من أم كلثوم إلى شعبولا من صباح فخري إلى صباح عبيد

في كل مرة أشاهد فيها أم كلثوم تغني أمام مئات من المشاهدين، ينتابني أحساس بالغيظ. والغيظ شعور إنساني نبيل، ينتاب المرء حين يشاهد ما ليس عنده، دون أن يصل درجة الحسد.

والغيظ الذي يصيبني لدى مشاهدة أم كلثوم وسماع صوتها سببه مركب ومعقد ومتشابك. فلدي غيظ من السيدة نفسها التي لا تزال رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على رحيلها متربعة على عرش غناء العرب بأكملهم، أغنيائهم وفقرائهم، رجالهم ونسائهم، شيبهم وشبابهم. وإذا كان صحيحا أن صوتا مثل أم كلثوم يتكرر مرة واحدة كل مائة عام، فغيظي يزداد حين أعلم أنني لن أعيش لأستمتع بصوت يوازي هذا الصوت من حيث القوة والعظمة والحساسية والرقة في آن.

ولدي غيظ آخر من هذه الطاقة الصوتية الهائلة، التي تتعامل مع المايكرفون باحتقار، وكأنه  زائدة لا أهمية لها. هل انتبهتم كيف تقف هذه المرأة على بعد نصف متر تقريبا من المايكرفون الذي يتدلى م مكان ما عال، ولا يقف أمامها على ما يشبه الخازوق؟

ولكن غيظي الأكبر يتأتى من الجمهور الذي كان يحتشد في سهرة أول خميس من كل شهر. وقد لاحظت في كل مرة شاهدت فيها حفلا لأم كلثوم أن الجمهور كان دائما يأتي لحضورها في ثياب السهرة، وهو جزء من ثقافة رجعية بائدة، مفادها أن اللباس اللائق نوع من أنواع التعبير عن الاحترام للمكان الذي ترتاده وللفنانين الذين كانوا قد قضو أياما وليالي يتدربون على المقطوعة أو الأغنية التي سيقدمونها لك. فهو إذن نوع من المعاملة بالمثل: فالفنان يقدم لك جهدا حقيقيا، وأنت تكافئه بإبداء احترامك له باللباس اللائق للمناسبة. ويذكرني هذا بالعبارة المطبوعة على بطاقات دار الأوبرا في دمشق، والتي تقول: حضور الحفلة باللباس الرسمي، فينظر اليها الحضور مبتسمين، وهم يخطرون بسراويل الجينز الممزقة.

ولا حظت أيضا في كل مرة أشاهد فيها أم كلثوم أن عدد السيدات مساو تقريبا لعدد الرجال، وأن الاختلاط الوقور والمحتشم بين الرجال والنساء كان باديا ولائقا وحضاريا وجميلا، وهو لا شك يعكس نوع العلاقة التي كانت سائدة بين الجنسين في فترة الأربعينات والخمسينات.

أما الملاحظة الثالثة فهي أن جميع السيدات كن غير محجبات. وهو ما يدل على أن ظاهرة الحجاب ظاهرة جديدة على مجتمعاتنا العربية، في مصر وبلاد الشام على الأقل. والمشاهد لحفلات أم كلثوم يستطيع أن يؤكد أن سفور السيدات والاختلاط بين الرجال والنساء لم يفسح مجالا للشيطان، ولم يدفع النساء إلى الخلاعة والاستهتار ولا الرجال إلى الميوعة الرخيصة والتحرش بالسيدات.

والسؤال الذي لا أرى محيصا من سؤاله هو ما الذي جرى إذن؟ كيف انحدر مستوى الغناء أم كلثوم إلى رولا سعد، والكلمة من روائع أحمد رامي وعبد الوهاب محمد وكامل الشناوي إلى شعراء الواوا وبحب عمرو موسى، والموسيقا من ألحان السنباطي والقصبجي والأخوين رحباني إلى ألحان الحاصودي وشركائها؟

والأهم أيضا، كيف انحدر الجمهور من جمع لائق من السيدات والرجال المحتشمين الذين يجلسون في أماكنهم بإصغاء شديد للكلمة واللحن والصوت الأصيل، إلى حشد من البشر الذين يسمعون بأقدامهم لا بآذانهم، والذين ما أن تبدأ الدربكة بالقرع والكي بورد بتصديع الرأس حتى يعتلون المقعد كصهوات الجياد ويبدأون بالدبكة فوق الكراسي وينطون فوق رؤوس بعضهم بعضا، ويعولون ويزلغطون دون أن يسمعوا للمغني أو المغنية الذي يذوب صوته في الطبلة والمزمار دون أن ينقذه من ذلك أن يضع المايكروفون في فمه كأنه يقضمه كجزرة.

والسؤال لا إجابة سهلة له، فهو نفسه السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ونحن نرى شوارع دمشق الجميلة تغص بالأوساخ وأكياس النايلون، بعد أن كانت مثالا للنظافة والأناقة في أربعينات وخمسينات وستينات القرن الفائت.

وهو نفسه السؤال الذي يطرح نفسه ونحن نشاهد أبنية المدينة الجديدة التي تفتقد الذوق والرهافة والحس العملي، في مواجهة المدينة التي خطها لنا أعظم عقل معماري في القرن الفائت إيكو شار.

وهو السؤال الذي يطرح نفسه ونحن نتأمل إلام آلت حال المعاملات بين البشر. تسير في الشارع ، تصدم رجلا بكتفك، فتزوره ويزورك، دون كلمة اعتذار من أي منكما.

 

وهو السؤال نفسه الذي يحيرك دون أن تجد جوابا له: كيف “ارتقى” مستوى نقيب الفنانين في سورية من صباح فخري ودريد لحام –مثلا- الرجلين الذين يقطران رقة وحساسية واحتراما للآخرين، إلى نقيب للفنانين يحول سلطته النقابية إلى سلطة بوليسية، ومن ثم يقول إن الصحافة وحذاءه سواء. ترى كم هو قياس حذائه؟

 ———————————————

عن موقع ألف، 1/3/2008
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق