في أن السودان ليس طرفا في المحكمة الجنائية الدولية، ومن ثم فلا علاقة له باختصاص المحكمة.

هذا الزعم الذي استندت إليه جامعة الدول العربية لرفضها القرار مغلوط تماما، فقد أشار مثلا بيان الاجتماع الوزاري الطارئ لجامعة الدول العربية المنعقد عقب توجيه المدعي العام تهمه بحق الرئيس السوداني أن هذه التهم “غير مقبولة وتقوض سيادة واستقلال البلاد”، وأن المحاكم السودانية وحدها هي التي تتمتع بسلطة قضائية على مثل تلك القضايا وهي المنوط بها البت فيها. من ناحية أولى فإن النظام السوداني الحاكم يعرف أن مسألة كون الخرطوم طرفا في الاتفاقية من عدمه لا تعنى أي شيء بالنسبة لاختصاص المحكمة، فقد كان السودان طرفا في المناقشات الخاصة بمؤتمر روما الديبلوماسي حول المحكمة الجنائية الدولية، ووقع على النظام الأساسي، وشارك (ربما أكثر من غيره) في توحيد الرؤى العربية حيال المحكمة .

ومن ناحية ثانية فالموقف الجديد للنظام السوداني لقرار المحكمة يطرح تساؤلا عن الأسباب التي جعلت نفس النظام يسمح لمدعى عام المحكمة بأن يزور السودان ويجرى تحقيقاته ويتصل- على مرأى ومسمع من الجميع -بطائفة واسعة من الرسميين السودانيين من قضاة أو ولاة أو وزراء، بمعنى أن نظام الخرطوم كان يعرف بوضوح مهمة المدعى العام ونشاطاته، لكنه كان يظن أنه هذه التحقيقات ستمضى بخير مثلما مضت تحقيقاته الخاصة التي استحدثها لكشف حقيقة ما يجرى في إقليم دارفور.

ثالث هذه النواحي في الرد على الزعم بعدم اختصاص المحكمة الجنائية بما يجرى في دارفور هو أن ملف الجرائم المرتكبة في الإقليم قد أحيل إلى المحكمة عبر مجلس الأمن بموجب القرار 1593 الصادر بتاريخ 31 مارس 2005 للنظر في الجرائم المرتكبة منذ الأول من يوليو عام 2002، وجاء هذا القرار استنادا إلى الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقد وافق السودان على هذا القرار واستضاف تحقيقات المدعى العام، ومن ثم يصبح من العبث في هذه اللحظة القول أن السودان ليس طرفا في المحكمة الجنائية حتى يذعن لنتائج تحقيقاتها.تعديل خبر

النقطة الأخيرة -وهى الأهم من حيث المضمون وليس الشكل- تكمن في أن النظام القضائي الوطني في السودان قد أظهر عدم استعداد أو عدم قدرة على التعامل مع الجرائم المرتكبة في الإقليم، وسبق للجنة التحقيق الدولية لدارفور، المشكلة بقرار مجلس الأمن 1564 بتاريخ سبتمبر 2004 ، أن أشارت في تقريرها المرفوع للأمين العام للأمم المتحدة بالضعف الهيكلي الذي ينخر في جسد القضاء السوداني .

فلا يمكن لأحد الجزم على وجه اليقين بأن القضاء السوداني مستقل بالمعايير التي توفر ضمانات محاكمة عادلة، خصوصا وأن هذا القضاء جرى تخريبه بشكل منظم منذ وصول نظام الإنقاذ إلى سدة الحكم في عام 1989.
وهناك أيضا سبب آخر يتمثل في سذاجة الإجراءات المسرحية التي صممها النظام السوداني من أجل تشكيل أنظمة تحقيق وطنية للجرائم المرتكبة في دارفور والتي لم تكن جميعها سوى رد فعل على الضغوط الخارجية. فمثلا شكل النظام محكمة دارفور الخاصة، التي نظرت إلى قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية على أنها قضايا عادية لا خطورة فيها.

وهناك– إضافة إلى “محكمة دارفور الخاصة”– ما يسمى بلجان التحقيق القومية في جرائم محددة ارتكبت في الإقليم وهناك الوحدة التي شكلها وزير العدل السوداني بخصوص مكافحة الجرائم ضد النساء (فبراير 2006)، وهى آليات لم تقفز للأمام خطوة واحدة من أجل إنفاذ العدالة ووقف مسلسل الجرائم في الإقليم.

تناقض العدالة والسلام

عقب اجتماعه مع البشير يوم 4 أغسطس أدلى جان بينج، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، بتصريحات لافتة من حيث الشعارات التي رفعها لدرجة أنها حظيت بمساحة إعلامية غير مسبوقة لهذا الرجل، خصوصا الجملة التي يصف فيها اتهام المحكمة الجنائية للرئيس السوداني بأنه “صب الزيت على النار”.

وعزا بينج هذه التوصيف إلى أن المحكمة تصر على التعامل “مع أناس لقوا حتفهم” أما الإتحاد الأفريقي فيتعامل مع “أناس لا يزالون على قيد الحياة”، موجها نصيحته للمحكمة “ينبغي ألا تضعوا في الحسبان مشكلة العدالة فقط وإنما مشكلة السلام أيضا”.

هذه الثنائية النقيض(العدالة في مقابل السلام) لم تكن من إنتاج بينج، فالرجل كان ولا يزال ممن ينظرون إلى سدة الحكم على أنها أمر مقدس (أليس هو الرجل الذي خدم بإخلاص منقطع النظير عميد الرؤساء الأفارقة الجابوني عمر بونجو طيلة عمره؟).

في تصريح بينج أكثر من مجرد استعداء الدول الأفريقية على المحكمة (كل القضايا المنظورة أمام المحكمة هي أفريقية، وثلاثة من هذه التحقيقات الأربعة جاءت بطلب من الدول التي جرت الانتهاكات على أراضيها)، فهناك لغز لم يحل حتى الآن وهو التأثير الذي أحدثته قرارات المدعى العالم على عملية السلام في هذه الدول ومنها السودان.

خذ مثلا طريقة تعامل المحكمة الجنائية مع ملف أوغندا وانتهاكات جيش الرب بزعامه القس جوزيف كونى. فبالرغم من أن محادثات السلام بين كونى والرئيس الأوغندي يورى موسيفيني بدأت في عام 2006، إلا أن زعيم التمرد يرفض الجلوس على مائدة مفاوضات من شأنها تحقيق السلام في البلاد المنكوبة، ذلك لأنه يعلم انه في اللحظة التي سيوقع فيها أي اتفاق سيتم شحنه إلى لاهاي، حيث مقر المحكمة الجنائية.

المخاوف الأوغندية تلقى بظلالها على الحالة السودانية، فعلى الرغم من الإشارة الواضحة لعلاقة العدالة بالسلام في قرار مجلس الأمن 1593 (الخاص بتحويل ملف دارفور إلى المحكمة)، والتأكيد على أن تحقيق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب أداة ضرورية لـ” تعزيز الجهود المبذولة لاستعادة السلام الدائم”، إلا أن الأمين العام للمنظمة الأممية نفسه لم يبد اهتماما بموضوع العدالة في الإقليم، مما دفع أوكامبو لشن هجوم قاس على كي مون قبل عامين لتجاهله قضايا العدالة والمحاسبة في تقاريره حول دارفور.

الغرب نفسه منقسم على حاله في هذه الثنائية، فمثلا تتخوف صحيفة الإندبندنت البريطانية (أكثر الدوائر الصحيفة البريطانية اهتماما بدارفور)، من تأثير مذكرة المدعى العام بالقبض على البشير، وذلك لأنها ترى أن “السلام أكثر إلحاحا من العدالة” وهو الرأي الذي عبرت عنه في افتتاحيتها يوم 15 يوليو الماضي.

سارت الصحيفة على النهج الذي اختارته لتغطية أزمة إقليم دارفور، فقالت إنه من الممكن بالطبع إطلاق اسم “إبادة” على ما يحصل في دارفور ومسئولية الحكومة السودانية المتواطئة عن كل ما يحدث، إلا أن السؤال يكمن في الفائدة التي يمكن أن “يجنيها ضحايا…..حرب مرعبة خلت من كل مظاهر الرحمة والشفقة بمقاضاة البشير؟”.

الكارثي كما نبهت الصحيفة في أن مذكرة التوقيف قد تدفع النظام السوداني لتوجيه سيل من الانتقادات إلى من يصفهم بأنهم مضطهدوه في الغرب، وبالتالي يرغم الأمم المتحدة على سحب موظفيها من السودان ويجبر المنظمات الخيرية على تقليص أنشطتها الإنسانية هناك.
في المقابل تراهن منظمة هيومان رايتس ووتش على أن مذكرة التوقيف خطوة في اتجاه إقرار العدالة(2)، مستبعدة أن يكون لها أثر سلبي على التطورات السياسية في السودان، ذلك لأن عملية السلام في دارفور متوقفة منذ فترة طويلة ولأسباب لا صلة لها على الإطلاق بالمحكمة.

{{الهوامش:}}

1- نص الخطاب الموجه من جولد سميث إلى بلير في http://www.globalpolicy.org/security/issues/iraq/document/2003/0307advice.htm
كان من أبرزها دعوى منظمة “العمل الشرعي ضد الحرب” (Legal Action Against War) ضد رئيس الحكومة البريطانية توني بلير وثلاثة من الوزراء في حكومته بتهمة ارتكاب جرائم حرب في العراق. كان لوزير العدل السوداني وقتها ،علي عثمان ياسين إسهام واضح في بلورة رأي عربي موحد تجاه المحكمة من خلال الدورة الرابعة عشرة لاجتماعات وزراء العدل العرب التي كان يرأسها في عام 1999، ولا يظهر من اجتماعات هذه الدورة أنه كان يعارض بأي شكل من الأشكال موضوع حصانة الرؤساء أو إحالة القضايا إلى المحكمة عن طريق مجلس الأمن. والمدهش بالفعل أنه –وقبل الموافقة على معاهدة تأسيس المحكمة الجنائية وفي الأعمال التحضيرية –وقف السودان مع الولايات المتحده واسرائيل في نفس الخندق المنادى بتبعية المحكمة لمجلس الامن.
يحسب لمنظمة العفو الدولية سبقها في الدعوة إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق والمراقبة في الانتهاكات المرتكبة في الإقليم وذلك في بيان لها بتاريخ أبريل 2003.

2- Independent, Peace is more pressing than justice, 16 July,2008 أهمية هذه المنظمة تكمن في أنها كانت أول صوت دولى يخرج ليتهم الرئيس عمر البشير بالمسئولية في أحداث دارفور، ففي ديسمبر 2005 أصدرت تقريرا حمل عنوان “تعزيز حالة الإفلات من العقاب: مسئولية الحكومة السودانية عن الجرائم الدولية في دارفور”، خلصت فيه إلى أن مستويات القيادة العليا في السودان بما فيها الرئيس البشير، مسئولة عن تشكيل وتنسيق سياسة مكافحة التمرد في دارفور التي قامت عمداً وبشكل منهجي باستهداف المدنيين العزل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق