من الجماعة الإسلامية الى الجهاد – غياب التقاليد الفكرية لدى جيل السبعينات أدى الى الصدام مع الدولة المصرية – محمد عويس

استحدث «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» برنامجاً لدراسة الحركات الإسلامية، صدر عنه كتاب «المراجعات من الجماعة الإسلامية الى الجهاد»، بتحرير ضياء رشوان، ويُعد بداية لتنظيم حوار ذي نزعة بحثية حول مراجعات «الجماعة الإسلامية» وتنظيم «الجهاد» والتي تشكل محاولة مهمة في تطور الحركة الإسلامية السياسية الراديكالية، شارك في كتابة فصوله السبعة عدد من أبرز الباحثين في الحركة الإسلامية وبعض نشطائها السابقين: نبيل عبدالفتاح، وحيد عبدالمجيد، عمرو الشوبكي، كمال السعيد حبيب، ناجح إبراهيم عبدالله، منتصر الزيات.

يأتي الكتاب في مرحلة سعي الى إثراء الحوار الجاد حول تلك القضية الحيوية وبين المهتمين بها والمتخصصين فيها، إذ من المنتظر أن يتواصل ويمتد مع كتاب آخر سيصدر ضمن البرنامج حول وثيقة «ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم» التي أعدها أمير تنظيم «الجهاد» السابق وأحد أبرز منظّري الحركة الجهادية في مصر والعالم سيد إمام الشريف (الدكتور فضل) والتي حوت مراجعات فكرية عميقة وجذرية للغالبية الساحقة من الأفكار الجهادية السابقة للجماعة.

يشير ضياء رشوان في الفصل الأول «المراجعات: المعنى – السياق – الدلالات» الى أن مسار عملية المراجعات منذ إطلاق مبادرة وقف العنف قبل 10 سنوات واجه الكثير من الصعوبات والعوائق التي نجحت في تجاوزها، وأبرزها: تشكك كثير من الأطراف الدولية والمجتمع في مصر في صدق المبادرة ورغبة «الجماعة الإسلامية» الحقيقية في القيام بتلك المراجعات الجذرية نظراً الى تاريخ الجماعة الطويل مع العنف، أيضاً وقفت صعوبات داخلية في صفوف أعضاء الجماعة القاعديين (نسبة الى انتمائهم الى «القاعدة») عقبة حقيقية أمام قيادتها ورغبتهم في إقناعهم بالمراجعات والأفكار الجديدة.

ولكن التغلّب على تلك العقبة المهمة ساعد عليها عاملان رئيسان، أولهما البنية التنظيمية المحكمة للجماعة الإسلامية والتي يتمتع فيها قادتها بصلاحيات واسعة تجاه أعضائها اكتسبوا معظمها من تقدير واحترام لهم من الآخرين وصل أحياناً الى حد المبالغة. العامل الثاني تمثل في اقتناع بعض مسؤولي أجهزة الأمن المصري بصدق مبادرة الجماعة ورغبة قيادتها الحقيقية في المراجعة الشاملة الجذرية لأفكارهم ومواقفهم العملية، وهذا الاقتناع مصدره عدم تورط أي من أعضاء الجماعة في أي عملية عنف خلال السنوات القليلة التي تلت إعلان المبادرة، وحتى صدور أول كُتب تصحيح المفاهيم.

واللافت في تجربة مراجعات «الجماعة الإسلامية» المصرية كما يرى رشوان هو نجاحها التام في الوصول الى الإجماع داخل الجماعة على ضرورة الرجوع عن أفكار وممارسات الغلو والعنف، إلا أن المرحلة التالية المتعلقة بالبدء في كتابة المبررات والشروح الفكرية والشرعية التي تقف عليها الجماعة في مرحلتها الجديدة شهدت بعض الاختلافات حول تلك النصوص وبعض ما احتوته من آراء وشروح ومبررات، إلا أن تلك الاعتراضات تميزت بخصائص عدة منها: عدم مساسها بالمبدأ الأصلي وهو التخلي عن ممارسات وأفكار الغلو والعنف، تناول تلك الاعتراضات لبعض التفاصيل أو أجزاء من أبحاث المراجعات من دون أن ينصب على منهج المراجعات، سواء داخل مصر أو خارجها، كان قائماً على مبدأ الحوار وليس بالنظر إليهم باعتبارهم خارجين عليها.

بينما تتمثل العوائق الرئيسة أمام مراجعات تنظيم «الجهاد» في أمرين، الأول: هو الطبيعة التاريخية والتنظيمية للجماعة، إذ لا تزال الانقسامات والحساسيات التاريخية بين مجموعاتها المختلفة قائمة على رغم توافق قياداتها وأعضائها على الإقرار بقيادة وزعامة بعض رموزها التاريخيين مثل سيد إمام الريف وعبود الزمر، فهذه السمة للجماعة ستجعل من الصعب إدارة عملية المراجعة الفكرية والتاريخية بالكفاءة والالتزام نفسيهما اللذين تمت بهما داخل صفوف «الجماعة الإسلامية». والعائق الثاني تمثل في وجود عدد أكبر من أبناء الجهاد منخرطين في حركات جهادية دولية ويتولون مسؤوليات رئيسة وعلى رأسهم أيمن الظواهري الذي واجه «وثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم» بحملة واسعة من الهجوم والتشكيك في دوافعها، ما يجعل قيادات «الجهاد» تهدئ من اندفاعها نحو إنجاز المراجعات بصورة كاملة.

وفي سابقة تُعد الأولى في مساهمة أحد القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية ورئيس تحرير موقعها الرسمي على «الإنترنت»، تأتي مشاركة ناجح إبراهيم حول «الجماعة الإسلامية بين المبادرة والمراجعة» في الفصل الثاني من الكتاب موضحاً أهم الملامح الرئيسة للمراجعات الفكرية وهي: توجيه الشباب الى أهمية النظر في المصالح والمفاسد، وما يعرف بفقه المآلات (النتائج) بحيث لا يخوض الشباب غمار صدام عنيف يعود ببالغ الضرر عليه وعلى دينه ووطنه، معارضة ما يقوم به البعض من تفجيرات عشوائية تؤدي الى إزهاق أرواح المسلمين لأسباب واهية، وإعادة قراءة بعض الفتاوى التي تم تنزيلها على واقعنا المُعاش في الماضي تنزيلاً خاطئاً، ما أفضى الى مفاسد كفتوى التتار، إذ خرجت الجماعة بنتيجة مهمة هي أن الجيوش المعاصرة في الدولة الإسلامية تختلف جذرياً عن جند التتار، وبالتالي فقياس هؤلاء على هؤلاء هو قياس فاسد، كما قدمت الجماعة رؤية تمثل نتاج فكرها طوال السنوات الماضية في قضية الحاكمية والعلاقة المفترضة بين الحاكم والمحكوم في ظل تعاليم الإسلام ومبادئه، وجاء فيها أن مجرد ترك الحكم بما أنزل الله لا يُعد كفراً إلا إذا انضمت إليه أمور مثل الجحود أو تفضيل حكم البشر على حكم الله.

ويلقي ناجح إبراهيم باللوم على الدولة في عدم الاستفادة من طاقات الشباب المسلم الصالح ومن الطاقات الإيجابية العظيمة للحركة الإسلامية في تنمية المجتمع وتهذيبه وتطويره وتنقية أخلاقه، وهذه المهمة فشلت فيها دول المنطقة العربية الإسلامية ونجحت فيها الحركات الإسلامية، على حد قوله.

ودعا كمال السعيد حبيب الذي يُعد، إضافة الى خبرته البحثية، أحد القادة التاريخيين لتيار الجهاد الإسلامي، ومن أوائل الدعاة الى المراجعة الفكرية داخله، في دراسته المعنونة «خبرة تنظيم الجهاد في المراجعات» الى ضرورة حسم التردد والتنازع بين «العولمية» والمحلية سواء من جانب التيار الجهادي المراجع أو من جانب الدولة وأجهزتها الأمنية، بحيث يثق المراجعون كأن لا مستقبل لهم إلا بالتأسيس لوضع يضمن لهم وجودهم واحترامهم وكرامتهم في أوطانهم بعيداً من استقطاب العولمة. وعلى الدولة وأجهزتها السماح للمراجعات بأن تكتمل، فالمراجعة هي خط الدفاع محلياً في مواجهة الاقتحام العولمي من جانب «القاعدة» من ناحية، ومن جانب المطالب الأميركية من ناحية أخرى.

وأضاف حبيب أن المراجعات التي يقوم بها تنظيم «الجهاد» تُعد تطوراً مهماً لا بد من رعايته ودعمه، فهو تأسيس لتيار جديد يمثل مقدمة لبناء توجهات جديدة في البناء الثقافي والفكري للحالة الإسلامية التي لها منزع جهادي، خصوصاً أن غياب التقاليد الفكرية والثقافية والمنهجية أمام جيل السبعينات من القرن الماضي قاد الى تأويل خاص ذهب الى الصدام مع الدولة. كما أن غياب التقاليد والخبرات الحركية لدى هذا الجيل قاده لاقتحام عوالم مجهولة لا يحسن معرفتها، خصوصاً عوالم تغيير السلطة، «ومن ثم فنحن الآن عبر المراجعات نرسي تقاليد وخبرة فكرية وحركية جديدة يمكن من خلالها أن نتعامل مع التراث والفكر المعاصر بمنهج جديد ورؤية تزاوج بين النص والواقع في توازن إيجابي نافع».

وتناول الفصل الرابع «المراجعات بين خبرة الجماعة الإسلامية وحالة جماعة الجهاد»، إذ خلص منتصر الزيات الى الكثير من الدروس والنتائج، أبرزها: ان فكر المراجعات إسلامي أصيل وهذا لا يقلل من شأن القائم به، إن المراجعات الفكرية الاختيارية هي الأجدر بالنجاح والاستمرار، والحوار بين الأفكار هو أنجح طريقة للالتقاء والاتفاق والتفاهم، كما أن منطلقات كلتا المبادرتين مختلفة، ففي حين تعلن «الجماعة الإسلامية» عن خطئها وخطأ رؤيتها وقصورها في التأصيل، أعلنت جماعة «الجهاد» إساءة فهم أعضائها لتأصيلاتها الشرعية، وعزت مراجعاتها الى الظروف الدولية التي أوجبت التكاتف لصد الهجمات الشرسة ضد المسلمين ودولهم، ولكن كانت النتيجة في كلتا المبادرتين واحدة تمثلت في إنهاء دوامة العنف وإطلاق المعتقلين.

وفي دراسته حول (الخطاب الإسلامي الراديكالي المتغير: فقه المراجعات، إشكالياته، إعاقاته)، يرصد نبيل عبدالفتاح إعاقات بنائية في الواقع السياسي والثقافي والديني في مصر تحول دون استكمال المراجعات لدورتها الفكرية والجدلية بحيث تسفر عن تحول نوعي في الفكر الإسلامي نحو إنتاج تجديدات اجتهادية جديدة، ويمكن إيجاز تلك الإعاقات على النحو الآتي: – حالة النفي المتبادر وأشباهها داخل الحياة السياسية والثقافية المصرية، لا سيما في ظل الاستقطابات الفكرية الحادة بين «الجماعات الإسلامية» السياسية عموماً، وبين القوى السياسية العلمانية وأشباهها، كذلك التناقضات والاستبعادات بين الإسلاميين الراديكاليين، وجماعة الإخوان المسلمين، وبين الأزهر عموماً والراديكاليين حيث يسود التنافس السياسي الديني ويترتب على ذلك فقدان حالة حوار أو جدال تؤدي الى غور تطور الأفكار والاجتهادات، خصوصاً الدينية، – سيطرة السياسي على الديني والعقدي بما يؤدي الى بروز التوظيفات السلطوية، والمعارضة الإسلامية للديني والعقدي، واستثماره في اللعبة السياسية المباشرة، بما يحد من إمكانات تحرر الديني من السياسي ونزوعه صوب الاجتهاد والتحرر من الجوانب الفقهية والتفسيرية والنقلية، – البنية السياسية التسلطية والثقافية السياسية الطغيانية والامتثالية السائدة وتأثيراتها في الحوار وآلياته في مصر، حيث يشيع العنف اللفظي في المجالات السائدة، والمناخ الفكري القائم على التنابذات الخشنة المتفجرة التي لا تساعد على استكمال المراجعات في بيئة فكرية ملائمة.

ويختتم عبدالفتاح ملاحظاته بالإشارة الى أن هناك ثمة مشكلات ستواجه قادة تنظيم «الجهاد» وكوادره، من بينها دمجهم في المجتمع المصري اجتماعياً وسياسياً، ثم يتساءل: هل يتحول الدمج الاجتماعي الى إمكان دمج سياسي في إطار حزبي أو في إطار جمعيات أهلية؟ أسئلة مفتوحة على واقع مشحون بالتوتر والمشكلات المتراكمة، ولكن يبدو أن أي مسعى فقهي نحو إنتاج اجتهادات عميقة تمس بنية العقل الإسلامي النقلي وإنتاجه يحتاج الى إعادة هيكلة سياسية نحو الديموقراطية والتعددية ثم الانتقال الى ضرورة إصلاح التعليم عموماً والمؤسسة الإسلامية الرسمية على نحو يجعلها قادرة على تأسيس اتضاح واطلاع على ثورة المعرفة حتى تكون طرفاً في المعرفة والجدل والحوار الضاري.

ويقرر عمرو الشوبكي في الفصل السادس المعنون بـ «الجماعات الجهادية والمجال السياسي: من المعضلات الفقهية الى تحديات الواقع» أن هناك ثلاثة سيناريوات مستقبلية تطل أمام (عناصر المراجعات)، هي:

1 – تأسيس حركة سياسية سلمية ستكون على الأرجح أكثر أصولية وتشدداً من جماعة «الإخوان المسلمين»(…).

2 – انضمام بعض العناصر الجهادية إلى جماعة «الإخوان المسلمين»(…).

3 – وهو السيناريو الراجح في المستقبل المنظور، وهو أن يقتصر نشاط «العناصر التائبة» على النشاط الدعوي من دون أي دور سياسي وحزبي(…).

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق