منظمة المؤتمر الإسلامي تُفتي بتطبيق أحكام حدّ الردّة

كنّا نأمل أن تنتهي منظمة المؤتمر الإسلامي، إلى ما هو خير مما انتهى إليه بيانها رقم 175، 2009 والمخصّص لـ”الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية”، كنّا نأمل منها أن ترفع الغمّة عن الأمّة، وتنتهي إلى إقرار حقّ المسلمين من كافة الطوائف، والمؤمنين وغير المؤمنين، في حرية الاعتقاد وحرية الاختيار الديني، دون قيود ولا اشتراطات فقهية. بما يعني الحقّ المطلق للأفراد في تغيير معتقداتهم والمجاهرة بإلحادهم أو لاأدريتهم، مثلما يجهر المؤمن بإيمانه أو بيقينه. يتعلّق الأمر بحرية دخول الدين الإسلاميّ أو الخروج منه بلا تكفير أو تقديم إلى المحاكمة بدعوى إقامة حدّ الردة، أو الإفتاء باستباحة الدم والعرض والمال، وما إلى ذلك من أحكام قد تضع السكين بين يدي جاهل يسعى به نحو حوريات الجنة وولدانها. ولكن المنظمة أبت أن تحقّق أمنياتنا، فتمخّض الجبل وولد فأراً مسعوراً، وأصدرت عبر مجمع الفقه التابع لها نصاً أكّدت فيه على” أنّ الفتوى بالردّة أو التكفير مردُّها إلى أهل العلم المعتبرين”، ونسأل بدورنا من هؤلاء بالضبط “مع تولّي القضاء ما اشترطه الفقهاء من الاستتابة وإزالة الشبهات”، وأيضاً نسأل هنا ماذا بقي هناك للقضاء من فعل سوى التصديق على ما يراه الفقهاء من أحكام “خلال مدد الإمهال الكافية تحقيقاً للمصلحة الشرعية”، ثمّ يقول النص”المجاهرة بالردّة..يستحقّ صاحبها إنزال العقوبة به من قبل القضاء دون غيره، درءاً لخطره وحماية للمجتمع وأمنه”، وبالتالي فقد صادق هذا المجمع وبالنصّ، على تطبيق حدّ الردة والتكفير، هذا الحدّ الذي لا أساس له في القرآن، والذي ينسب إلى حديثين من أحاديث الآحاد لا سند لهما في القرآن وليسا من الأحاديث المتواترة، فضلا عن أنّ القائلين بهما ممّن يُشكّ في صدق ونزاهة سلوكهم (الأوزاعي، وعكرمة). فالأوّل يقول بعد أن أقام –القائد العبّاسي، عبد الله بن علي، عمّ السفاح- مذابح للأمويين وبعد أن نبش قبور الموتى من الخلفاء السابقين منهم، وبعد أن نكّل بأعوان الأمويين”لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة”. أمّا ابن عكرمة، فقد قال عنه ابن سيرين”إنه كذّاب”، وقال ابن أبى ذئب “رأيت عكرمة وكان غير ثقة”، وقال عنه محمد ابن سعد” ليس يحتجّ بحديثه ويتكلّم فيه الناس”. وحديث عكرمة هو” من بدّل دينه فاقتلوه”.. الحديثان المذكوران يخالفان النص القرآني الذي أكّد حسب نصّ المجمع ذاته على “أن لا إكراه في الدين” و”من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وغير ذلك الكثير الكثير، وكلّها تفيد أن الإنسان حر حرية مطلقة فيما يفعل، وأن الله هو المسؤول عن محاسبة الإنسان سواء كفر أو آمن، كما أنّ النص القرآني يشرّع للأفراد الحقّ في الكفر، وليس فقط في ترك الصلاة مثلاً. وبالتالي وبدلاً من أن تحوز منظمة المؤتمر الإسلامي على رؤية قرآنية للحريات الدينية وتسمح للأفراد بالحريات الدينية بما لا يؤدي إلى قتل النفس، فإن المنظمة تشرّع حقّ إقامة حدّ الردّة: أي الحقّ في قتل المخالف دينياً، أو غير المؤمن، أو العلماني، أو من ليس مسلماً أو من دخل الإسلام وأراد الخروج منه. وتلاحق هؤلاء بقضايا الحسبة، أو الشك بإيمانهم ولاسيما المفكرين، حيث يتم تأويل كتاباتهم بما يفيد دائماً أنهم مرتدّون وكافرون ويسيئون للإسلام، وهذه يمكن رصدها من أيّ نص يؤكّد على المواطنة أو الحريات العامة دون شرعية دينية. وكل ذلك من أجل حماية المجتمع من” المخاطر والأفكار الوافدة ومن كلّ أشكال الغزو، الدينية وغير الدينية، التي تستهدف تذويب الهوية الإسلامية للأمّة”. ثمّ يشمل هذا البيان الحكم بالردّة على كلّ أساتذة الجامعات ومدرّسي العلوم الوضعية وعلى كلّ من يقرأ الحضارة العربية الإسلامية بعين موضوعية تظهر الايجابيات والسلبيات، فكيف بمن يحقّق في النصوص الدينية ويقدّم رؤية مغايرة للتنظيمات الإسلامية، أو الفئات المستفيدة من الفقه الإسلامي المحافظ والذي قد يناسب مرحلة ولا يناسب غيرها، كما أنّ واضعيه هم أشخاص، الخطأ في أقوالهم أكثر من الصواب. وهذه حالة شائعة خاصة لدى من يصبح طاعنا في السنّ أو يكون لديه ميل دينّي ما نحو سلطة سياسية أو نحو مذهب دينيّ ما وما أكثر ذلك في التاريخ.

أما القول بأنّ المسلمين قد “مارسوا عبر التاريخ التسامح وقبول الآخرين في ظل الدولة الإسلامية”، فإنّ هذا القول يجافي أبسط دراسة عن هذا التاريخ، حيث أنّ تاريخ المسلمين كأيّ تاريخ آخر فيه القتل والحروب وتصفية المعارضين واعتداءات بالجملة على طوائف من طوائف أخرى، وهذا يشمل تاريخ المسلمين بدءاً من حروب الردة للدفاع عن الدولة الإسلامية مروراً بحرب الجمل وصفين والتحكيم ولاحقاً أثناء تدمير الكعبة بالمنجنيق، فضلا عن المذبحة الكبرى لبقايا الأسرة الأموية من قبل العباسيين، وما جرى فيها يندى له الجبين وهناك قضايا كثيرة. والأنكى أنّ كلّ ذلك يجد تبريراته وفق أحاديث دينية، أي يشرّع إسلامياً كالحديثين المذكورين أعلاه. لذلك أقول، كان على المجمع ألّا يخلط بين النص القرآني وما في من تسامح وعدم تضمّنه حدّ الردة، وترك الحساب للذات الإلهية، وبين تاريخ الدولة الإسلامية لما قلناه، وهي في ذلك تشبه الدول الأخرى في العصر الوسيط وليست بأفضل منها حالا.

حدّ الردّة والاستتابة وإنزال العقوبة بالمنافقين، هو حدّ يمنع الحرية الدينية التي كفلها النص القرآنيّ، وهو يهدّد المجتمع والنظام العامّ، لأنّ تطبيقه سيكون على طريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على طريقة المطاوعة في السعودية، وسيطال المفكرين والباحثين، أمثال نصر حامد أبو زيد وغيره عشرات، وآخرها الحكم بالردّة على الشاعر الأردني إسلام سمحان، وما ورد في مشروع الأحوال الشخصية السوري من مصطلحات المرتد وأهل ذمة، وهي مصطلحات تشرّع حدّ الردة حين يكون ذلك ممكناً. وبالتالي تشريع حدّ كهذا- طالبت به كتلة الإخوان المسلمين في البرلمان المصري- يساوي وضع جميع الناس في دائرة الاتهام والتشكيك في إيمانهم، مع احتجاز المسلمين وغير المسلمين في سجن كبير اسمه حدّ الردة باسم صيانة الحريات الدينية وصيانة المجتمع من الأفكار الوافدة. ولن يكون سوى من باب الضحك على الذقون واستغفال العقول، القول بأن من سيطبّق حدّ الردة هم” أهل العلم المعتبرون” أو القضاء” لأننا أمام ما ذكرناه من حوادث، سيكون هؤلاء منفّذين لأوامر فقهية تصدرها مجمعات لا تزال بعيدة عن العصر الحديث وروحه التي تكفل الحرية الكاملة للأفراد بممارسة قناعاتهم، وتساوي بينهم مساواة كاملة، وتمنع أيّ تدخّل من أية جهة كانت في المعتقدات والأفكار الخاصة وحرية الضمير والوجدان.

ما قدّمناه من نقد لنص المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، يضعنا أمام سؤال لا نملك الجواب عنه، ونضعه بدورنا أمام القارئ الكريم: لماذا تصلح منظمة المؤتمر الإسلامي؟

يوما ما، لن يتردّد متطرّف دينيّ، في أن يجهل فوق جهل الجاهلين، ولسبب أو لآخر قد يفتي بردّة منظمة المؤتمر الإسلامي، فتدرك هذه الأخيرة، لكن بعد فوات الأوان، أيّ منقلب انقلبت؛ وهو وضع لا نتمنّاه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق