منافع التطيّر من الحاضر

 من قال إن ما قيل في العهود الخوالي، أو قيل إنه قيل ، أو قيل لقد قيل إنه قيل، أهم وأنفع مما يقال الآن ، وممّا يمكن أن يقال فيما لو سمح للأحياء بقول ما يودّون قوله، دون تعطيل عقولهم وألسنتهم بفرامل وكوابح حديدية هي، في الأصل، مصنوعة للتحكم في عجلات العربات والدراجات والدبابات والطائرات، وليس لضبط لغة الناس وأخيلة البشر مخافة أن تدفعهم الظنون والاستيهامات إلى حد تصور أن الحرية يمكن أن تتحول من مفهوم إلى واقعة عينية ؟!

الذين قالوا بذلك، من سكان الحاضر..وما أكثرهم، يكونون قد وهبوا حياتهم للماضي السحيق الأكثر ظلاما وتلعثما، وتنازلوا عن أحلامهم مقابل السماح لهم بمزيد الذكر والتذكر والتذكار داخل حوانيت القداسة وزادوا..فحشروا رؤوسهم داخل عمائم، وأجسادهم وسط جلابيب، ثم رغباتهم الجنسية في أكثر من ورك امرأة واحدة، وما تبقى من عقولهم في معلبات لغوية من نوع : نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ونلعن الإنسان المتفكر الحكيم .. مرورا بتمجيد السلف الصالح وترذيل الخلف الطالح دون التفطن إلى أن عكس الألقاب يمكن أن يكون صحيحا أيضا خصوصا إذا علمنا أن مهمة تجاوز أخطاء الماضي موكولة للخلائف وليس للأسلاف : الأسلاف الذين تنام عظامهم طي قبور لم يعد معظمها معلوم البلد والزمان والسند والمكان !
 

            والذين لم يقولوا بذلك لم يتوصلوا، بعد، بالرغم من قرابتهم بالآلهة (الآلهة الشرقية في أغلبها)إلى إضافة ولو مفردة يتيمة إلى مدونة الحداثة الكونية التي بدأت بالأنوار ثم بالثورات  لتستقر على نظام ليبرالي من الناحية الاقتصادية وديمقراطي من الناحية السياسية..معلية بذلك من شأن النسبية بدل مواصلة الوثوق بالإطلاقية والتوتاليتارية التي لم تنتج، طيلة تاريخها المشؤوم، سوى كتاب واحد هو: كتاب الدماء !!

     إنهم مازالوا يتلعثمون، عن قصد، ملوحين بجلالة ما يفكرون فيه ولا يستطيعون التصريح به، فيما هم محصنون،بحكم تكوينهم الاجتماعي العقدي، ضد أي منهج أو نسق بإمكانهما منع الماضي من أن يمد عظام رجليه لمسافة أطول من القبر الذي خصه به  الفناء، وخصته به حاجة اللاحقين إلى الاعتبار والتذكر.. من باب تفاخر الجهلاء بمزايا الهوية الخالصة التي لم يصل مضاربها بريد ولم تطر من خيامها حمامة!
 

   بين هؤلاء وأولئك ما زال التوفيقيون يتحكمون في شؤون الأمة خوفا عليها من التفكك والتلاشي هي التي لم يعد مفصل يشدها إلى مفصل، وعظم يشدها إلى عظم، ومصلحة تشدها إلى مصلحة، وكابوس يشدها إلى حلم، هي التي لم تكن أمة إلا عندما كانت تنفذ مشروعها الإمبراطوري التوسعي قبل أن تدور عليها الدوائر وتتقلص إلى حجم ظلها النحيف ،المحاط بوابل من التخلف وبفساد جمّ، في عصر ثروة سوداء يتوقع جميع الخبراء أن تنضب قبل خمسين عاما.  
 
في عصر تبديد الثروات والتنازل التدريجي عن أجزاء شاسعة من الأراضي والأنهار والبحار، فضلا عن إرغام السكان على الهجرة أو الموت فقرا، لا نكاد نعثر في الأفق الملوّح بمناديل الاستسلام، على إجابات مطمئنة حول مصائرنا المشكوك في أنها مشتقة من فعل : صار!
 

        وحدها الطائرات، التي لم نساهم في اختراعها، تحمل مثقفي الأمة إلى هذه العاصمة أو تلك، لحضور تلك الندوة أو تلك، وهي ندوات مخصصة في غالبها الأعم لمناقشة أحد أمرين: إمّا مزايا الماضي أو مساوئ المستقبل أو الأمرين معا.. وكأنّ التفكّر في أمر الحاضر هو بمثابة إخلال بآداب الضيافة !
 

       ما نخشاه حقيقة، وهذا ليس من باب الشماتة، هو أن تسقط طائرة أو طائرتان أو خمس طائرات مرة واحدة، في فيافي الصحراء أو في عرض البحر، فنفجع في كمية لا بأس بها من مثقفينا الرائحين إلى والعائدين من هذه الندوة أو تلك .. فتبقى الأمة خالية من الرؤوس الفقهية والابستمولوجية على حد السواء !!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق