ملاحظات حول النقاش عن العلمانية: إيديولوجيا أم إطار مرجعي؟

متابعةً للنقاش الدائر بصدد العلمانية يمكن المرء أن يطرح عدة ملاحظات، تبدو كإشكاليات تسم المقاربة العلمانية ليس لجهة تحققها الواقعي، وهو ضعيف الاحتمال على المدى المنظور، إنما لجهة انسجامها الفكري الذاتي ومع الخط العريض الذي تندرج العلمنة في إطاره، أي الحداثة.

1-

*) من الممكن القول إن العلمانيين ينقسمون إلى تيارين كبيرين، الأول هو التيار العلمانوي وهؤلاء يجعلون من العلمانية قيمة مركزية لتفكيرهم بحيث يقيسون عليها سائر القيم الأخرى وبشكل أساسي الديمقراطية. و هم في هذا يستندون إلى التعريفات المتداولة للديمقراطية والعلمانية ويسعون إلى الحفاظ على انسجام داخلي على مستوى البنية الفكرية للحداثة كما وصلتنا، والإخلاص لها. ولكنهم بالمقابل ينتهون على صعيد الممارسة إلى نقيضها. عندهم أن الديمقراطية تُشترط بالعلمانية مسبقا وإلا فإن الديمقراطية لا تعود حق الشعب بالسيادة والحكم، وهو ما تعنيه العلمانية بأحد جوانبها عبر إقصائها للمصادر العليا ما فوق البشرية للمشروعية، ولكنهم على المستوى الواقعي ينتهون إلى إلغاء الديمقراطية عبر وضع اشتراطات كثيرة عليها تلغي من معناها، من أجل مواجهة خطر الحركات الإسلامية وقدرتها على الاستيلاء على الدولة من داخل العملية الديمقراطية المتروكة دون حدود، أو أنهم يضطرون إلى تعليق الديمقراطية تماما من أجل العلمانية والانسجام الذاتي والوفاء لنموذج الحداثة.

إن تحويل العلمنة والديمقراطية إلى شعارات سهلة الترديد وذات منسوب تعبوي عالي، يودي في الممارسة السياسية لهذا النموذج إلى نقيضه، فيلغي الديمقراطية بالرغم من إعلانه المستمرة عنها.

هذا هو حال الكثيرين من علمانيينا الذين انتهوا إلى دعم علني أو مضمر لأنظمة قمعية –تستند إلى العلمانية واقعا أو إدعاء- بذريعة الخطر الإسلامي، وبهذا الشكل نرى حركات تسعى إلى الدفاع عن مكتسبات العلمنة في سورية أو تونس وغيرها أو الهجوم على الحركة الإسلامية في الانتخابات كما كان الحال في مصر. وهم بذلك ينضوون في صف الأنظمة، التي تستخدم “بعبع” الحركة الإسلامية كموجه في سياستها، وهي التي لا تبالي بالعلمانية ولا بأية إيديولوجيا أساسا، والأسوأ أن هذه الأنظمة تمثل لشعوبها كل ما هو سيء.

*) التيار الثاني يرى في العلمانية إطارا مرجعيا يلتقي الجميع على أساسه. يقوم هذا الإطار على تسويات وضمانات دستورية للجميع تكفل لهم حقوقهم في التدين والاعتراف بخبرتهم الروحية والدينية وممارستها ، وتردع هواجسهم ومخاوفهم تجاه الآخرين. هذه التسويات سيتم الوصول إليها عبر حوار تجريه الأطراف جميعها .

لا يبدو أن هذا التيار يأبه كثيرا بوضع تعريف ناجز للعلمانية وفرض حدودها والسعي إلى خلق الواقع على أساسه، إنما يتحرك انطلاقا من الواقع وإمكاناته المتاحة. العلمانية تبدو نتاجا لعملية تحول مستمرة وتقوم على توزيع صلاحيات وتسويات متبدلة.

غير أن المشكلة التي تواجهه تكمن –كما هو حال الليبرالية – في نقطة الانطلاق، فهو يجعل من فرضياته المضمرة عن الحوار وإطاره المرجعي ذي المضمون الدنيوي العقلاني بنية تحتية لوعي الجميع، أو يحاول ابتداعها لديهم عبر تصنيفات للآخرين يقدم عليها لوحده دون أن تعكس واقع الآخرين حقيقة.

الفهم الإسلامي الحالي يدمج بين الدين والدنيا ولم يتم حتى الآن الانطلاق من فصل على مستوى مصادر المشروعية في الوعي الإسلامي، وهذا ما يمنع استكشاف مفاهيم متعلقة بالذات وحريتها أو الشعب –الأغلبية- كمصدر للسيادة من داخل الإطار الإسلامي الحالي.

كمثل على هذه القراءة محاولة د.رجاء بن سلامة القول أن العلمانية لا تناقض الإسلام وان كانت تناقض الفقه (مع التغاضي عن الأصولية)، هذه الملاحظة لها معنى واضح داخل الإطار الذي تتحرك فيه د.رجاء والقائم على الفصل بين الإيمان والدولة، والاعتراف بالحرية الشخصية، إطارا يستند على ما حققته التجربة التاريخية الأوربية ولكنه غير ممكن على مستوى الإسلام الحالي.

طبعا هذا لا يعني انه مناقض للإسلام، إنما القول انه فهم يحتاج إلى ثورة من داخل الإسلام وإعادة تأويله بطريقة مغايرة للكيفية التي يُقرأ بها الآن.

إشكالية هذا التيار تتوقف أساسا عند مطلقاته التي يستنسخها دون وجه حق عند الآخرين. بينما الواقع لا يقول هذا، إنما يدل على أطر مرجعية متنافرة لا تنطلق من أدنى حد من القواعد المشتركة، والتي يمكن الحوار على أساس منها.
2-

*) ينطلق التعريف المبدئي للعلمانية من كونها فصلا بين السلطات، الدينية والدنيوية، وبهذا تكون العلمانية حلا لمشكلة تسلط السلطة الدينية على الدولة، وهي (أي السلطة الدينية) تتحدث باسم الدين والقانون الإلهي منتزعة من البشر بذلك قدرتهم على اختيار وتقرير ما يتعلق بشؤونهم وحياتهم الشخصية، فمع القانون الإلهي لا يعود الاختلاف خلافا بالرأي إنما شر وخطيئة تستوجب العقاب.

تحرير الدولة من السلطة الدينية هي المعضلة التي أتت العلمانية كحل لها، لكن بالمقابل لا تبدو هذه المشكلة مطروحة علينا بهذا الشكل، إن كان في سياق التجربة الإسلامية التاريخية حيث مالت الكفة دوما إلى مصلحة السلطة السياسية بمواجهة المؤسسة الدينية (وهي لم تكن ممأسسة إلا مع العهد العثماني وأيضا ليس بشكل تراتبي مستقر )، وإن تمتع الفقهاء بسلطة معنوية كبيرة على الشارع. أما داخل إطار التجربة الحديثة للدول العربية المستقلة أو حتى الدول “الثورية” التي أعقبتها، فالمرجعية استندت على إيديولوجيات حديثة تقوم على سيادة الشعب، إن عبر أطر برلمانية أو أطر ثورية، وليس على مشروعية دينية.

و بالمقابل لم يزد دور الدين وقتها –في الدول الحديثة- عن كونه جزءأ من الميراث الحضاري والوعي الذاتي لهذه الشعوب.

تبدو العلمانية في هذا الحال بحاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين السلطتين الدينية والدنيوية كما تحققت واقعيا في السياق الإسلامي وليس كما تقدمه السردية التاريخية الخاصة بالعلمانية والمستمدة من تجربة تاريخية مغايرة لتجربتنا.

*) وعي هذه المغايرة التي تحكم العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية لدينا، دفع عددا من القراءات لتقديم العلمانية لا على أنها تنطلق من تحرير الدولة من الدين، إنما الحفاظ على الدين من تدخل الدولة وتسييس قضاياه. هذه المقاربة هي بدون شك أكثر واقعية من اعتماد المقاربة الأقدم ولكن عندها تواجهها مشكلة رجال الدين، إن كانوا ضمن المؤسسة الرسمية أو خارجها، فهم لا يبدون رغبة بهذا الفصل ولا الشارع نفسه، الذي يبحث عن اطر للشرعية تقوض مشروعية الأنظمة من ناحية وتحمل في طياتها يوتوبيا خاصة بالشارع.

ما تطلبه هذه المقاربة في النهاية هو إصلاح واقع الإسلام الحالي، إن يكن اصلاحا مؤسساتيا (كما في دعوة ياسين الحاج صالح إلى مأسسة رجال الدين الإسلامي) أو إصلاحا على المستوى اللاهوتي (كما سيفعل جورج طرابيشي أو محمد أركون). في الحالتين تصبح العلمنة بحاجة إلى إصلاح إسلامي كاشتراط أولي لانطلاقها.
3-

في جل النقاشات حول العلمانية تحضر الطائفية في الخلفية منها، وهي تحضر كنقيض للعلمانية صراحة في مقال جورج طرابيشي عن العلمانية كحل للإشكالية الإسلامية –الإسلامية.

يبدو أن هذا التناول للمسألة هو مدخل مناسب تماما، وخاصة بالنسبة للمشرقيين الذين يعانون إشكاليات طائفية قاسية لم تنفع معها خبرة التعايش المشترك والديمقراطيات التوافقية، وهذا ما أثبتته على الأقل الخبرة المكتسبة من لبنان على مر تاريخه.

لكن هذا لا يعني أن هذا المدخل لا تشوبه شائبة ، بل هو على العكس تماما مدخل إشكالي تماما. فتعريف العلمانية بنقيضها المستجد (الطائفية) يعني أننا أصبحنا نتحرك على أرضية مغايرة للمفهوم الأولي للعلمانية وبالتالي فإننا نحتاج إلى إعادة بناء مفهومية للعلمنة ولمكانها من منظومة القيم الأخرى التي نستند عليها.

يبدو هذا جليا في مقال طرابيشي المذكور، فهو يؤكد على الضد من آراء آخرين (من الذين أوردهم حسن حنفي ومحمد عابد الجابري) حاجتنا للعلمنة كحل للإشكالية المذهبية السنية- الشيعية ويسوق الشواهد لهذا، ولكن ما لا يقدمه هو معنى العلمنة في هذه الحال وقد غير اتجاه تصويبها من مسالة الفصل بين السلطات إلى مسألة معالجات الطائفية وهي مسالة لا يبدو أنها تستدعي العلمنة مبدئيا، إنما قد تحيل إلى الوطنية (تكون العلمنة ربما مضمرة فيها) أو إلى اعتبار الطوائف كيانات ثقافية مستقلة وإمكانات أخرى. وهذا ما لم يقاربه طرابيشي وترك العلمانية غير محددة أو كأنها بداهة مفهومة من الجميع.
4-

يبدو أن إشكاليات العلمنة يمكن اشتقاقها من إشكالية الحداثة لدينا، الحداثة التي نراها –على الأغلب- من منظور الوحدة إن على مستوى التأريخ أو على مستوى المفاهيم.

في حالتنا العربية لا يبدو هذا الشيء محققا، العلمانية تبدو عسيرة التعايش مع الديمقراطية، بالمقابل يبدو الإصلاح الإسلامي وقد انقطع عن الحياة بعد محاولات جيل الإصلاحيين، وما يحصل على المستوى الإسلامي الآن يقارب الردة، في حين انتهت عملية توسيع وعلمنة التعليم إلى عكس المرجو والمتوقع منها.

الرؤية المتداولة لدينا عن للحداثة كوعي متكامل علينا انجازه، انطلاقا من مرحلة متخلفة بمعنى أنها تمثل مرحلة سابقة على الحداثة هي المشكل الذي تقف العلمانية عاجزة أمامه. فخبرة القرنيين الأخيرين لم تعد تحيل إلى وعي سابق على الحداثة وبنى تقليدية إنما إلى بنى حديثة مشوهة، والحداثة (وضمنها العلمانية) تحيا واقعا فصاميا على مستوى قيمها كما على مستوى علاقتها بالواقع، الدولة الحديثة انتهت إلى الاستبداد المدعوم بشعبوية تستخدم الخبرة الدينية للجماعة بأشكال حديثة عبر الأحزاب ووسائل الإعلام الجماهيرية والاحتفالات الشعبية،و تقوم حاليا بتطييف مجتمعاتها أو ممارسة قليلا من عمليات التجميل الحداثية والديمقراطية، لإخفاء حكم الأقلية الذي تمارسه.

في هذه الحال لا تبدو مشكلة العلمانية مقتصرة على الصراع ضد قيم تقليدية إنما على الصراع ضد قيم حداثية أخرى، وضد منتجات للحداثة الاجتماعية.

تبقى العلمانية في النهاية هدفا وطموحا يسعى الجميع إليه، ولكنها تبدو بعيدة أكثر وأكثر وخاصة مع عودة الإيديولوجيات الدينية إلى الساحة العالمية وليس حصرا الإسلامية ومع الضعف المتزايد للدولة التي ينصب النقاش بأسره عليها، فلا معنى للحديث عن العلمنة باستمرار هزال الدولة وتوسع قطاعات التعليم غير الرسمي، وظهور انتماءات عابرة للدولة أو دونها وهي تنال شرعية متزايدة أكثر فيما يتعلق بإدارة شؤونها. لكن العلمانية تبقى رهانا على دنيوية حياتنا وحقنا في تقرير مصائرنا عبر اختياراتنا الشخصية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق