من أدب الرسائل: أفي الوردة..الخطيئة؟

حبيبتي:

بعد كل لقاء معك يطير جسدي كالعصافير في سماء دمشق، فأنت بوحي الذي لا أرغب الشفاء منه، وأنت المرأة التي استطيع التحدث معها في أكثر الأمور خطورة، لأنك على درجة عالية من الذكاء يغني عاشقا مثلي عن مشاركة أفكاره مع آخرين غيرك إذ لستِ ممن سيفتكون بأفكاري.

مع ذلك يدهشني أنك تحدثت يوم أمس بلغة قريبك ذي النفوذ، الذي عمّم على الفضائيات وتقدم بطلب رسمي لجهات مسؤولة، كي يلغى يوم 14 شباط من قائمة الأعياد.

فأنا بحق لم أفهم أن للوردة الحمراء كل تلك التفسيرات.

كان تفسيرك في تحويل العيد: إلى مشاريع استثمارية رابحة من قبل التجار تفسير ذكي، وقد اعتبرت الأمر شخصياً: أنك ستساهمين بكنز جيوبهم حين تتّبعين هذا التقليد، وأردفتِ جملتك بنظرة تداهمني كلما شعرت بالتعب، فأنجز أعمالي بقوة لا يعرفها إلا أنا.

لكن وردتي المهداة لا تحمل أكثر من تفسير واحد: أني أهيم بك.

أخذ قريبك على هذا العيد استيراده من حضارة غير التي نعيش، وبرر طلبه: أن عيد الحب مخصص للنصارى، وأن مظاهره تدفع بالشباب لممارسات غير أخلاقية.

نحن أيضاً كمسلمين نعرف الحب في أكثر تجلياته جمالاً وأناقة، حتى رسولنا لم يخجل بمشاعره تجاه أم المؤمنين عائشة، ولو نزل نبينا في منطقة غير الصحراء ألا تعتقدين أنه كان من الذكاء الشديد ليقدم لها وردة؟ أنا أعتقد ذلك..

وجد أجدادنا في بيئة عرفنا منها القيظ والجفاف وسباق الجِمال، وأنا أعيش اليوم بالمدينة وفيها: علو الأبنية متلاصق مع الواطئ منها والأسواق الشعبية تجانب نظيرتها من الأغنياء و دور الترفيه تقابل دور العبادة، وسكة الحديد متلاصقة مع الشوارع العريضة المخصصة للسيارات، وقريباُ من الاثنتين مهبط للطائرات، فهل يريد قريبك ذي النفوذ أن أقدم لحبيبتي جملاً لأعبّر عن مشاعري؟ أو أقدم جلباباً صوفياً لأكشف درجة توقي للقياك.

في عيد الحب لن أقدم لك ذهباً كي تجمعيه، فهذه إحدى فضائحنا السّرّية، لأن جمع هذا المعدن تعبير ضمني عن عدم الأمان الذي تعيشه المرأة في كنف زوجها، وهو الفضيحة التي علينا أن نخجل منها في مجتمعاتنا، فجمع الذهب يعني أن النساء ستستخدمنه يوم يركلهن رجالهن خارج البيت من غير قانون يحميهن -كما عند النصارى في الغرب أو مؤسسات يلجأن إليها فيما لو شعرت إحداهن بعدم الأمان- ألم يكن جديراً بذي النفوذ أن يتقدم بطلب لإلغاء الإجحاف في بلادنا عمن أحببن أزواجهن وشاركنه الكدح سنوات طوال ثم في لحظة لا يبقى لديهن من تفاعل الحياة سوى التفاعل مع المعدن!!

آخرون كقريبك ليس لديهم من يتوحدون معه فماذا أفعل لهم؟

أنا لديّ أنت، وقد أحببتك قبل أن أسمع عن الذي يدعى فالنتاين، فأي ذنب ارتكبه هذا الرجل وقد جمع قلبين كقلبينا؟ ألانه نصراني كما يقول؟

أليس في الأمر سبب آخر يتعلق بالعنصرية تجاه ما ينتجه الفكر الإنساني؟ ماذا لو كان فالنتاين هذا من ديننا لكنه من مذهب آخر؟ ألن يجد قريبك ذي النفوذ مبرراً جديداً ليمنع العيد.

جرّبت مع شخص يشبه قريبك، هذا المقلب: فالنتاين بوذي؟!

وكان جوابه جاهزاً: لدينا ما يكفينا من تجارب الحب لنفخر بها، ولسنا بحاجة لبوذيين يعلموننا كيف نحب، وماذا نهدي نساؤنا!

لكن يا امرأتي الاستثنائية.. الوردة كما أراها كائنة جميلة وهبها الله سر رحمته بالبشر وتستحقها أنثى مثلك، وأنا أعرف كيف أقدمها ولمن.

إن الوردة نمت في بلاد الشرق كما الغرب وفي السند كما في الهند، لكن قوماً من هذه البلدان يتمتعون بذكاء في التعبير عن مشاعرهم، وعليّ أن أنظر في تجربتهم، وإن كان يرى أن تقديم الوردة لحبيبتي يقضي على حضارتي فهذه مشكلته، ففي داخلي ذكر يثق بنفسه، وبعقله وقلبه، وحبي لك هو رشاقة الحياة نفسها، وهو بيتي الذي أنطلق منه صباحاً لأمارس تفاصيل عملي بشرف لا يعرفه الكثيرون، وحبي لك هو بيتي الدافئ الذي سأعود إليه وأدفن فيه تعبي.

حبي لك هو عمقي ووعيي بك كأنثى، كامرأة تجعلني معها ثنائية منسجمة مع ثنائيات الطبيعة في الأرض، ولذلك سأرفض وجهة نظر قريبك ذي النفوذ، وأحتفل بعيد الحب، من غير أن أتوه عن بقعتي التي أقف عليها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق