مليكة أوفقير في سجنها وغربتها

” كل يومين، كان الحراس يحضرون لنا الخبز في أوعية كرتونية، كنا نفرغها أرضاً من محتوياتها ونبدأ بتفكيك ثناياها. كانت تفيدنا لتدوين القصص التي كنت أرويها. كان هذا الكرتون بأهمية الغذاء وبقيمته بالنسبة لنا. في أحد الأيام، بينما كنت منهمكة كالعادة بتفكيك القطع الكرتونية، لمحت الفتيات وهن على أربع يلحسن فتات الخبز اللاصق بزواياه. منذ تلك اللحظة وضعت قانوناً لهنّ يقضي بتخصيص يوم لكل واحدة منهنّ لفعل ذلك بانتظار أن يأتي دور الأخرى في يوم آخر، وهكذا دواليك، بدلاً من أن يتقاتلن كالكلاب المهتاجة. لم نعرف أثناء احتجازنا في ” بير جديد ” ماذا يعني البيض الطبيعيّ. كانت القشرة الخارجية خضراء اللون، وفي داخلها سائل أسود اللون تنبعث منه رائحة كريهة تشمئّز منها النفس. كنت أضعها في وعاء بعد أن أكسرها، وأتركها طوال الليل لتهوئتها، وفي الصباح كنت أخفقها مع قليل من السكر. أغمس قطع الخبز في المزيج ثم أقليها بالزيت. وتصبح جاهزة للتوزيع، ما أن تزول الرائحة حتى تعمّ البهجة والسرور من زنزانة إلى أخرى. مزجها بالخبز أضاع طعمها الرديء إلى حدّ مّا. وأصبح بإمكاننا ازدرادها كي نسدّ بها جوعنا.

بتنا خبراء في فن التوفير والتدبير. لم نأنف من التهام الخبز المبلّل ببول الفئران وقذاراتها. كانت تجوب الزنزانة من زاوية لأخرى طوال الليل. وكأن ميمي ما زالت ماثلة أمام عيني وهي جالسة في سريرها تنظّف قطعة الخبز بأطراف أصابعها من بعر الفأرة الأسود ثم تضعها في فمها. كلّ ما لدينا من خبز كان دائماً ممهوراً بقرض الفئران “.

صاحبة هذه الكلمات هي السجينة السابقة مليكة أوفقير ابنة الجنرال المغربي ” محمد أوفقير ” صاحب الانقلاب الفاشل على عرش الملك الحسن الثاني سنة 1972 …بعد كلّ هذه الظروف الصعبة والقاسية خرجت مليكة أوفقير إلى الحرية، بعد عشرين عاماً من السجن لم تكن مواجهة هذه الحرية بعد الانقطاع بالأمر السهل. ليس من السهل أن تعيش في عمر الأربعين مع من هم في سنك وكأنك عشت مثلهم, فيما قضيت عشرين عاماً منها في السجن. لكن مليكة أوفقير أو ” كيكا ” بالنسبة لمن يحبونها استطاعت أن تتخلص من ذلك الشعور وعرفت كيف تتأقلم مع الواقع والحرية بعد سجنها وكانت الكتابة سبيلها إلى ذلك إلى حدّ كبير وجاءت الحصيلة إلى الآن ضمن كتابين هما ( السجينة ) و(الغريبة ).

عشرون عاماً في السجن! لكن رغم ركود السجن ورتابته كتبت مليكة كتاباً مثيراً للغاية هو ( السجينة) الكتاب الذي هزّ كل من قرأه، وحمل إليها تضامنا غير عاديّ. وترجمته غادة موسى الحسيني إلى العربية عام 2003 – وصدر عن دار الجديد – بيروت.

نكتشف أن سجينة العشرين عاماً هي نفسها التي انتقلت وهي في الخامسة من عمرها إلى قصر الملك المغربي الراحل الحسن الثاني في الستينات من القرن الماضي وقضّت أحد عشر عاماً أسيرة الترف الملكي وغرابة الطقوس حيث الأجواء الخيالية التي توفر كل شيء ولكن من خلف أسوار القصر وكأنها كانت تعيش في بلاد العجائب.

لكن بين ليلة وضحاها انقلب كل شيء على ” مليكة ” الابنة البكر للجنرال ” محمد أوفقير ” عندما قام والدها بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي أراد من ورائها قتل الملك الحسن أي والدها بالتبنّي، ومنذ تلك اللحظة بدأت مسيرة العذاب والمعاناة والسجن حيث أصبحت مليكة وجهاً لوجه أمام الملك الذي تحوّل إلى جلاد قاسٍ لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه وهي التي كانت يوماً ما أثيرته ومدللته وصديقة ابنته الحقيقية ” أمينة “. تسرد مليكة بدقة أحوال وظروف إقامتها في قصر الملك وهي تتحدث عن تلك الفترة التي تعتبرها نوعاً من السجن لأنها كانت إحدى رغبات الملك الواجب تنفيذها دون أي اعتراض حتى من والديها. تدوّن كلّ ذلك الكاتبة الفرنسية ” ميشيل فيتوسي ” التي جمعها بمليكة أوفقير احتفال عيد النوروز الإيراني عند أحد الأصدقاء وذلك في أحد ليالي آذار 1997 وتطورت بينهما العلاقة إلى درجة الصداقة واستطاعت ميشيل أن تحصل على ثقة مليكة الكاملة وبدأتا معاً مشروعهما في كتابة سيرة فتحت مليكة خلالها قلبها وعقلها وواظبت ميشيل بدورها على الاستماع وتسجيل أحاديثها وتدوين ما تقوله وإعادة صياغته في كتاب حمل عنوان ” السجينة ” كان أقرب ما يكون إلى أدب السيرة. يتألف الكتاب من 365 صفحة من القطع الكبير وهو شهادة مؤثرة مؤلمة تحكي عن الوجه الآخر للحياة في شكلها المحتوي على الكثير من التناقض والغرابة التي تصل حدّ الانفصام حيث الإذلال والإهانة والظروف الصعبة التي تجعل الموت مطلباً يحمل الرحمة والخلاص من هذا الواقع القاسي والبشع إلى الدرجة التي يصعب معها الفصل بين الحقيقة والخيال.

” ميشيل فيتوسي ” لا تخفي انحيازها وتعاطفها خلال سرد حكاية مليكة وعائلتها ويمكننا أن نتلمس انشغالها في الكتابة بطرائق وصياغات رشيقة ومميزة بحرفية عالية تجعل الكلمات تتلاحم فيما بينها ناقلة مفردات مليكة بدقة وصدق بالكثير من التعاطف الإنساني مع حكاية اعتقالها الطويل وخمسة من أشقائها على مدار عشرين سنة من السجن في واحد من أقسى السجون مع أخٍ لم يبلغ الثالثة من العمر ” عبد اللطيف ” عند الاعتقال وكان من الواضح أن الملك كان يرغب بالتخلص من عائلة أوفقير بكاملها … الملك الذي حاول أوفقير قتله في16 آب 1972 لكن المحاولة فشلت وأعدم الجنرال محمد أوفقير مباشرة بخمس رصاصات اخترقت جسده. وبعد الحداد الرسمي، تمّ إرسال عائلة أوفقير ” فاطمة شنا زوجة الجنرال وأطفالها الستة ومنهم مليكة البكر التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها” إلى أعماق الصحراء ليقبعوا هناك في سجون فظيعة. بعد محاولة الانقلاب واجهت مليكة مأزقاً مؤلماً، فوالدها البيولوجي حاول قتل والدها بالتبني، وهذا الأخير قتل الأول، وأرسل وهو في تلك الحالة من الهياج مليكة لتقبع في السجن مع عائلتها.

كانت مليكة تحب هذين الرجلين بشغف،لا يمكنها أن تختار بينهما ولا أن تكرههما على الرغم من كل ما ألمّ بها. وكلما فكرت بما فعله الملك بها وبعائلتها طيلة سنوات الحبس الطويلة تلك أقسمت على عدم الوثوق بأحد. وكان يبدو لها أنها تخون ذويها لو حملت في داخلها أية مشاعر مودة تجاه الملك في حين لا يرى فيه أهلها سوى جلاد.

تتحسر مليكة على الرجل الذي رعاها، والقدر الفريد لمليكة يرفعها رغماً عنها إلى مصاف أبطال التراجيديا القديمة… المؤامرة، الخيانة، الموت العنيف، الانتقام, القسوة: كل هذه الأحداث الطارئة التي تبدو وكأنها من زمن آخر صاغت صيرورة حياتها.

ما يشدّنا في ” السجينة ” وفي شهادة ( أوفقير – فيتوسي)هو ذلك الانتقام الرهيب والموثّق الذي نالته عائلة أوفقير ثم ّعملية الهروب من الأسر التي نفذتها مليكة بكل قهرها وشجاعتها وبمساعدة إخوتها ووالدتها التي لعبت دورا محرّضاً وفعالاً من ذلك الاعتقال الواقع في أكثر الأماكن قسوة بل الأكثر حصانة وحراسة، بأيدٍ طرية ونفوسٍ منهكةٍ وأجسادٍ محطمةٍ استطاعوا جميعاً شقّ نفق طويل تحت الأرض للهروب والخروج إلى الشمس والحرية.

معاناة صعبة وطويلة عاشتها عائلة أوفقير ضمن أنفاق تجوس فيها الأفاعي والجراذين وما يرافق ذلك من المضايقات والمنغّصات الأخرى من سجاّنين وحرّاس غلاظ … إنّها عشرون عاماً من السجن, عشرون عاماً من الانتقام، عملية تصفية بطيئة بالكامل قلما تنجو منه الأرواح ماعدا روح مليكة الشجاعة التي تثبت أنها قوية إلى ما لا نهاية.

وقصة عشق الشاب الفرنسي لها بعد حصولها على حريتها وعشقها لـ ” أريك ” أعادت لها بهجة الحياة، محوّلة ظلمتها إلى نور ومنقذة إياها من الهلاك بعد أن حسبت حياتها رفاتاً تناثر في عتمة السجن. كانت عملية الهروب خاتمة لما عاشته عائلة أوفقير من كوابيس وبركات الحب كانت بداية لحياة جديدة وخاتمة أيضا لأمراض روح مليكة التي عادت معافاة حين عقد قرانها و” أريك بودروي ” في العاشر من شهر تشرين الأول 1998 داخل مبنى الدائرة الثالثة عشرة في مدينة باريس التي تنتمي إليها مليكة ثقافة ولغة وتفكير وبذلك يتعايش في داخلها الشرق والغرب بسلام.

هي مليكة أوفقير ذاتها ربيبة القصور التي لم تكفّ يوماً عن حب والدتها والتغنّي بجمالها والتي تتحدّث عن محاسنها في ” شارع الأميرات ” سنة ( 1957- 1969 ) حيث عاشت مراهقة وحيدة تتحسّس رغبات جسدها ولا تملك لها متنفّساً ولا تجد من تبوح له ” كيف أنسى كلّ العار والهوان الذي شعرت به عندما بلغت، مع أنني كنت آنذاك في الثانية عشرة من عمري. إن الألم الذي انتابني كان نفسياً أكثر منه جسدياً. شعرت بالوحدة والضياع، والإذلال. كانت الحاضنات المغربيات مكلفات رسمياً بالإشراف على حسن سير أمورنا خلال فترة الحيض. المسألة معقدة وبعيدة عن أي تبسيط. هنالك قواعد وأصول يجب تطبيقها ومراعاتها:

–الحفاظ على النظافة البدنية والصحة.

–وضع فوط صحية قماشية بطريقة خاصة ومعينة.

–تعلم كيفية غسل هذه الفوط بأنفسنا بعد الانتهاء منها.

–تعلم كيفية الاغتسال من هذا الحدث والتطهر منه.

أولئك الحاضنات كن يتعاملن معنا بقسوة شديدة. كان لهنّ الحقّ الكامل باستدعائنا في أي لحظة، يأمرننا بخلع سراويلنا الداخلية ليتأكدن بأنفسهن أننا لم نلطخها بدم النجاسة، والويل لنا إذا ثبت الجرم على إحدانا، لأن الحاضنة كانت تنتقم من المذنبة أشد الانتقام، بأن تقرصها قرصة موجعة في المواضع الحميمة من جسدها حتى إن حاضنتي لم تتورع مرة من إدخال المفتاح الذي كان بيدها بين فخذي بعنف شديد مما سبّب لي ألماً مبرحاً.

العادة الشهرية كانت دائماً بالنسبة لنا البلاء العظيم، كنا بسببها نعامل من قبل الحاضنات باحتقار، وكأننا اقترفنا خطيئة مميتة لا تغف،, أو صرنا في مصاف الخاطئات والساقطات. كم كنت بحاجة ماسة إلى أمّ أو أخت كبيرة تصغي إليّ وتسمعني ! تشرح لي هذه التحوّلات الطبيعية التي تطرأ على جسدي, تطمئنني وتخفّف عني، تهدّئ روعي في الفترة العصيبة والحاسمة من حياتي الإنسانية، وتقول لي إنه مدعاة للفرح والسعادة أن أصبحت امرأة، وإنه لا يحق لأحد أن يعاملني بعنف وإذلال، ولا داعي البتة أن أشعر بأي عقدة نقص أو ذنب ” عادت مليكة إلى بيت والديها الأصليين ما بين عامي ( 1969 – 1972 )، مدللة والدها والمفجوعة به بعد انقلاب ” الصخيرات ” والانقلاب العسكري الثاني بقيادة ” أوفقير ” ضد الملك، وبعد إعدام الجنرال قضت العائلة وبعض خدمها وأقربائها ما يقارب العشرين عاماً في السجن سنة منها في الصحراء ما بين واحة آسا، وآكدز، وأسوار تامتاغت:

بعدما أنزلونا من السيارة، أجبرونا على الوقوف صفاً على أرض هذه الفلاة النائية. ورجال الشرطة بمواجهتنا يهددوننا برشاشات الكلاشينكوف. مالت أمي عليّ هامسة في أذنيّ:

–كيكا، إنها النهاية.

يا للأسف، ياليتها كانت النهاية، إن هذا أرحم بكثير مما ينتظرنا من جحيم “.

وفي الحقيقة فإنني وجدت نفسي متأثرا جداً بالكتاب ” السجينة ” الذي يحمل بين دفتيه سيرة مليكة أوفقير وعائلتها. ومنذ صدور الكتاب في شباط 1999، كان نجاحه سريعاً ومفاجئاً للجميع بما فيهم مليكة نفسها حيث تسابقت إليه حتى قبل ترجمته محطات الإذاعة والصحف الفرنسية والأجنبية، وانهالت الطلبات على مليكة، وعمل ” كلود دالا تور”، الملحق الصحافي لدار غراسيه، بهمة ونشاط من خلال علاقاته بالصحافة على الترويج للكتاب بحيث حققت ” السجينة ” أفضل المبيعات على الإطلاق، وظلت لأسابيع عديدة على رأس قائمة المبيعات.

وفي اللحظة التي انخفضت فيها المبيعات، أنعش موت الملك الحسن الثاني الفضول حيال المغرب وسنواتها المظلمة وحكاية عائلة أوفقير، وكان السبب في انطلاقة جولة إعلامية واسعة، ومن جديد قفزت السجينة إلى رأس قائمات المبيعات فيما كانت مليكة حزينة لموت الملك بشكل بدا غريباً.

لقد كان ” السجينة ” شهادة مؤثرة عن الألم والظلم, وأيضاً عن البقاء، عن القمع وجشع السلطة، وكذلك عن الصبر والرغبة في النسيان. عن السجن والسجان، وعن الحرية ومحاولة الصفح.

أما في كتابها ” الغربية ” الصادرة عن دار التنوير- 2007 – بيروت والذي قام بترجمته ” حسين عمر” فور صدروه عام – 2006 – عن دار غراسيه الفرنسية فتكتب مليكة عن الرغبة في استعادة الحياة، وها هي تواجه مرحلة الخروج من السجن والإقامة الجبرية في المغرب لمدة خمسة سنوات حيث المراقبة والمضايقة من قبل رجال الملك وهي تكتب هذه المرة وحدها بدون شريكتها وصديقتها ميشيل فيتوسي.

وتدون على مدار 246 صفحة من القطع المتوسط المواضيع التالية: الرجل الأول في حياتي / الحرية المرة / ايريك الشرقي / الخوف من الآخرين / هيبيرناتا في باريس / حينما كان المال ملموساً / البؤس / الشهية / الكتابة شهادة على حياة / مغربي / الملتحيان / سجينة الصحراء / أن أكون أماً، أخيراً / الحب في الأربعين / الحلم الأمريكي / موت ملك / الولادة من جديد / التعويض.

بالإضافة إلى ثلاثين صفحة بقلم ميشيل فيتوسي جاءت كمقدمة تحدثت فيها بالتفصيل عن علاقة الصداقة التي تربطها بمليكة وعن المصاعب التي واجهتها أثناء كتابة ” السجينة “.

” لدى خروجنا من جديد مشياً على الأقدام في ” مغنيفسات ميل ” الجادة الرئيسية في شيكاغو. بحثنا ونحن لا نزال تحت تأثير البرنامج ، قلتُ:

–مليكة، أجيبيني بصراحة. بماذا تشعرين بعد أن كنتِ الضيفة الرئيسية للبرنامج الأكثر شهرة في العالم؟
توقفت. أطرقت في التفكير. نظرت إليّ.

–أنا سعيدة ومرتاحة للغاية. أنا لا أبالي بالنجاح والمال، أنت تعلمين ذلك. ما يهمني هو أنني حققتُ أمنية راودتني في السجن. في بعض الأيام، حينما كان السجن قاسياً للغاية، كنتُ، لأعين نفسي على الصمود، أردّد مراراً وتكرارا‌ً الجملة التالية: ذات يوم، سيعرف العالم أجمع حكايتي.

اليوم، بفضل أوبرا، يعلم اثنان وعشرون مليون مشاهد عبر العالم ما جرى لنا. لقد تحققت أغلى أمنياتي. تبين لي بأنه سيمكنني بسهولة أن أكتب كتاباً كاملاً عن كيكا. مرة أخرى، سأتنحّى جانباً وأترك لها الكلام حينما كنّا نشتغل على السجينة كنتُ أدري بأن تلك الفكرة كانت تراود ذهنها.

تتحدث مليكة في ” الغريبة ” عن حياتها الجديدة في باريس حيث شجعها فرار شقيقتها الوسطى ” ماريا ” من المغرب في 25حزيران/ يونيو 1996 على متن سفينة، مرفقة معها مايكل، ابنها بالتبني، وابنة عمها، عاشورا التي كانت مسجونة معهم وتمت عملية الفرار عبر الأراضي الإسبانية إلى فرنسا.

لقد كانت عملية الفرار نهاية لما عاشته عائلة أوفقير من معاناة فالضغوط الدولية أجبرت الحكومة المغربية على إعادة جوازات السفر إلى أفراد العائلة ومنحهم الإذن بمغادرة أراضي المملكة المغربية. في 16 تموز/يوليو 1996، غادرت مليكة المغربب رفقة أخيها رؤوف وأختها سكينة. وكان عمرها في ذلك الوقت ثلاثا وأربعين سنة.

” دقائق معدودة، وسوف يعبر الشبح الثقيل للطائرة 747 ستارة الغيوم, فاتحاً أمامي سماء الحرية نهائياً. في جهةٍ ما، على مسافة عشرة آلاف متر تحت قدمي، ينتظرني رجل حياتي وعائلتي وأصدقائي وحياة جديدة تكاد تكون بكراً، وكأن تلك السنوات الأربع والعشرين من السجن المنعزل لم تكن إلا كابوساً. السماء زرقاء، زرقة تكاد تكون خيالية، وشعرتُ بنفسي كأني في عالمٍ آخر… ”

في باريس كان ينتظرها ايريك الرجل الأوربي الذي له قلب وروح رجل شرقي، لقد ورث المحبة والتسامح من عائلة بروتستانتية عريقة متأصلة في ” نتم وارييج “. والداه شخصان غير عاديين. والده، بيير بوردروي، عالم آثار، وهو رجل عاطفيّ جداً إلى حدّ غير واقعيّ. ومع أنّ ايريك قد ولد في ستراسبورغ إلا أنه وصل إلى القدس الشرقية في زيارة دراسية في الثالثة من عمره مع عائلته ثم كبر في لبنان حيث كانت والدته فرانسواز مديرة لثانوية بيروت البروتستانتية وعاشت أيام الحرب اللبنانية استقبلت بشجاعة ومسؤولية كافة الأطراف المقاتلة من مسيحية وإسلامية بل فتحت أبواب مدرستها حتى أمام الفلسطينيين وكان من بينهم شقيق ياسر عرفات، وبينها وبين مليكة إحدى عشرة سنة فقط.

في ” الغريبة ” تتحدث مليكة عن صعوبة التأقلم مع المجتمع وعن الخوف من الآخرين والتغيرات والتطورات التي حدثت في حياة البشرية خاصة في إدارة شؤونها اليومية. كانت مليكة تحتار كيف تتعامل معها وتحدث معها أحياناً أشياء لا تصدق تصيبها بذهول حقيقي وهي أمور عادية وبسيطة جداً بالنسبة إلى غيرها من البشر.

” في ختام العشاء، حل الخوف مكان التعب: لمحتُ أحد مديري الخدم يجول على الطاولات ويتحقق بدقة من كل فاتورة.

في يده جهازٌ صغيرٌ غريب انتابتني أفكار سوداء، صور اعتقال. بيدي المرتجفة، أمسكت بيد ايريك.

–انتبه، أعتقد أنهم يبحثون عن أحدٍ ما، ربما عن مزور انظر أنهم يدققون في جميع الفواتير.

قبل أن يتمكن من إجابتي، توجه المدير نحونا، وعلبته الصغيرة في يده. بادرني ايريك بابتسامةٍ مطمئنة، ومدّ إليه بطاقة، وضعها الرجل في آلته. للحظاتٍ من الصمت، كنت معلقة إلى حكمه. أخيراً، خرجت تذكرة من الجهاز مصحوبة بصريرٍ خفيفٍ، بينما أعاد ايريك بطاقته إلى جيبه.

–شكراً، يا سيد.

نظرتُ، غير مصدقة، مدير الخدم يغادر، ممسكاً بعلبته العجيبة، إذا كانت قطعة صغيرة من البلاستيك تدس علبة يمكنها شراء طبقٍ من ثمار البحر، فإن العالم الذي عرفته قد تلاشى تماماً”.

ظلت مليكة سنوات عديدة تخاف من الآخرين وتتوجس خاصةً من رجالة الشرطة ولباسهم العسكري ويصيبها تقزز عند رؤيتهم لأنهم يرمزون إلى السلطة والقوة والوحشية وهي كانت تغير الرصيف الذي تمشي عليه دون سبب سوى وجود أحدهم باللباس العسكري حاملاً ترسانته المدهشة من المسدسات والأغلال والهراوات والقنابل المضادة للاعتداءات:
” على أرصفة المقاهي، يرعبني النّدُل الباريسيون المشهورون، المحزمون بزيهم الرسمي الأبيض والأسود، أكثر من رجال الشرطة. لمجرد فكرة ذهابي للجلوس في مقهى، أخشى نظراتهم الثقيلة المزدرية. كم من مرةٍ طلبتهم بصوتٍ خفيضٍ ناعمٍ؟ ”

لقد كانت تجد في تعاطفها مع المتسوّلين والمتشرّدين سعادة كبيرة خاصةً حين كانت تساعدهم وتشفق عليهم وكانت تشعر بأنها في أفضل حالاتها النفسية في أوقات مصاحبتهم عكس ما كانت تشعر به عندما تكون برفقة الناس الأحرار وتراهم صادقين لا يغشّون ولا يخدعون ولا يتغيّرون وهي تجد نفسها في طريقتهم الساذجة واليائسة في التوجس من العالم. إنها لا تتردّد في إعطائهم نقوداً عندما تراهم في الشارع أو في المترو أو على السلالم أو في نفق:

” من جهتي، أعطي بلا تمييز ( غالباً خطأً، إذا صدقت أقوال أصدقائي، الذين يعلنون لي بأنّ مافيا حقيقية للتسول تعيث فساداً في باريس )، بعض القطع النقدية الزهيدة والتي قلما أشعر، بخلاف أغلب الناس، بأن قطعتين أو ثلاث قطعٍ مرمية في قبعةٍ تنقذهم من مشكلتهم من عذاب الضمير”.

لكن مليكة تخلصت من كل ذلك واستعادت قدرتها على الحياة والعيش والاندماج في شؤون الحياة ومواجهة مصاعبها بكل جسارة وشجاعة وقوة وعادت إلى توازنها اثر محاولة اعتداء عليها من قبل أحد اللصوص ذات ليلة ماطرة في شوارع باريس عندما كانت برفقة نوال ابنة أختها وابنتها بالتبني ولاحظت أن نشالاً قصيراً سميناً يتعقبهم بهدف الحصول على حقيببتها، تجنبت مليكة اللجوء إلى الشرطة خوفاً من ألبستهم العسكرية، وفي زاوية خالية من البشر وشرطة الحراسة انقض النشال بهزات عنيفة على كتفها من اجل انتزاع الحقيبة وهي بدورها تشبثت بالحقيبة لأنها تحتوي أوراقها وصورها ومالها ومفاتيح بيتها فكان من الصعب أن تنتزع حياتها بالإجمال في لحظة كهذه في زاوية شارع:

–ستعطينني حقيبتكِ، إلا سأهاجم صبيتك.

نفث من بين أسنانه، أحياناً، تكفي كلمة لتغيير مجرى الأمور، لتحويل الفريسة إلى نهّاب. أخلى الخوف مجتثاً في لحظة مكانه لشعورٍ من الشراسة العنيفة جداً بحيث شعرتُ وكأن مخالب تنمو لي. فجأةً، كنتُ لَبُوَةً، ذئبةً، دبةً، على طريقة الدابة التي قلما تقبل العبث بذريتها.

–ردّد ما قلته.

قلت له دون أن أترك له الفرصة ليرد بكلمة. لوته ضربةٌ من ركبتي في المكان المناسب على نفسه؛ دفعتُه الى الواجهة الزجاجية، بقوة بحيث اصطدم رأسه بها. وبقيت أضربه، اعتباطاً، بكل ما يقع تحت يدي- بيدٍ فقط، بقدمٍ وبحقيبتي. تحت ثقل الحقد، أصبحت المعتدية وهو الضحية؛ لم أعد أشعر إن كنت أدافع عن نوال أم عن حقيبتي أم عن حياتي، لم يبق أكثر من تلك الموجة التي تدفقت في داخلي والتي قد يمكنها سحق باريس بنفخة واحدة. كما في أفلام العنف الرديئة التي عادة ما أنام أمامها، لم أعد أرى سوى أنوار ضوئية تحت المطر، والشبح الملتوي على نفسه الذي يحاول الاحتماء من ضرباتي. أنا حيوان كاسر، سأتوقف حينما يموت. فتحت حادثة الاعتداء، عينيّ واسعتين على الأمومة، على نحوٍ غريب، الأمر الذي لم يكن أي أخصائيّ نفسانيّ قد نجح في تحقيقه.

ربما ذلك الغوص في أعماق الغريزة الأولية أتاح لي التحقق كم كنت والدة الطفلة التي أربيها، دون أن أدرك ذلك. اللبوات أيضاً تتبنى الصغار المتروكين، ترضعهم وتحميهم كصغارها. الآن أعلم أنه ليس من الضروري أن تنجب المرأة طفلاً لكي تحبه، وأن كل من سيحاول انتزاع نوال مني سيقوم كذلك بقتلي في نفس المكان. كما أعلم أن هذه الطفلة التي ستكبر في حضني سيمكنها أن تعتمد عليّ طويلاُ إلى أن ينمو جناحاها. أنا أمٌ، وكنت أجهل ذلك”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق