من أين يُؤتى بالتعدّد في الطائفة الواحدة؟! / أحمد بيضون

أحبّ أن أعرب عن سروري بصدور هذا التقرير بعد طول عناء كلّفه إعداده وبعد انتظار وقلق تولّد من ظروف معلومة هي في صلب التقرير وهي تبعث فينا القلق على كل ما في هذه البلاد ومن فيها وعلى ما يصنع ويبنى فيها ممّا نعجب به ونقدّر.

أسهمت في الفصل الثالث من هذا التقرير، وهو الفصل السياسي، وبما يليه من توصيات يشتمل عليها عنوان الإصلاح السياسي. وقد أفاد هذا الفصل كثيراً من أوراق تمهيديّة عدّة ومن حلقات نقاش كثيرة جعلت منه عملاً لجماعة وإن نسب إلي. فأغتنم هذه الفرصة لأشكر من جعلوه ما هو، وهم كثر. وحين انتهيت من وضعه كنت مسلّماً بأنه سيدرج في مبنى التقرير وسيتعرّض لكل تغيير في المضمون وفي الشكل يمليه اتّساق الكلّ والانسجام بين عناصره. وقد حصل هذا فعلاً فكان تقديم وتأخير ونقص وزيادة وتبديل في الصيغ والتوصيات أبعدت الفصل شيئاً ما عن حاله التي كان عليها عند خروجه من بين يديّ. ولا أقول هذا لأتبرّأ منه بل لأبرّئه منّي، أي من أبوّة فرد.

جهد هذا الفصل في الاعتبار، بلا تحفّظ ولا تهيّب، بوقائع الأزمة التي كنّا فيها ولا نزال من خمسة أعوام. وجهد في التصريح بما تمليه هذه الأزمة من مستخلصات وما تفرضه معالجتها معالجة تتصدّى لأصولها من تعديل في هياكل البلاد السياسية وإصلاح في مؤسّسات الدولة. وهو لم يتوان عن استقصاء التكوّن التاريخي للمأزق الذي تعبّر عنه هذه الأزمة، بما هي أزمة في النظام السياسي وفي المجتمع السياسي الذي تترجمه المؤسسات السياسية للدولة إلى موازين سلطة وآليات حكم ومحاسبة يرعاها الدستور. وما أفضت إليه المطالعة التاريخية هو أن دورية الأزمات والنزاعات وما يليها من مراحل مصالحة وتوافق في تاريخ لبنان الحديث، أي منذ أن أرسيت القواعد الأولى للنظام الطائفي في أربعينات القرن التاسع عشر، لا تجيز تغليب التشابه بين هذه الأطوار – وهو حقيقي – على الاختلاف الجسيم بينها. فإن كلّ أزمة تفترض وجود طائفة أو أكثر متوثّبة وطامحة تبتغي ترجمة نموّها الاجتماعي – التاريخي إلى تعديل في موازين السلطة أو إلى أرجحيّة سياسيّة، وذلك بتوسّط قوّة أو قوى سياسيّة راجحة فيها. وإن كلّ أزمة تفترض أيضاً وجود طائفة أو أكثر متشبّثة بمواقع غلبة ومصمّمة على الدفاع عن الموازين القائمة ومجهّزة أيضاً بقوى سياسيّة تستعينها على ذلك. وتقتضي الأزمة أيضاً وجود مواجهة محتدمة في محيط البلاد، متعدّدة الطرف عادة بين إقليميّ ودوليّ، توزّع القوى الداخلية ولاءها في ما بين أطرافها، مدداً تطول أو تقصر، وتتقبّل أنواعاً من التبعية لهذه الأطراف تتباين في الدرجة وفي الترجمة وفي المآل، متوسّلة إلى تسويغ ذلك مجانسة في سمة ما من السمات الثابتة (الدين أو المذهب أو النازع القوميّ، مثلاً) أو مجرّد المصلحة.

رغم هذا التشابه البارز في التكوين العامّ بين الأزمات، تفترق هذه في ما بينها بما تطرحه كلّ منها من تحدّيات لنظام البلاد السياسي يقوى أو لا يقوى على الاستجابة لها، في نهاية المطاف. فالطائفة في كلّ مرّة غير الطائفة في سابقتها ومطالبها ومواردها غير مطالب سابقتها ومواردها والحليف الخارجي غير الحليف، ومطامحه تتّخذ قيافة وثقلاً جديدين وتنزل على حبكة ظروف في الداخل وفي المحيط وعلى مناخ سياسيّ وموازين قوى في مدى العالم مختلفة كلّها عمّا كان في الأزمات السابقة. أهمّ من ذلك كلّه أننا وجدنا موارد النظام السياسي الطائفي تتغيّر في اتّجاه التناقص وافتقاد المرونة وذواء القدرة على التكيّف من أزمة إلى تاليتها. وهذا أمر أجملنا مظاهره في متن هذا الفصل السياسي ولا يسعني أن أعود إليها الآن.

ما أستطيعه الآن هو المعاينة الخاطفة لما آل إليه أمر نظامنا السياسي في مهبّ أزمته الجارية. وخلاصة ذلك في سمتين اثنتين هما:
1- فقدان سلطة التحكيم الداخلية عند التنازع بين أطراف السلطة الحاكمة، وقد كشفه انتهاء ولاية الحكم السوري في سنة 2005، فعاد الخروج من كل خلاف أو استعصاء لبناني عند بلوغه درجة معتبرة من الخطر ليستوي شأناً عربيّاً عامّاً تضلع فيه قوى غير عربيّة أيضاً وتتّسع قوسه لتضلع فيه الدول الكبرى والمجتمع الدولي برمّته. وهو ما يعني أن على هذه الدوائر المتراكبة أن تتفق مع المختلفين اللبنانيّين على مخرج يوافقها كلّها ويوافقهم أيضاً… وإلاّ آل الجرح إلى النزف أو إلى التقيّح بلا نهاية منظورة
2- فقدان البدائل في بعض من أرجح الطوائف نفوذاً عند تعثّر التعاون بين ممثّليها في الحكم وممثّلي غيرها إلى حدّ يوجب تعديل الائتلاف الطائفيّ الحاكم وإبدال قوّة سياسيّة – طائفيّة بأخرى مماثلة لها بهوّيتها الطائفية. أفضى فقدان البدائل هذا إلى جعل التبديل المشار إليه يبدو إخراجاً لا لقوّة سياسيّة بل لطائفة هذه القوّة برمّتها من دائرة السلطة. وهذا أمر لا يحتمله النظام الطائفيّ قطعاً وقد أثبتت ذلك مجريات أزمتنا المتمادية من غير أن يكون محتاجاً أصلاً إلى إثبات.

وأما مؤدّى ذلك فهو إلزام متناقضات نعرف درجة تناقضها بالتعايش في الحكم وهو تقبّل وقع هذا المبدأ على سير الحكم وعلى إمكانه أصلاً في بعض الحالات والمسائل. وهو أيضاً ما شهدناه من التباس الحكم بالمعارضة على نحو عجب. ويتجسّد هذا الالتباس في ما نسمّيه “حكومات الوحدة الوطنية” متحدّين بجسارة غير محمودة معنى المصطلح في القاموس السياسي. هذا الالتباس ينتهي، عند كلّ منعطف حادّ، إلى افتقاد البلاد حكمها ومعارضتها معاً. وهو يطرح، إذ ذاك، من جديد المسألة الأولى أي مسألة سلطة التحكيم. وهو يوضح أخيراً تجاوز الأزمة حدود مؤسسات السلطة لتدقّ أسافينها في تكوين المجتمع السياسي اللبناني برمّته وفي إمكان حكم اللبنانيّين أنفسهم مع الإبقاء على هذا التكوين وعلى الصيغة الطائفية التي ولّدته وأملته. هذا كلّه جديد تماماً على نظامنا الطائفي. وما تردد من قول إنه كان دائماً على هذه الشاكلة وإنه لا جديد تحت شمس التوافق الطائفي العظيم ما هو إلا لغو وإهانة للعقل وحتّى للعين المجرّدة. فشل صيغتنا، في تجلّيه الراهن، ليس له سابقة.

كان لنا، لو اخترنا التعامي عن وقائع الحاضر والتاريخ القريب والتراخي عن الاعتبار بها، أن نقول بإنعاش مرجوّ لماضٍ كانت فيه سلطة التحكيم الداخلي مسندة إلى رئاسة الجمهورية وكانت تتربّع هذه الرئاسة على وفرة من البدائل السياسية في الطوائف تعمد إليها كلما اضطرب حبل التفاهم في حكومة. في ذلك الماضي، كانت الحكومات، على التغليب، حكومات رئيس للجمهورية تواليه أكثرية مجلس النوّاب وكانت له الكلمة العليا في مجيئها وذهابها وفي تعديلها أو بقائها على تشكيلها الأوّل. ذلك زمان نعلم أنه ولّى وغبر. نعلم أن استقرار هذه المقاليد في يد الرئاسة الأولى كانت قواعده السياسية – الطائفية لا تني تتقلّص وتهتزّ قبل الإفضاء إلى الحرب. ونعلم أنه أمكن لهذه المقاليد، في مستقرّها ذاك، أن تحصى بين الدواعي إلى الحرب وأن يكون الهجوم عليها والذود عنها بين وجوه هذه الأخيرة، وهي عديدة. نعلم أيضاً أن الوقود الطائفي لهذه المشادّة لم يتضاءل بعد الحرب بل ازداد غزارة وقابليّة للاشتعال.

وأما البدائل التي يتيحها التعدّد فكان موئلها أوّلاً في تقطّع الطوائف بقواها السياسية بين مناطق لا تتواصل في السياسة بل تتنافس، ولا تمنح إحداها وكالة سياسية لزعامةِ منطقة أخرى. وكان موئل البدائل ثانياً في أحزاب طائفية، متنافسة هي أيضاً، ومحصورٌ النفوذ الحاسم لكلّ منها في منطقة أو اثنتين. وكان الموئل الثالث للبدائل في زعامات عائليّة المناشئ، كانت غالبة على جلّ البلاد ولا يلفى لكلّ منها أثر يعتدّ به إلا في منطقة واحدة، كبيرة أو صغيرة، وينافسها، في هذه المنطقة نفسها، زعامة أخرى من صنفها أو حزب من طائفتها، إلخ.، إلخ.

اليوم تبسط الزعامة المقيمة في ضاحية بيروت الجنوبية ظلّها على جبل عامل وعلى البقاع الشمالي وتتصرّف بتوجيه منها أقلّيات من طائفتها تقترع في غير جهة أخرى. وتقرّر الزعامة المقيمة في بيروت الغربية مصير التمثيل النيابي في صيدا وفي طرابلس بل في الشمال المسلم أو المختلط كلّه، وترزح بثقل مرموق أيضاً على ذلك المصير فيما يلي قضاء بعلبك جنوباً من أقضية البقاع. وتستأثر زعامة ثالثة بتوجيه كتل ناخبة كبيرة أو أكثريّة موزّعة بين جملة الدوائر التي يغلب عليها الاقتراع المسيحي في طول البلاد وعرضها. إلخ. وقلّما صمدت زعامة عائليّة المنشأ، ولو في الدوائر الصغيرة، ما لم تمتثل لقطب الطائفة وتصدع بأمره ونهيه.

لولا أن هذا الانتشار لنفوذ القوى السياسية المشار إليها (ومعها واحدة أخرى أو اثنتان أخريان) قد جاء مقترناً بانحصار كلّ منها بطائفة تستأثر بتمثيلها في الحكم أو هي غالبة عليه، لكان بيتنا في قلعة. لكان أمكن لو كنّا أمام أحزاب كلّ منها متنوّع الموائل الطائفية، أن نتخيل توزّعها بين حلفين أحدهما حاكم والآخر معارض ولأمكن أن نتخيّل إمكاناً للتناوب على الحكم بينهما تمليه إرادة الناخبين وتكون المفاوضة السياسيّة سبيلاً إلى جلاء صورته وتكون الخطوط أو البرامج السياسيّة والمواقف من مسائل مطروحة ومعها اتّجاهات الرأي العامّ ضوابط له. لكان أمكن أيضاً أن نتخيّل خلافاً يطرأ في تحالف حاكم فيخرج بواحد من أطرافه إلى المعارضة من غير أن يستعصي على السلطة الحاكمة ضمّ غيره إليها عوضاً منه أو أن يستعصي عليها، إذا تعذّر ذلك، في نهاية مطاف يشغله التفاوض، أن تلجأ مجدّداً إلى تحكيم الناخبين. عندنا عادت هذه المخارج كلّها مسدودة. بات إجماع الأطراف الطائفية المذكورة أعلاه (وليس توافقها، إذ يسمّي “التوافق” الأسلوب ولا يسمّي النتيجة) شرطاً لا محيص عنه لمباشرة الحكم والسير فيه إلى غاياته المتعارف عليها. الإجماع على عظائم الأمور، وأحياناً، على صغائرها أيضاً. الإجماع، سواء أوجد “ثلث معطّل” أم لم يوجد: فلقد “تعطّلنا” نحواً من عشرين شهراً بغير “ثلث معطّل”، ثم أقمنا، مع هذا الأخير، سنة أخرى في التعطّل أو على شفيره. الإجماع إذن: وهو ما لا ترجّحه السياسة بطبائعها، وهو ما يجعله اختلاف الخيارات الكبرى وتعارض التبعيّات لأقطاب الخارج غير حاصل وغير مأمول الاستقرار، في أدنى تقدير، إذا هو حصل.

الصفة الطائفية للقوى المتغلّبة في التمثيل السياسيّ هي وحدها ما يجعلها راسخة في الحكم سويّة رسوخ الجبال من غير أن يبدو وارداً إخراج أيّة منها إلى المعارضة أو ادّخار أيّ منها لتناوب ما على الحكم أو، في الأقلّ، لتعديل ينقذ حكومة إذا خرجت من الحكومة قوّة ما. هذا الرسوخ الجامع مع ترجيح التنازع (والتنازع، في غير هذا السياق، مألوف ومقبول معاً) هو علّة نظام طائفيّ أدركه الهرم… أدركه الهرم في ما يتعدّى شدّة البأس الظاهرة على الطائفيّة، وعاد غير ما كان. رسوخ الأطراف الطائفية بلا بدائل، مقترناً بالتنازع بينها، هو ما نجمله بالقول إن للطائفية تاريخاً وإن أوّل التاريخ غير آخره. وهو – إن جاز اقتراض الكناية من لغة أخرى – حبّة الرمل في إحليل كرومويل. ولا نرى النظام القائم يحير جواباً حتى الساعة في ما يراه مخرجاً من حاله هذه إذ لا رأي لحاقن!

فمن أين يؤتى بالتعدّد في الطائفة لتصبح البدائل موفورة ما دامت الطوائف قد اتّخذت لنفسها واتّخذ لها النظام السياسيّ صفة الوحدات السياسيّة المشكّلة وحدها للبلاد؟ لا يكفي إصلاح النظام الانتخابي مع حفظ طائفيته مخرجاً من هذا المأزق وقد أوضح الفصل الذي نحن بصدده ذلك. لا مخرج منظوراً أصلاً من هذا المأزق في نظام سياسيّ يستبقي المبدأ الطائفي ناظماً وحيداً لأبنيته ولعمله. لا مخرج طائفيّاً من هذا الفشل المدوّي الذي نعيش فصوله لصيغة الطائفيّة السياسيّة.

لم نجترح مخرجاً لهذا المأزق من بنات أفكارنا. وإنما جئنا بالمخرج، في رسمه العامّ على الأقل، من مورد له امتياز القبول المبدئيّ عند جملة اللبنانيين وإغنائهم بالتالي عن إعادة التفاوض على مندرجاته، وهو اتّفاق الطائف. على أنه كان علينا أن نزيل عن الاتّفاق تراب إهمال أهالته قوى لبنانيّة مختلفة المشارب فوق أهمّ فقراته. وكان علينا أن نعيد مفاهيم اعوجّت بفعل التأويل والتجاذب إلى خلقتها الأصلية. وقد انتهينا إلى ما ينتهي إليه القارئ الخالي من مصلحة لفئة تستبدّ به. وهو أن ما نفّذ من الاتّفاق، على علاّت تنفيذه، إنّما يسمّيه الاتّفاق مرحلة انتقالية وأن بلادنا علّقت بتواطؤ من قواها السياسية الرئيسة، المتناحرة في كل أمر آخر، على خشبة هذا الانتقال من عشرين سنة تقريباً. علّقت البلاد على الخشبة ولم يبدأ الانتقال. وقد قلنا ببدء الانتقال، بعد أن هدانا النظر في تاريخ البلاد المعاصر وفي ما عصف بها ويعصف من أزمات وتنازع إلى ما اهتدى إليه قبلنا الحكماء الذين وضعوا الاتّفاق: وهو ضرورة الخروج من نظام الطائفية السياسيّة. هذه ضرورة مدرجة في الدستور. ولكنّ الدستور – شأنه شأن الاتّفاق الذي استوعبه – لا يُستذكر منه إلا ما تُقضى به لبانة المستذكر…

الخروج بأناة مقترنة بالتصميم… الخروج المصون بالإرادة العامّة المؤكّدة ديموقراطياً… الخروج المتدرّج والمبرمج من نظام الطائفية السياسيّة مع الإبقاء على ضمانات للطوائف تتوّجها مؤسسة مجلس الشيوخ. وقد شفعنا تعريفنا المقترح لمهمّة هذه المؤسسة باقتراح بات له قبول مرموق في البلاد وهو اعتماد النسبية في انتخاب مجلس النوّاب. فهذه أيضاً حائل دون التهميش المقصود لطائفة ما أي دون إعمال الطائفيّة المقنّعة. وهو حائل لا يصرّح بوجوبه اتّفاق الطائف ولكنّه يبيحه ويوحي به. عزّزنا هذا كلّه باقتراح آخر يقضي بإنشاء منظومة قانونية وقضائية مناسبة تكبح كل فعل تمييزي يقع بحقّ مواطن أو مواطنين. والتمييز الطائفي – من غير إهمال لغيره من ضروب التمييز – هو أظهر ما كان مستحوذاً على انتباهنا إذ قلنا بهذا التوجّه، وهذا مع التعويل، في هذا المضمار، على مؤسّسات توجد منها اليوم نواة معتبرة في مجتمعنا المدني ويردفها تيّار في ثقافتنا وفي إعلامنا لا نعدّه ضعيفاً وإن حصرته قنوات إعلام طائفية مستبدّة بالسوق.

صفوة القول أننا نرى الانتقال من منطق عماده الحصص الضامنة لتسوير الحوزات السياسية ولتعميم الفساد إلى منطق عماده الضمانات للمواطنين ولطوائفهم ولجماعاتهم الطوعيّة… من نظام قائم على التمييز الطائفيّ إلى نظام مبدأه حظر التمييز وسنّته مكافحته. وما تبقّى من مقترحاتنا ليس تفاصيل. على أن هذا المبدأ الرئيس يؤدّي إلى ما تبقّى بلا افتعال، وليس في وقتنا الآن متّسع لذكر كل شيء. ثم إننا نقدّر أن البدء بفكّ الرابط بين الطائفية وجميع الأرباح… وبين المواطنة وجميع الخسائر… لا بدّ أن يطلق موجة تغيير قويّة في المجتمع السياسي اللبناني وفي تشكيلاته. فقد شاهدنا مجتمعات كثيرة، في العقود القريبة، تحرّرت أنظمة الحكم فيها فتغيّرت خرائط الانتماء السياسي، مع تحريرها، بسرعة تكاد تعصي على التصديق.

على أننا لسنا أغراراً في السياسة الواقعية، ولم يفتنا أن نسأل: من يباشر إخراج البلاد من الطائفية السياسية؟ السؤال واجب لأن الخروج الديموقراطي يستلزم توافقاً على الغاية وعلى السبل لا نراه قائماً. وهو واجب أيضاً لأن المطلب خطير ولأن الانحراف به عن غايته توجّه نحو سوء المصير. نحن نعلم أن الخروج من الطائفية السياسية لا يكون كيفما كان ولا يعهد به إلى أيّ كان. وما نقوله للبنانيين هو أن هذا الخروج ضرورة وأن هذه الضرورة يجب أن تقترن بإرادة تتحصّل من إراداتهم. الضرورة قائمة: لا شكّ عندنا في ذلك. وأما الإرادة فلا نراها جامعة اليوم ولا غالبة. وإذا كان نماؤها يستوجب محاورتها وتعهّدها حيث توجد، فإنه لا يصح أن نركن إلى إعلانها عن نفسها كيف ومن أين أتى الإعلان. لا نجيز المحاكمة على النيّات. ولكن ننصح اللبنانيين باستطلاع الغايات في كلّ حالة.

عن جريدة النهار 2/7/2009

نص قدم خلال حفل اطلاق “التقرير الوطني الرابع للتنمية البشرية في لبنان 2008 -2009 نحو دولة المواطن” في فندق فينيسيا وهو التقرير الذي اشرفت على ادارته من “برنامج الأمم المتحدة للانماء” السيدة مهى يحيى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق