من أنت أيها الملاك؟ لإبراهيم الكوني: الاسم الأمازيغي الجريح / حمدي ابو جليل

رواية «منْ أنت أيها الملاك؟» من أعمال ابراهيم الكوني النادرة (ربما الرواية الوحيدة) التي تتعرض لتجربة واقعية وتخوض مباشرة في قضية تؤرق الانسان – الأمازيغي الليبي تحديدا – في اللحظة الراهنة ، فالروائي الليبي الذي عكف على استلهام الموروث الشعبي الصحراوي الموغل في القدم والخرافة وكرر «أسطرته» و«ترميزه» عبر أكثر من ستين عملا روائيا وقصصيا – لجأ في هذه الرواية الى تجربة شديدة الواقعية، أحداثها وشخصياتها تتحرك في مجتمع حضري مديني وتكشف أزمة الإنسان «الأمازيغي» بعد ان غادر حياة الترحال في الصحارى واستقر في المدينة.

قضية «من انت ايها الملاك؟» التي صدرت عن «كتاب مجلة دبي الثقافية» ثم عن «المؤسسة العربية للدارسات والنشر» هي قضية التمييز ضد «الأمازيغ» أو «الطوارق» الذين ينتسب اليهم ابراهيم الكوني ويسكنون في منطقة فزان جنوب ليبيا ويعتبرون أنفسهم أصل جنوب الصحراء الغربية من أول الحدود الليبية في الشرق حتى الحدود المغربية في الغرب، بينما السلطات تعاملهم معاملة الاقلية العرقية الإثنية المشكوك فيها طوال الوقت، وتحرمهم من مجرد ممارسة تقاليدهم ولغتهم وأزيائهم، حتى أسمائهم التي توارثوها جيلا بعد جيل باعتبارها «نتاج ثقافة وثنية تهدد النسيج العربي أو قل العروبي» خصوصا بعد ثورة الفاتح.

الاسم الجريمة

والرواية ترصد هذه القضية من خلال التمحور حول شخصية «مسي» الطارقي الامازيغي «الذي يعني اسمه» مولاي «في لغة الامازيغ، والذي ذهب احد نقاد الروايه الى انه ابراهيم الكوني نفسه، الذي تبدأ به الرواية مهموما في «مكتب السجل المدني» بمدينته الجنوبية يحاول استخراج شهادة ميلاد لابنه البكر كأي انسان، ولكن موظف السجل المدني رفض تسجيل اسم الابن «يورجرتن» الذي يعني في لغة الامازيغ «البطل الكبير» بحجة انه «اسم ليس منا، بلسان ليس من زماننا، لإنسان ليس من زماننا»، كما انه اسم وثني «ماجوسي» ولم يرد في لائحة الأسماء العربية التي حددتها السلطات المختصة وجرمت أي خروج عليها.

وبناء على هذا الرفض بدأ مسي – الذي تمسك باسم ابنه تمسكه بهويته – الرحلة او قل الدوامة الإدارية العنكبوتية التي دارت حولها الرواية، وانتقل فيها من مكتب حكومي إلى آخر ومن مسئول كبير إلى آخر أهم وأخطر ومن تحقيق الى تحقيق حتى رحلت أم الولد حزنا عليه وشب الولد كارها لاسمه وكل الظروف التي أدت اليه وأولها وصية الأسلاف المقدسة التي يتمسك بها الأب تمسكه بالحياة.

وفي النهاية، كما اتضح من اول الرواية، فشل الأب في تسجيل اسم ابنه، ليس ذلك فقط بل فقد اسمه هو نفسه، وسحبت منه بطاقة هويته وصار بلا اسم، فأثناء احد التحقيقات الكثيرة التي أجريت معه اكتشفت السلطات الأمنية انه سُجل بطريق الخطأ في سجلات الواحة النائية التي نزل عليها من الصحراء في بداية استقراره في المدينة، فاسمه «مسي» ايضا مجوسي وثني ولم يرد في لائحة الاسماء المعتمدة من السلطات.

الحجر المقدس

وترتب على سحب بطاقة الهوية حرمان «مسي» من «الحانوت» الذي كان يتعيش منه في المدينة، وصار بلا اسم ولا عمل ومهدد طوال الوقت بالقبض عليه والزج به في معسكر الاعتقال الذي اقيم خصيصا لذويه في المدينة تمهيدا لترحيلهم او قل رميهم خارج الحدود باعتبارهم من المتسللين اللقطاء «الذين انقضوا على البلاد في السنوات الاخيرة انقضاض الجراد ما إن اشتموا في ربوعها رائحة الثروة أي النفط» والذين «يشكلون خطرا على وحدة هوية البلاد يفوق بكثير خطر الجيوش المعادية» كما هدده احد المسؤولين رغم انه ابن هذه الارض وينتمي الى سكانها الاصليين الذين عاشوا وارتحلوا في ربوعها قبل ظهور النفط بل قبل ظهور السلطة التي نزعت هويته!!

وأثناء بحث «مسي» عن مخرج او منقذ لهويته وهوية ابنه وقومه عموما استدعاه مسؤول حكومي كبير يتمتع بسلطات واسعة ويعمل وكيلا لشركة للتنقيب عن النفط، وطلب منه العمل دليلا للشركة في الصحراء مقابل ان يعيد له بطاقته المسحوبة ويعتمد اسم ابنه «يورجرتن» ويستخرج له شهادة ميلاد موثقة، وبالطبع وافق «مسي» نظرا «ليقينه ان القواعد القانونية في مدينته وفي بلاده عموما تتنحى جانبا بل تنسف نسفا بتأشيرة من كبار القوم»، وقرر اصطحاب ابنه معه «خوفا من حدوث ما لا تحمد عقباه أثناء غيابه»، خصوصا في ان الابن بدأ يتذمر ويضيق باسمه وحياته نفسها، وايضا طمعا في ان يطلعه على وصية الأسلاف المقدسة الراقدة أبدا في قلب الصحراء، وقاد رجال الشركة في اعماق الصحراء التي يعرفها جيدا، وأثناء عملهم في التنقيب على النفط في قلب الصحراء تسلل وابنه سرا في الدروب الصحراوية، وعندما وصلا للمكان المعلوم الذي أطلعه والده عليه من سنين همس له «سأطلعك على السر الذي توارثته قبائل الصحراء جيلا عن جيل، والموت قصاص لكل من قاد الأغراب الى ساحته» وأطلعه على وصية الاسلاف المنقوشة على حجر مدفون في اعماق الصحراء ولا يعرفه إلا أهل الثقة من شيوخ القبيلة، وكرر تحذيره «البلاء سيعم، والصحراء لن تعود صحراء، في ذلك اليوم الذي سيقع فيه الحجر المقدس في يد الدخلاء».

نسف السجل

وانتهت أعمال شركة التنقيب في الصحراء وعاد «مسي» وابنه الى المدينة على أمل ان يفي المسؤول الكبير بوعده ويرجع لهما اسميهما، ولكنه سرعان ما اكتشف ان المسؤول لم يتنصل فقط من وعد رد هويته واعتماد اسم ابنه وإنما استغله للوصول للحجر المقدس وسرقته وبيعه للصوص الآثار خارج البلاد بمبلغ ضخم، والمفاجأة الأشد إيلاما انه توصل اليه بمساعدة الابن الذي خان والده وأسلافه وقاده الى مكان الحجر المقدس، وهنا قرر «مسي» الهرب من المدينة والعودة للصحراء التي جاء منها والترحال فيها للأبد، ولكنه قبل ان يرحل قرر قتل ابنه ليس فقط تنفيذا لوصية الاسلاف المقدسة «الموت قصاص لكل من قاد الاغراب الى الحجر المقدس»، ولكن لأن الابن تحت ثقل رفض اسمه وهويته انضم الى مجموعة من الشباب أشباهه وكونوا عصابة مسلحة وقرروا نسف «مكتب السجل المدني» انتقاما من رفضه الاعتراف بهم، وبالفعل تسلل اليه في مطلع الشمس ووجه إليه طعنة قاتلة وعاد للصحراء للأبد في نهاية الرواية.

تشكيك عكسي

هذا ملخص أحداث «من أنت أيها الملاك»، وهي تعتمد لغة يهيمن عليها صوت وحتى تأملات وفلسفات وأراء الراوي العليم، وتستعين بالمجاز لوصف تأثير الأسطورة على وعي الانسان الصحراوي بعد ان يستقر في المدينة، ورغم ان الرواية تدور في الزمن الراهن وفي مدينة محددة في الجنوب الليبي يمكن التعرف عليه من شواهد كثيرة حفلت بها الرواية لعل أوضحها معسكر اعتقال المتسللين الامازيغ وغيرهم القائم حتى اليوم في مدينة سبها عاصمة اقليم فزان في الجنوب الليبي، وهي المدينة التي يعرفها ابراهيم الكوني جيدا وانتقل إليها وهو مازال طفلا ودرس بها المرحلة الاعدادية حسب كتاب سيرته، الا انه جهَل المكان والزمان في الرواية.

والأغرب انه ربما لأسباب رقابية أقحم لقب «الباي» على شخصية المسؤول الحكومي الكبير الذي خدع «مسي» وسرق الحجر المقدس وباعه في الخارج رغم ان هذا اللقب يرجع لفترة سابقة ترجع لأيام الامبراطورية العثمانية ولم تعتمد التعريب ولم يعرف عنها التمييز ضد الامازيغ أو غيرهم من سكان الصحراء فضلا عن انها لم تجرم الاتجار بالآثار بل لم تهتم بالآثار ولم تكتشف قيمتها أساسا!!

كما ان الكوني في سياق دفاعه عبر راويه العليم عن هوية «مسي» و«الامازيغ» عموما شكك في هوية مواطنين آخرين لمجرد أنهم ينحدرون من أصول قديمة ترجع الى دول مجاورة «أولئك الذين يشكون في انتمائهم الى الوطن حقا لأنهم لم يعترفوا به وطنا أصلا إلا يوم ضاقت به الثروات» على حد وصف الرواية!!

وهذا التشكيك أدى الى اندلاع سجال او قل معركة حول الرواية بمجرد نشرها على شبكة الانترنت بين المواطنين الامازيغ والعرب في ليبيا، وهو السجال الذي يلخصه هذين التعليقين الذين ننقلهما حرفيا:

«أمازيغي»

«أزول د امغناس» أو تحية نضالية لكل حماة القومية الأمازيغية المدافعين عن الأصالة والهوية الحقيقية «لتامازغا» أو شمال إفريقيا فنحن شعب الإيمازيغن من سيوة إلى جزر الكناري ومن كاطالونيا إلى أعماق الصحراء الكبرى نقولها ونعيدها: إفريقيا للأفارقة، أما هؤلاء الذين أرضعو جهالة المشارقة وبلادة الأعراب وصفرة آسيا وأرزها ووائدو البنات وبائعو الجواري والرقيق وعباد هبل واللات والعزى وقاتلو أحفاد نبيهم فنبشرهم بيوم موعود يرمون فيه في المحيط أو ليعودو إلى أسيادهم… تحية لابراهيم الكوني وروايته العظيمة».

«عربي»

« للاسف يدّعي الطوارق انهم ابناء الصحراء ولكن هم لصوص الصحراء وقطاع طريقها، ونحن سكان جنوب ليبيا نعرفهم جيدا لان عادتهم وضيعة وتقليدهم رجعي، وابرهيم الكوني واخوته في ليبيا ما هم سوى تجار قضية الطوارق المساكين ودليل على ذلك قصورهم في مدينة طرابلس التى لم يخلق مثلها فى البلاد. اما بخصوص الراوية الجديدة (من انت أيها الملاك؟) فان قصتها ليست بجديدة، والاسماء الغريبة التى لا تمت الى الثقافة العربية بصلة نحن في غنى عنها، فان الاخ ابرهيم الكوني يدعو الطوارق الى قيام دولتهم الغريبة الاطوار في الصحراء الممتدة حتى النيجر على غرار الاكراد في العراق الحبيب وهذا لن يحصل ونحن نتنفس هواء الصحراء العليل»!!

 

عن ملحق السفير الثقافي

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق