منابع التكفير

 
ليس التكفير المهيمن الآن على الذهنية العربية  صاعقة في سماء صافية فالموروث الفكري العربي زاخر بالأطروحات التكفيرية ويُعدّ الغزالي من مؤسّسي هذه النزعة .

      لقد  أقام  أبو حامد  الغزالي خطابه الفكريّ على أرضية نسف ما جاءت به أغلب المدارس الفكرية التي عاصرها وخاصة الفلسفة، منتصرا للصوفية والمذهب الأشعري، وفي ” المنقذ من الضلال “، يشير إلى أنه بدأ عمله بالتحصيل على الفلسفة اليونانية، وهو ما صاغه في ” مقاصد الفلاسفة ” الذي مهّد من خلاله للهجوم العنيف الذي سيقوم به ضدّ الفلسفة، ذلك  العمل الذي لا يزال النصيون النقليون  يمتدحونه على مرّ الأجيال، يقول عبد الحليم محمود ( وهو شيخ أزهري سابق يلقبه السلفيون بغزالي العصر) متحدثا عن الغزالي ” لقد انهار تحت قلمه في سهولة ويسر عباقرة الفكر الفلسفي فتهافتوا وانهاروا، وأتى عليهم كتابه  النفيس تهافت الفلاسفة، وأخمد حجة الإسلام  بدعة الفلسفة، وعبث الفلسفة في الشرق الإسلامي ”  ( انظر تقديمه لكتاب الغزالي : المنقذ من الضلال مع أبحاث في التصوف ودراسات عن الإمام الغزالي، دار الكتب الحديثة، القاهرة ، ص21 ).
 

      وقد أحاط الغزالي هجومه على العقل والفلسفة بهالة أسطورية من اعتزال للناس وترك مهنة التدريس، يقول محمود الذي وصف الفلاسفة بالعابثين والفلسفة بالبدعة ( وكل بدعة صاحبها في النار ) : ” ثم كانت انتفاضته العارمة التي انتزعته قسرا وفي عنف من وسط النعيم والأبهة والمجد إلى حيث الانزواء والعزلة، لقد كان ينعم في الترف الدنيويّ وها هو ذاهب إلى الله، لقد كان يرفل في رياض من النعيم المادّيّ وها هو ذا الآن فارّ إلى ربه ومهاجر إليه ” ( م ن ، ص 33).
 

          هذه  “الانتفاضة العارمة ” جرى التشكيك فيها من قبل أكثر من مصدر، فالصورة ليست بمثل هذه النصاعة التي حرص السلفيون دوما على إضفائها على الغزالي الملقب بحجة الإسلام، فالرجل لم يترك نعيم الحياة عن طيب خاطر كي يعتزل الناس ويعيش على الكفاف ويتأمل قضايا الفكر ومشكلاته، وإنما لأمر آخر هو خوفه من أن يقتل على يد الاسماعيليين الذين بث فدائيوهم الرعب في أرجاء الدولة السلجوقية التي كان الغزالي ينطق إيديولوجيا باسمها، يقول وول ديورانت: “وبعدئذ رأى الغزالي بما لا يقبل الشك بأنه قد أصبح مهددا بالخطر المحدق به من كل جانب فالباطنية يترصدونه ولن يسامحوه على كتابته عنهم في المستظهري “.     
 

   لقد اختار التواري عن الأنظار خوفا من موت محتمل يتربص به في كل حين، غير أن الجرأة كانت تعوزه للاعتراف بذلك فأحاط اعتزاله الناس بتلك الهالة الأسطورية، ووجد  من الأغبياء من صدق زعمه، ويصف عارف ثامر الوضع الذي آل إليه قبل خلوته قائلا :”إذا سار فيخاف أن يتصدى له احد الفدائيين المتنكرين فيقتله بخنجره … هذه الأوضاع جعلته في نهاية المطاف يقرر الرحيل والابتعاد عن مكامن النيران تاركا بغداد وشأنها والمكتبة والطلاب والخليفة والأصدقاء والشهرة وكلّ شيء “) عارف ثامر، الغزالي بين الفلسفة والدين، دار رياض الريس ، لندن 1987 ،   ص49 ).

 
        ويلاحظ المتتبع لسيرورة الأوضاع التاريخية التي عاصرها أنّ الأحداث السياسية والاجتماعية التي عرفها الحكم السلجوقي سنة 485 هـ قد ألقت بثقلها على حجة الإسلام، حيث ” قتل الوزير نظام الملك في مدينة نهاوند، وقيل إن القاتل هو احد الفدائية الإسماعيلية ويسمي قاهر الأراني وكان قد لبس ثياب الصوفية البالية وجاء إلى مقر نظام الملك طالبا الإذن بالمثول بين يديه لتقديم عظة دينية وبعد أن اختلى به عاجله بطعنة خنجر مزقت أحشاءه ” (  م ن ، ص 31).
 

      ولم يكن حجة الإسلام واقعا  تحت تهديد الاسماعيليين فقط وإنما كان خاضعا كذلك لتهديد الحكام السلاجقة أنفسهم، لقد انتدبوه لتأدية مهمة الحارس الإيديولوجي لدولتهم، واعتقد الرجل في البداية أن المهمة غير مكلفة، ولكن مقتل نظام الملك بتلك الصورة المشار إليها جعله يقرّر الإفلات بجلده، لأجل ذلك يصفه ثامر بـ” العالم الجبان الذي ترتعد فرائصه خوفا من الحكام ”  (م ن ، ص53 )، فينصاع لرغبتهم ويكتب ما يريدون منه كتابته لقاء ما يغدقون عليه من مال وجاه، وعندما تبدأ رؤوسهم بالتطاير تحت ضربات معارضيهم يفرّ من الساحة بحثا عن وليّ نعمة جديد. 
 

    واللافت  أنه حاول خلال ” انتفاضته العارمة ” تلك الذهاب إلى مراكش ليستظلّ بعرش ابن تاشفين ولكن الأمير المغربيّ توفيّ قبل وصوله إليه، مما حدا بحجة الإسلام  إلى العودة إلى بغداد
 ومنها إلى طوس والتدريس من جديد في نيسابور. غير أن الوزير الجديد يلقى نفس مصير أبيه فيقتل على يد الحشاشين سنة 1106 فيعتزل الغزالي نهائيا التدريس.
 

إن إخضاع تلك الهالة الأسطورية التي أحاط الغزالي بها نفسه لسلاح النقد يجعلها تتطاير شظايا، فالأمر لا يتعلق كما بيّنا بانتفاضة عارمة أو بهجرة إلى الله، وإنما بمثقف تقليديّ بحسب عبارة أنطونيو غرامشي يبيع الايدولوجيا لمن يشتري، وعندما يصبح الخيار بين الموت والحياة يختار الحياة ، حياته هو، متنقلا بين الأمصار حماية لرأسه دون أن يتوقف عن نفث الوهم، فتلك وظيفته الدائمة.

 

      وعندما يزعم مفكر من هذا العيار لنفسه العفة والطهارة، واعتزال الدنيا والناس، ليمهد من خلال ذلك أرضية الهجوم على الفلسفة والعقل وتكفير الآخرين، فإن حيلته لا ينبغي أن تنطلي. ونتيجة لتلك ” الخلوة الطويلة مع الذات ” ألّف الغزالي كتابه الأكثر شهرة ” المنقذ من الضلال ” الذي يخاطب فيه أخا له في الدين كالتالي: “أما بعد فقد سألتني أيها الأخ في الدين أن أبثّ إليك غاية العلوم وغائلة المذاهب وأغوارها وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحقّ من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد إلى بقاع الاستبصار، وما استنفذته أولا من علم الكلام، وما اجتويته ثانيا من طريق أهل التعليم القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام، وما ازدريته ثالثا من طريق التفلسف، وما ارتضيته آخرا من طريق  التصوف” (  الغزالي ، المنقذ من الضلال، م س، من الصفحة 81 حتى الصفحة:87).
 
    وفي هذا الكتاب يكفّر الفلاسفة تحت عنوان مثير “أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهم ”  ( م ن ، ص 105) ، مبينا أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أصناف ( الدهريون والطبيعيون والإلهيون)، معتبرا إياهم زنادقة وكفرة وجب استئصال شأفتهم، فالدهريون زنادقة لأنهم ” جحدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه وبلا صانع ” (م ن ، ص ص 105/106). والطبيعيون أيضا زنادقة ” لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر” ( م ن ، ص 111) . ولا يستثني من ذلك الفلاسفة الإلهيين أمثال سقراط  وأفلاطون وأرسطو ” فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وأمثالهما ” ( م ن، ص 112.).  والواضح انه يشهر سلاحا قديما قدم التفكير الإيماني النقلي، نعني سلاح التكفير وتحويل تعقل القضايا إلى جريمة تستوجب العقاب، لإسكات العقل وإحالته على التقاعد ليظل صرح النصية والإيمانية بمنأى عن كلّ هدم. وعندما يشهر سلاحه ذاك في وجه الفلسفة نراه يحرص على اختيار موقع مريح يؤهله لإطلاق الأحكام التي يلذ للجمهور سماعها، فحجة الإسلام يدافع أولا وأخيرا عن الله، ومن ثمة يتقلد بامتياز منصب القاضي وما على الجموع إلا تنفيذ أمر القصاص. والفلسفة هنا هي المتهم الذي تهافتت كل حججه فوجب إرساله دون تأخير إلى المقصلة. ألا يذكرنا ذلك بمحاكمات العقل جميعها بما في ذلك محاكمة سقراط ” الذي صوتت الجماهير الغاضبة مطالبة بإعدامه لأنه أنكر وجود الآلهة “(  ول ديورانت، قصة الفلسفة، مكتبة المعارف، بيروت 1985، ص 15)بعد أن صوره أعداء الفلسفة في ثوب المعتدي على دينهم وأخلاقهم ؟
 

   وكان الغزالي قد تقمص الدور ذاته في ” تهافت الفلاسفة “، فهو ” محامي الله ” ومدافع عن عقائد البشر، يقول ” أما بعد، فاني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات، والتوقي من المحظورات، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده، ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين ”  ( الغزالي ، تهافت الفلاسفة ،تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، الطبعة السادسة، القاهرة 1987،ص 73 ) .
 

       وهو يتحدث هنا خاصة عن الفلاسفة العرب الذين اتجهوا اتجاها عقليا  فيكفرهم قائلا ” وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وأمثالهم ”  ( م ن ، ص 74) مما يعني :

     أولا، إن معاداته للفلسفة إنما تصدر في جوهرها عن موقف إيماني، يأخذ على الفلاسفة عدم تقيدهم بالطقوس العبادية كالصلاة وإقبالهم على الممنوعات الدينية. وهو بذلك يؤلب عامة الناس على الفلسفة مستنفرا مخزونهم الأخلاقي، وهو العارف بما يثيره ذلك من استهجان لدى جمهور يبقى الفيصل بالنسبة إليه مراعاة الفرائض التي ينص عليها الشرع والتقيد الحرفي بأحكامها.

     ثانيا، إن موقفه ينبع من الشعور بالدونية الذي شق طريقه إلى البنية السيكولوجية لرجل الدين ( و هو هنا حجة الإسلام ) تجاه الفيلسوف المتميز بالفطنة والذكاء، أي إن ما خفي وراء هذا الخطاب إنما هو منازعة الغزالي الفلاسفة على ذلك الموقع الذي طالما اعتبره رجل الدين  وقفا عليه، فهو الذي يحلل وهو الذي يحرم، وبكلمة هو الذي ينطق دوما بالحقيقة باعتباره المؤتمن على العقيدة وحارسها وما على الجموع إلا الإصغاء، فرجل الدين يريد استرداد موقع كفّ عن أن يكون ملكيته الخاصة،  بظهور الفيلسوف الذي لم يجرده من هذا الامتياز فقط، وإنما بدأ محاولاته الأولى مع فلاسفة مثل ابن الراوندي والرازي والفارابي وابن سينا لجعل ذلك الموقع مشاعا للناس كافة، طالما لهم عقول تفكر، ألم يشهر فيلسوف مثل ابن الراوندي العقل سلاحا وهو يصرخ إذا كان القرآن يتفق مع عقلي فلي عقلي وإذا كان لا يتفق معه فلا حاجة لي به ؟
 
       ألا يكون الغزالي قد توجس خيفة وهو يواجه هذه الطروحات الجريئة في عقلانيتها، فانبرى مدافعا أولا وأخيرا عن مصلحة باتت مهددة لا من قبل الفلاسفة وحدهم، وإنما كذلك من قبل قسم عريض من الجماهير بدأ يستهويه خطاب العقل من حيث هو السلاح الفكري الواجب اعتماده في مواجهة الخطاب الإيماني السائد آنذاك والمعبر عن الصفوة الإقطاعية المتنفذة، فتوجب إرجاع تلك الجماهير المكونة في غالبيتها من أقنان وعبيد بائسين عن غيها ؟ ألم يضع الغزالي لأحد  مؤلفاته عنوانا ذا دلالة ضمن هذا المجري بالذات ونعني كتابه ” إلجام العوام عن علم الكلام، هؤلاء “العوام” الذين يمَم شطر غير قليل منهم وجهه نحو الجماعات السياسية المعارضة؟
 

       إن حجة الإسلام لا يجد غضاضة في أمر عموم الناس بـ” السكوت عن السؤال ” ( الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى، بيروت 1993، ص 55)، معتبرا ذلك ” واجبا على العوام لأن (العاميّ) بالسؤال متعرض لما لا يطيقه، وخائض فيما ليس أهلا له، فإن سأل جاهلا زاده جوابه جهلا، وربما ورطه في الكفر من حيث لا يشعر،وإن سأل عارفا عجز العارف عن تفهيمه لقصور فهمه عجز البالغ عن تفهيم ولده “(م ن ، ص ن).
 
      وهو ينصح باعتماد ” طريق السلف في الكف والسكوت والعدول إلى الدرّة والسوط والسيف وذلك مما يقنع الأكثرين ” ( م ن ، ص 73)، وبغاية إقناع الجموع يغرف الغزالي من المقدس الديني ما هو في حاجة إليه، فـ” العامّيّ ” لا يجب أن يتساءل عن الأمور الإلهية، وإنما هو مطالب بقبول ما يشير به عليه حجة الإسلام، يقول: ” وكذلك العامّيّ (العامّة) إذا طلب بالسؤال هذه المعاني يجب زجرهم ومنعهم وضربهم بالدرة ( السوط ) كما كان يفعله عمر رضي الله عنه بكل من سأل عن الآيات المتشابهات، وكما فعله صلى الله عليه وسلم في الإنكار على قوم رآهم خاضوا في مسألة القدر وسألوا عنه فقال عليه السلام: أفبهذا أمرتم، وقال : إنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال ”  (م ن ، ص 55).
 
         بماذا ينادي الغزالي ؟ انه يرى ضرورة زجر العوام وضربهم بالسياط وإن اقتضى الأمر قطع أعناقهم بالسيوف إن هم تجاسروا فتساءلوا عن هذه أو تلك من القضايا التي تبدو ملغزة غامضة، إذ يفعل الله بالسيف والسنان ما لا يفعل بالبرهان، وإذا عرفنا أن السؤال هو لب عملية التفلسف تبين لنا لماذا يكنّ الغزالي كل ذلك العداء للفلسفة والمشتغلين بها .

 

 

فريد العليبي: جامعي من تونس

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This