من أجل ميثاق وطني للثقافة / عبد اللطيف اللعبي

من أجل ميثاق وطني للثقافة / عبد اللطيف اللعبي

عرفت الساحة الوطنية في الآونة الأخيرة هزة غير اعتيادية. وبغض النظر عن تجلياتها الظرفية ( السخط العارم الذي انتاب وسط المثقفين في إثر بعض القرارات الهوجاء المتخذة من طرف وزير الثقافة الجديد)، كان لهذه الأزمة نتيجة إيجابية تكمن في انتعاش الجدل حول حقيقة أوضاعنا الثقافية ورهانات الثقافة في بلادنا.

 

كيف لا أثمن هذه الصحوة، خصوصاً وأنني لم أكف، خلال السنوات الأخيرة، عن تنبيه الرأي العام والمسؤولين السياسيين على السواء إلى تلك المفارقة المتمثلة في الترويج لمسار الاختيار الديمقراطي، والحداثة، والتنمية البشرية والمستدامة، والمشروع المجتمعي الجديد حتى، والقفز في نفس الوقت على المكانة التي يجب أن تحظى بها الثقافة في مسار مثل هذا، والدور الحاسم الذي يمكن أن تضطلع به فيه. ومن ثم، سبق لي أيضا أن ناديت إلى قلب للمعادلة يسمح باعتبار الثقافة كأولوية، كقضية تستحق أن تحتل مركز الصدارة في النقاش الوطني العام.

 

لم تخلف نداءاتي المتكررة هذه صدى يذكر، الأمر الذي أوصلني إلى خلاصة أعي تمام الوعي خطورتها. فالنكران المستمر لرهان الثقافة يعرض للتلف المكتسبات ذات البعد الرمزي القوي التي تحققت خلال العقد الأخير، وأفدح من ذلك قد يؤدي في المستقبل إلى تعطيل المشروع الديمقراطي برمته. لكن، وخلافاً لمن يجدون في هذا التردي إثباتاً لتكهناتهم الأكثر سوداوية، أو الذين يخدم هذا التراجع مصالحهم الأكثر قذارة، أرفض شخصياً التفرج على الوضع والقبول بالقدر المحتوم. أجرؤ على الاعتقاد بأن خريطة طريق مغايرة لا زالت واردة، شريطة أن تنتصر لدينا الرغبة الصادقة في تحويل الوجهة، والقناعة القوية بضرورة إعادة بناء البيت المغربي على قاعدة القيم الإنسانية، الحاملة للتقدم الاجتماعي، والمادي والخلقي، ولحكامة مسخرة لخدمة الصالح العام، لاختيار واضح للتحديث والانفتاح دون عقد على العالم.

 

إن منظوراً بهذه المواصفات ليس ضرباً من الخيال. فرغم المأزق السياسي الذي بدأت تتضح معالمه، يبدو لي أن المغرب قد تغير في العمق. لقد أصبح، أحببنا ذلك أم كرهناه، جزءا لا يتجزأ من القرية العالمية. إن الحاجيات الحيوية، المادية والمعنوية، لعدد متنام باستمرار من المغاربة، داخل البلاد أو في المهجر، تسعى إلى الاقتراب من حاجيات المواطنين في البلدان المتقدمة. أما العتق العالق بالأذهان، والضغط القوي الذي تمارسه الحركات الماضوية على الأخلاق والسلوك في الحياة اليومية، فإنهما لا يمنعان الانجذاب، وبنفس القوة، إلى نماذج اجتماعية أخرى، تأسست فيها الحريات والحقوق والحداثة على ثورة في المعارف والعلوم، وتقدم هائل في ميادين الفكر والإبداع.

 

وفي مجال الثقافة بالتحديد، الملاحظ أن الوضع بدأ يتحرك بدوره. فرغم الغياب شبه التام لأجهزة الدولة والهيئات المنتخبة المحلية عن هذه الورشة، بدأت المبادرات، النابعة من المجتمع المدني والمبدعين أولا بأول، تزعزع الخمول المهيمن. الانتاج الأدبي يعرف تجددا في الأشكال ومزيداً من التنوع في اللغات المعتمدة وبروزا ملحوظاً للأصوات النسائية، كل ذلك في الوقت الذي يشهد تقلصاً في عدد قرائه المباشرين. المجلات المطبوعة على الورق أو المنشورة عبر الانترنت التي ظهرت مؤخراً، تقوم بعمل جليل للتعريف بإبداعنا المعاصر وإعادة الاعتبار له. الجمعيات الثقافية والرابطات الأدبية قطعت أشواطاً في رفع الحجر الحزبي الذي كان يمارس عليها في الماضي. في الجامعات، ورغم فقر الوسائل المدقع، نلمس انتعاش البحث وخلق بعض الشعب قصد التأهيل المهني في مجال الثقافة. الفنون التشكيلية تحظى بتزايد مشهود لقاعات العرض، ولن تستطيع موجة المضاربة التي طالتها مؤخراً، رغم عواقبها السلبية، أن تحجب الحيوية الكبيرة التي تطبع الحركة التشكيلية عندنا. في مجال الموسيقى، استطاع عدد من الشبان، اعتماداً على أنفسهم قبل كل شيء، أن يبتدعوا أشكالا موسيقية جديدة ويكسبوا في ظرف وجيز جمهوراً غفيراً.

 

أما السينما، فإنها تعطي مثالا خاصاً، له دلالة قوية. فانطلاقتها الواضحة للعيان لم تكن لتتحقق لولا الدعم السخي للدولة كما هو معروف. وتجاوزاً للنوايا الكامنة وراء هذا الاستثناء، ما يشد الانتباه في هذه الحالة هو الموهبة الكامنة لدى فنانينا والإبداعية الحقيقية التي يمكن أن يظهروها عندما توفر لهم الشروط الضرورية للقيام بعملهم على أتم وجه وتشريف وظيفتهم. في نفس السياق، سيكون من المجحف عدم الإشارة إلى إنجاز نموذجي، لكنه يتيم، المتمثل في إحداث المكتبة الوطنية الجديدة في الرباط. إنها لجوهرة في تصورها وتقنيات وسائلها العالية والروح المدنية التي تشتغل بها. لكنها للأسف بمثابة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ويعود بنا إلى البؤس العادي الذي تعاني منه كافة ميادين الإبداع والبحث والفكر، دون إغفال التربية والتعليم اللذين لا زلنا ننتظر في شأنهما الإصلاح الجذري الموعود منذ زمان. إن الخطوات الصغيرة التي تحققت في عدة مجالات بالاعتماد على النفس لن تغير الوضع لوحدها. وهنا يجب التذكير بأنه حتى في المجتمعات المتقدمة، حيث يتحمل الخواص ( متمولين ومحسنين) جزءاً من العبء في التنمية الثقافية، لا يمكن للدولة أن تتنصل من مسؤولياتها والأخذ على عاتقها إقامة البنيات التحتية والمؤسسات الملائمة، وتدبيرالسياسة التي تسعى إلى نشر وترسيخ المعارف، إلى الرفع من شأن ثقافة البلاد والعمل على إشعاعها في كل أنحاء العالم.

 

أظن أن الوقت قد حان بالنسبة لكل المتفاعلين في الساحة الوطنية ( أصحاب القرار السياسي، أحزاب، نقابات، منتخبين، مقاولين، فاعلين جمعويين، وبالطبع مثقفين ومبدعين) أن يحددوا بكل وضوح موقفهم إزاء الحالة المزرية لواقعنا الثقافي، ويدلوا بآرائهم حول الإجراءات الواجب اتخاذها لمعالجة الوضع. فالجمود، علاوة على أنه غير منتج، يقود منطقياً إلى التقهقر، الذي يهيئ بدوره التربة لتفشي وسيطرة النزعات الظلامية. إنني أدعو هنا لرفض ذلك باستعادة الحركة واختيار نهج الأنوار. أدعو إلى المشروع الذي سنقرر فيه وضع كرامة وازدهار العنصر البشري في مركز اهتمامنا، مهيئين بذلك حلول مجتمع أكثر عدالة وأخوية، وبالتالي أكثر انفتاحاً وسلمية، وأقل تعرضاً لشياطين انغلاق الهوية والتطرف.

 

ومع وعيي بأن مشروعاً من هذا الحجم يتطلب طول النفس، آخذ اليوم على عاتقي، نظراً للحاجيات المستعجلة، وضع بعض مقدماته أوجزها في هذا النداء من أجل ميثاق وطني للثقافة، أطرحه للنقاش الحر، ولمَ لا منذ الآن إلى موافقة كل الذين سيجدون فيه التقاء جزئيا أو كلياً مع تحليلات وتطلعاتهم الخاصة.

 

عن جريدة القدس العربي 12/5/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق