من المحافظة الجديدة إلى الويلسونية القديمة!

لا شك أنَ مسافة كبيرة تفصل ما بين كتاب فرانسيس فوكوياما “نهاية التاريخ” الذي كتبه في تسعينات القرن العشرين المنصرم، منحازاً إلى أجواء ومشاعر الانتصار التي كانت تعيشها ليبرالية “العالم السعيد” في الولايات المتحدة الأميركية إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وكتابه الجديد “الولايات المتحدة في مفترق طرق: القوة والسياسات ومواريث المحافظين الجدد”، وهو كتاب يعكس مشاعر الخوف والقلق والانزعاج التي تسود أوساطاً واسعة من الشعب الأميركي ونخبه الفكرية الثقافية، ممّن باتوا لا يعرفون أين ستقودهم السياسات الطائشة لإدارة الرئيس جورج دبليو بوش.

لقد تغيرت جملة كاملة من الأفكار والمواقف والظروف، وحلّت مرحلة كارثية في النظام العالمي الراهن، الذي شهد انفرادية وغطرسة غير مسبوقتين في سياسات الدول، وصعودا واسعا لأصوليات متطرفة : الأصولية الإنجيلية الجديدة بزعامة المحافظين الجدد، وأصولية إسلامية طالبانية بزعامة أسامة بن لادن، وبات الصراع بينهما عنواناً لمواجهة مفتوحة بين عالمين، تجسّدت في حرب رسالية، يزعم كلا الطرفين أنَه مكلَف بها تكليفاً إلهياً، جلبت الويلات إلى العالم، ولم تخلّف سوى المزيد من الرعب والخوف والكراهية واضطراباً عالمياً ودماراً في العراق يُذكر بدمار المآسي الإغريقية القديمة.

ولم يشهد العالم موجة من الانتقاد مثل الموجة التي طالت سياسات المحافظين الجدد التي تعتبر السبب الرئيسي في المأزق الذي تواجهه الإدارة الأميركية في العراق، كما لم تقتصر هذه الموجة النقدية على المحافظين الجدد ، بل طالت الشخصيات والمثقفين الأميركيين الذين أيدوا الحرب على العراق منذ البداية أو حرّضوا عليها، أمثال المستشرق المتعصب لصهيونيته برنارد لويس. فهذه الحرب لو استمرت في ذات الطريق الذي تسير فيه، فإن المؤكد هو أن المحافظين الجدد سوف يسقطون في نظر التاريخ وفي نظر الشعب الأميركي. وستسقط معهم المحافظة الجديدة، سواء كرمز سياسي أم كمنظومة فكرية، بعد أن تطورت إلى شيء لا يمكن لأحد أن يؤيده، كما استنتج ذلك فوكوياما مؤخراً.

ويقترح فوكوياما على الإدارة الأميركية أن تقرن جهودها الهادفة إلى “نشر الديمقراطية” بالتزام واسع النطاق بتنمية الدول الفقيرة، وأن توجه جهودها ليس فقط لتقوية الاقتصاديات، ولكن كذلك لتقوية مؤسسات تلك الدول التي يوكل إليها تنفيذ السياسات الاقتصادية، وخاصة في الدول التي تعاني ضعف المؤسسات وفسادها. ويحذر: إن لم تقم الولايات المتحدة بهذه المهمة فإنه لا أمل في تنمية تلك الدول وتطويرها، الأمر الذي سيحول دون نجاحها في مسعاها لنشر الديمقراطية فيها أو تعزيز وجودها بها على المدى الطويل. ويطلق فوكوياما على النهج الذي ينصح الإدارة الأميركية بإتباعه اسم “الواقعية الويلسونية” (الويلسونية نسبة إلى الرئيس وودرو ويلسون).

إنها ليست دعوة إلى العودة إلى الواقعية المنفعية الضيقة، لأن ذلك هو آخر ما تحتاجه السياسة الخارجية الأميركية اليوم، بل دعوة إلى انتهاج “الواقعية الويلسونية”، تلك التي تزاوج بين الأهداف والوسائل. فبعد فشل انفرادية المحافظين الجدد، فإن الحل يكمن في الدعوة إلى قيام “عالم متعدد في تعدديته” يتشكل من مؤسسات دولية متداخلة ومتنافسة أحياناً تنتظم ضمن خطوط إقليمية ووظيفية. ويرى فوكوياما أن الإرث الأسوأ الذي يمكن تصوّره لحرب العراق يكمن في دعوة مضادة لدعاوى المحافظين الجدد، من شأنها الاقتران بنزوع حاد للانعزال وبسياسة منفعية واقعية ترى مصلحة الولايات المتحدة في التحالف مع سلطات صديقة فقط.

هكذا، وبعد مرور ستة وثمانين عاماً على هزيمة “وودرو ويلسون” في عام 1920، يعود شبح الويلسونية من جديد كي يخيم على الولايات المتحدة الأميركية، وينقل فوكوياما من المحافظة الجديدة إلى الويلسونية القديمة، مع أن شبح الويلسونية لم يغادر ساسة الولايات المتحدة الأميركية رغم تعاقب الإدارات واختلاف الوسائل والمبررات، إذ بقيت أفكار هذا الرؤيوي تخيم على صناع القرار، وتجسدت مع مفتتح الألفية الثالثة في الرقابة على التسلح وبرامجه (كوريا الشمالية، إيران)، ونشر الديمقراطية (غزو العراق وأفغانستان، مشروع الشرق الأوسط الكبير)، وتحرير التبادل التجاري (اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة)، وتحولت إلى أهداف إستراتيجية ثابتة في السياسات الأميركية.

وقد ذهب معظم رؤساء الولايات المتحدة الأميركية،بدءاً من فرانكلين روزفلت،إلى محاكاة شبح ويلسون أو لبس قميصه، وصار المؤرخون والساسة يطلقون أوصاف الويلسونية عليهم. بل راحوا منذ سبعينات القرن العشرين المنصرم يتبارون حول الرئيس الأشد ويلسونية من ويلسون ذاته: رونالد ريغان، أم بوش الأب، أم كلينتون، أم بوش الابن؟

إن الويلسونية، كما يقول د. غسان سلامة، “عبارة عن وعاء مفهومي فضفاض يمكن لشخص مقتنع بتوجهاته العالمية أن يجد فيه ما يلزم لشرعنة مغامراته العسكرية ولتغذية هوسه بالديمقراطية الشاملة” (أميركا والعالم، 2005)، لكن ويلسون تحول إلى رمز للتطلعات والآمال الأميركية، وأيضاً رمزا للخيبات والفشل، مع أن إرث الويلسونية ملتبس ومبهم، إذ تختلط فيه الدعوة إلى نشر الديمقراطية بالحرص على حق الشعوب في تقرير مصيرها و العمل على إنشاء مؤسسات دولية تحمي الأمن الجماعي.

غير أن حق الشعوب في تقرير مصيرها لم يمنع ويلسون من مناصرة مبدأ “تغيير الأنظمة بالقوة”، بل أيَد ـمنذ أن كان في جامعة “برنستون”ـ بحماس غزو الفليبين وضمها، بدعوى الرسالة الحضارية، ولم يخف حماسه للمركزية الأميركية وللأمركة حين قال “علينا فتح الشرق وتغييره، ومن واجبنا فرض مقاييس الغرب عليه”، كما لم يكن مناهضاً للنزعة الإمبراطورية التي بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر،وعليه فقد اعتبرته معظم المجموعات السياسية الأميركية منهلاً لتأكيد أفكارها الصاعدة، ومعلماً لعظمة إسهام الولايات المتحدة في التاريخ العالمي، ورائداً لمقولة التفوق الأميركي، وللتمركز والحماس القومييين، ولجاهزية الولايات المتحدة الأميركية في التدخل العسكري من أجل تصدير القيم الأميركية وفرضها.

وقد فات فوكوياما أن بوش الابن لا يبتعد كثيراً عن ويلسون من جهة امتلاكه ذات الصفات، وخصوصاً في البعد الديني، فهو يردد مثل ويلسون بأنه “أداة الله الذاتية”، ولا يملّ تكرار مقولة ويلسون عن “اليد الإلهية التي أوصلتنا إلى حيث نوجد”، واعتقاده بأنه مكلف تكليفاً إلهياً بما يفعله، وأن أباه الأسمى هو الله نفسه. ويشبهه كذلك من حيث كونه داعية لنشر الديمقراطية والحريات في العالم أجمع، وفي ذات الوقت لم يتردد في التضييق عليها وتهديدها داخل الولايات المتحدة الأميركية، فكلاهما لم يتقبل أي معارضة في الداخل، حيث نفى ويلسون معظم معارضيه أو سجنهم ، واتخذ بوش جملة من الإجراءات والقوانين (قانون المواطنة، والتنصت على المكالمات الهاتفية..) التي تحدّ من الحريات تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. وما يقرّب وجه الشبه بين الرجلين هو إيمانهما بمبدأ “تغيير الأنظمة بالقوة”، حيث توّج ويلسون مغامراته التغييرية في إزاحة رئيس المكسيك “فيكتوريانو هويرتا”، كي يُعلّم شعوب أميركا اللاتينية ودولها كيف تنتخب “حكاماً جيدين”، مع أن الحكام المستبدين والطغاة كانوا ينتشرون في كل مكان من العالم في ذلك الوقت، وعليه لم يتردد بوش الابن في جعل العراق مختبراً لعقيدته الانتقائية في تغيير الأنظمة، فحوّل بلاد الرافدين مرتعا للإرهاب والاقتتال الطائفي والمذهبي، وبلاداً مدمرة تحت درجة الصفر.

يبحث فوكوياما عن أفكار جديدة تتعلق بالصلة التي تربط أميركا بالعالم، أفكار تستبقي الإيمان بكونية حقوق الإنسان، وفي الوقت ذاته تستبعد الأوهام حول فعالية القوة والسيطرة الأميركيتين في تحقيق تلك الأهداف. وسيجد ضالته في صياغة “ولسونية واقعية”، تخلق انسجاما بين الوسائل والغايات، كي يختبئ وراء شبح ويلسون الأخلاقوي، ويخفي الميل المحموم للساسة الأميركيين إلى التدخل الخارجي.

ولم يفعل المحافظون الجدد سوى ارتداء قميص ويلسون، حين أخذوا بميله للحملات العسكرية، واتكئوا على رفضه لمنطق ميزان القوى كي يفرضوا القيم الأميركية بالقوة، وعليه تأتى للمحافظين الجدد الذهاب إلى ذلك المدى الذي يهدد بنسف أهدافهم ذاتها، بعد أن استخدموا هامش القوة الذي تتمتع به الولايات المتحدة لفرض نوع من “الهيمنة الرحيمة” على بقية أجزاء العالم، وحل مشكلات الدول المارقة التي تحاول الحصول على أسلحة دمار شامل. كما استند المحافظون الجدد إلى “الرسالة الأميركية” بمفهومها الويلسوني كي يعملوا على التوحيد بينها وبين المصلحة الوطنية الأميركية، وتثبيت الأمن القومي الأميركي والأمن العالمي بسياسات القوة والحروب الاستباقية.

ليست الويلسونية إذاً، حتى وإن كانت واقعية، بعيدة عن توجهات المحافظين الجدد، لأنها ليست مذهباً يدعو إلى الديمقراطية، كما يقول رونالد ستيل، بل هي مذهب الاستثنائية الأميركية، أو “المدينة المشعة فوق الجبل” التي تتسع لتشمل العالم كله، بوصفها الدليل الإيديولوجي للهيمنة الأميركية على العالم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق