من السخرية إلى الضحك… من التخريب إلى الحرية

منذ أن تعرفت بأدب البريطاني دوغلاس أدمز، والغيرة المؤلمة تحفر فيّ! لا أدري أين تماما..؟ إلا أنها تحفر في أماكن عميقة حقا، مثيرة للحنق، كونها تبعث مشاعر ليست إيجابية أبدا، لا تمتّ إلى التحريض الخلاّق، أو الثوران الإبداعيّ الفيّاض بأيّ شكل.. بل على العكس، هي غيرة مرضيّة نهّاشة، يقول حكماؤنا أنها تدمّر صاحبها .. غيرة كانت ولا زالت تحبطني حتى أدرك مدى عقمي الروحي، وفقر المخيلة في حبكات كلّ الحكايا التي رويت، أو خططت كي أروي..

فأنا -لا تستغربوا هذا التقديم- روائية شابّة..! روائية بشهادة عدد لا بأس به من الأشخاص وبوثيقة ” قرار وزاري، ثقافي إلى حدّ كافٍ” بالصدفة أو بقصدية مريبة، لا يهمّ.. المهم أني و بلعنة ما، أو حكمة ما، وجدت نفسي اُحسب على جماعة من يكتبون في هذه الرقعة من الأرض!

لكن لا أدري لمَ تصيبني تلك الحالة، من فتور الهمة والقلق، أو الخجل و التلاشي كلما ازدادت تلك الصفة التصاقا بي “صفة الروائية” أو حاولت تصديقها كما يفترض أن يفعل الآخرون..

وهم على كل حال، عدد قليل من البشر “لجنة حكومية وخمسة وخمسون شخصا” ذوو الاهتمام، أو مدّعو الاهتمام، وزِّعت عليهم روايتي اليتيمة “مجانا”! ربما كانوا قد ابتسموا بضع ابتسامات “مطعوجة” عندما مروا سريعا على صفحاتها القليلة.. لكن كلّ هذا لا يهمّ..

السؤال الآن.

لمَ أخجل، أو أتلاشى أو أحبط؟..؟ فعلا لا أدري..! أو ربما أنّي أدري قليلا..

بحثت مطولا عن إجابة، إلى أن وجدت نظرية أرضت بعضا من فضولي المرهق، قد أستطيع مشاركتها معكم “طبعا ليس بحسن نية” فلعلّ البوح يخفف وقع الحقيقة، أو أن انتشار فضيحة ما يجعل الجميع شركاء. بمَ؟ بالحقيقة طبعا..! لأنها كلّ ما نطلب الآن أو دوما..
دعونا من الاستطرادات ولننبش في العمق..

لمَ دوغلاس آدمز؟ ومن هو دوغلاس آدمز بأي حال من الأحوال..؟ لن أجيب الآن، ربما لاحقا..

السؤال الأهم ما الذي أغواني به.. أو بأدبه!؟ من ترك شياطين أفكاره النضرة طليقة تتراقص بإيقاعات مجنونة تهزأ من مخيلتي المبتورة..؟؟ وترثي الصوت الحر، اللاهي، الذي فقدته منذ أن تلوثت بالوعي.. أو بوهم الوعي.. الإجابة بديهية تماما، واضحة وضوح البساطة، حرّة كما المخيلة النضرة..

إنها القدرة على تخصيب الضحك، خلقه أو اختلاقه، تكوينه..! إنشاؤه، تأسيسه في اللغة، تجذيره في الوجدان وإطلاقه في امتدادات لا تحدّ! نتحدّث هنا عن الضحك..

نتحدّث عن إنتاج مخلوق سليم معافى .. مجرّد من الهواجس، حرّ دون ارتباطات ماضوية، ملوّن كالفرح، حاضر جدا، لا يعترف بالتاريخ، ولا بسطوته الوحشية، صوته صاخب نسي معنى الخوف، والهمسات المهمهمة، في وجه المتنصتين في القاعات المغلقة، والاحتفالات العامة، لا يمت للسخرية النازفة بسوادها، أو زرقة أحزانها الثقيلة بأي صلة، لا يفهم معنى التخريب، ولا الروح الهدامة للسخرية، للاستهزاء، ذاك البديل الباهت، المسحوب الدسم، منزوع النكهة، الذي اعتاشت عليه أرواحنا المنهكة قرون طوال..

الضحك.. مكتمل بذاته، معرّف دون صفة، لا ينبع من السخرية لأنها ظله الرمادي، لأنها معادل آخر للسلبية.. للجهد المسفوح لأيد تحفر في أرض يباب، تحلب نوق ناضبة، تحاصر بصحراء تامة، بثلوج أبدية، مكتملة كالموات، نهائية كالبياض..

نتحدث إذا عن إيجاد الضحك، القدرة على الضحك، الحرية حتى الضحك، حتى الوصول إليه، إطلاقه في مدى واسع لا يحد.. التحرر من شرط عقلي صارم، مقيد بوعي بائس، والوصول إلى شرط مختلف باذخ، مترف.. يقلص القهر حتى حدوده الأولى، حدود تمحى تماما في حالات عقلية، وعقلية جدا، عندما تتقافز الضحكة حرة بين شروط الإدراك والوعي فترفضهما ترفا، وتلغي الحاجة والضرورة إلى مبررات المنطق، وأحقيية الأسئلة الكبرى.. فتصبح الضحكة وعاء لكل قلقك وهواجسك وخوفك ورعبك من ماض فاشل ومستقبل مجهول، وعاء تملؤه بفائض انفعالي، ثم بانطلاقة مذهلة ولحظات من حرية لا تنسى، ترميه من ذهنك المتعب مثل انفجار كوكب مضيئ.. يغمر روحك بالنور، مثل انقشاعة ذهن متقد، ناره حارقة لكن ضوءه يغمر الكون، عندها تتضح الرؤية لديك، وتتقلص كل مساحات القلق وتصل الحرية، لتبقى في لحظة تعاظمت كأنها اختزلت حياة بأكملها.. حياتك أنت! عندها تصبح حياتك فائضة، فائض يشعرك بالغنى، لأن لديك ما ترميه، ما تستغني عنه، أو ما تحاكمه دون كراهية، أو خوف، دون قلق، أو رعب، فقط لحظة من الوضوح والاختزال تنير دربك تحررك.. لتصبح غنيّا..! غنيّ أنت بضحتكك، لأنك استطعت أن ترمي شيئا أتعبك، أن تستغني عن وعيً لا يلزم، لتستبدله بوعي أعمق، يملأ مساحات الوجدان، يثري دقائقك، ويدعم لامبالاة نادرة، واسترخاء جديرا بأن يعاش، يعاش فقط بلحظات ينبض فيها القلب بفرح، بأمان، لتعلم أنك تحصن رجاحة عقلك بالضحك، تحمها من لامعقولية تحاصر كل الأفعال التي نمارسها، باعتيادية بليدة..

فمن هم الضاحكون!؟ وفي أية أفران يخبزون ضحكاتهم، يمررونها طازجة، حارة، منكَهة بالحياة، إلى مستهلكي ثواني عمرنا الذي طال من ملله..!؟ كيف تخلق الضحكة فضاءات من الاسترخاء، كيف تُغلف بلحظة هاربة من إيقاع رتيب، وجوه الحقيقة بالغفران والقبول، ليصبح الضحك فعلا صوفيا، نقيّا كصوت مفرد، منتجا يقارع القهر بخفّة نسمة، وقدرات إله رحيم؟ ليغدو تطهّرا من زيف أنتجه وعي ملوّث أصلا، بحقائق تدّعي حقيقيتها..

الضاحكون: ثائرو حياتنا، أبطال هم دون تراجيديات الإغريق.. شجعان لم يبحروا مع يوليسس في تيهه.. ولا غمروا بأطياف هولات السحر الملعون.. مجرد بشر عاديي الهيئة انتموا للحرية، مارسوها دون أن يبشّروا بها.. ضحكوا..! ضحكوا إلى أن هزلت كل الحقائق.. تقلصت كموجة، وعادت كموجة أخرى، بمياه تحمل رمالها، تكتب نصّا وتمحو آخر.. هكذا براحة، بطفولة، يتحرّك الضاحكون من أفق حتى أفق..

فهل يلزم بعد الآن أن أخبركم من يكون دوغلاس آدمز..؟؟ حسنا إنه كائن حرّ جدا..

على كل ابحثوا في en.wikipedia.org/wiki/douglas-adams

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق