من الوسط الذهبي إلى الوسط الماسي


       كان البحث في الفضيلة وتحديد معناها ووضع معاييرها أحد الموضوعات المحورية التي شغلت المرحلة المتأخرة من الفلسفة اليونانية، وهي المرحلة التي بلغ فيها الفكر اليوناني أوج تطوّره مع سقراط وأفلاطون وأرسطو. ويعود سبب اشتغال سقراط بمشكلة الفضيلة، وغيرها من المشكلات التي حدّدت جوهر فلسفته، إلى محاولة التصدّي للحركة السفسطائية وحلّ الإشكالات والتناقضات التي أوقعت العقل فيها، عندما انتهى المتأخّرون من السفسطائيين إلى أنه لا يمكن وضع معايير ثابتة للحقيقة، ومن ثمّ لا يمكن تحديد جوهر حقيقي لها، فالحقيقيّ متلوّن ومتعدّد بتلوّن وتعدّد الأفراد ومواقعهم ومصالحهم وجِهات نظرهم. وانتهى السفسطائيون إلى أنّ المنهج الوحيد الذي يعمل العقل بواسطته هو منهج الجدل (بمعنى السفسطة)، وهو المنهج الذي تتطلّب البراعة فيه أن يحسن الإنسان فنّ الخطابة وإتقان استخدام الكلمات، حتى يصبح قادراً على إثبات الشيء ونقيضه، فيثبت أنّ الوجود وهو وجود، لكنه غير موجود، وأنّ المعرفة وهي معرفة، إلا أنّه لا يمكن معرفتها أو التعبير عنها أو تعريف الآخر بها، وأمام تناقضات كهذه فلن يكون صعباً إثبات أنّ الصدق ليس فضيلة، وأنّ الكذب خير مع أنّه شرّ، وربّما لا تحتاج البرهنة على الشرّ الذي في الكذب إلى براعة، لكنّ البراعة التي فتنت السفسطائيين هي في البرهنة على أنّ الصدق شرّ، ومن ثمّ نفي الخيرية عنه.

       ومع أنّ سقراط كان تلميذاً نجيباً في المدرسة السفسطائية، إلا أنّه كان وضعياً في اختبار النتائج التي توصل إليها السفسطائيون، فلم تفتنه كلّ الحقائق المتقنة التي يقول بها الأساتذة الكبار، مثل بروتاغوراس وجورجياس وتراسيماخوس، أمام معطيات الواقع التي تبرهن نقيض هذه الحقائق. وتنبه منذ البداية إلى أن السفسطة لا تخرج عما أتقنه معلمو الجدل من التلاعب بالكلمات والأصوات، أو أنّها في أحسن الأحوال إساءة استخدام المفاهيم والعبارات في غير مكانها، أو التلاعب على حبال الغموض والالتباس في معانيها، فترك السفسطة باحثاً عن منهج ينجده إلى الحقيقة ويكون في الوقت نفسه ردّاً على الحركة السفسطائية وطريقتها، إن كان لديها طريقة، في الفلسفة.

       كانت الحركة السفسطائية حركة سياسية في وقائعها وأخلاقية في جوهرها، لا بمعنى أنها حركة دعوية لنشر الأخلاق الفاضلة وتعليمها للناس، إنما كانت الأخلاق بموضوعها وطبيعتها دون تقييمها، هي الشغل الشاغل عند السفسطائيين الكبار، ويبدو أقرب للحقيقة أنهم سبقوا سقراط في إنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض. غير أنّ ما تمتّع به سقراط من نزعة إنسانية عزّ نظيرها في تلك المرحلة هو ما دفعه إلى توجيه البحث نحو أخلاق عملية تنشر الفضيلة وتنفع الناس. بيد أن وقوع هذه الأخلاق العملية موقع التطبيق كان مرهوناً باستنادها إلى معرفة نظرية صحيحة وقادرة على تقديم الحقيقة واحدة وثابتة، وهذا نقيض ما وصل إليه السفسطائيون، فأدرك معلم أثينا أنّ مشكلته الأولى هي مشكلة أبستيمولوجية تتعلّق بطريق المعرفة بالدرجة الأولى، ومن هذه الإشكالية خرجت دعوته في المعرفة لتركّز على منحيين اثنين: معرفة الإنسان نفسه (كانت مقولته "اعرف نفسك" ردّاً على دعوة السفسطائيين "أكّد نفسك أو "أفرض نفسك")، ومعرفة الماهيات الثابتة خلف كلّ تغيّر. فلم تخرج الفضيلة عنده عن الحلّ الأبستيمولوجي نفسه، لينتهي إلى أنّ العلم فضيلة والجهل رذيلة، مقرّراً في النتيجة أن لا أحد يفعل الشرّ مختاراً، بل بسبب الجهل الذي يعمي الفؤاد عن الفضائل.

       بقي أفلاطون لفترة طويلة واقعاً تحت أسر أستاذه سقراط، بيد أنه بقي طيلة فترة الأسر هذه متشككاً بنجاعة الطريق السقراطي في المعرفة، لكنه لم يكن معتقداً بوجوب تغيير هذا الطريق، بل وجده قاصراً لا بدّ من تطويره باتجاه وضع معيار ثابت تستند إليه جميع الماهيات التي شغلت سقراط. فانتهى بعد رحلة بحث شاقة إلى أنّ هذا المعيار الثابت الذي يجب أن تستند إليه ماهيات ثابتة هو معيار خارج عن هذا الوجود الذي ينهش التغيّر كلّ زاوية من زواياه وكلّ جهة فيه، والذي لا يصلح أن يكون موضوعاً للعلم والمعرفة إذ لا علم يكون حقيقياً إلا علم بالكلّيات. فوضع عالماً خاصاً بالماهيات الثابتة سمّاه عالم المثل، وجعله منزّهاً عن كلّ تغيّر وتبدّل، وأسكن فيه الأرواح التي تسبق حسب رأيه أجسادنا، لأنها أرواح خالدة لا يصيبها الفساد ولا الزوال. وحيث أنّ عالم المثل هو العالم الأصليّ للأرواح فإنّها بطول مكوثها فيه قد أدركت كلّ المثل وعرفتها حقّ المعرفة، ولكن عندما حلّت في الجسد واستوطنت عالم المادة والتغيّر والفساد، أصابها النسيان وفقدت كلّ معرفة، وصار مشروعها الجديد هو التدرب على التذكر والتأمل حتى تستطيع استرجاع ما فاتها في عالم النسيان. وبذلك انتهى أفلاطون في تطوير فكرة أستاذه إلى نفس النتيجة مع تغيير بسيط وجوهري في الوقت نفسه : ينبغي أن تقام المعرفة على أسس تقع في عالم آخر خارج عالم الموجودات الحسية الذي ضاقت به فلسفة أفلاطون ذرعاً.

       هناك في عالم المثل مجموعة موجودات ثابتة حقيقية وكلية لا تتغير، وعلى نموذجها تكون الأشياء الموجودة في عالم الحس، ليست كموجودات حقيقية وإنما كنسخ وظلال وأشباه للمثل الخالدة التي تتدرج من الكثرة إلى الوحدة، لتنتهي إلى مثالَي الحق والجمال ثم يعلوهما الخير باعتباره مثال المثل على الإطلاق. أما الفضيلة فليست موجودة في عالم المثل، إنها ليست مثالاً علوياً، ولا يقابلها في الواقع موجود أرضيّ يكون على شاكلتها، بل هي في السعي الدؤوب الدائم نحو التطابق والتماهي مع عالم المثل، إنها في تحقق العدالة التي تقتضي أن يكون كلّ شيء في مكانه المناسب وجهته الصحيحة. لكن العدالة التي ينشدها أفلاطون ليست فضيلة بسيطة وفردية، بل هي فضيلة كلية للاجتماع البشري تتحقق من تحصّل الفضائل الفردية الثلاث : الحكمة والشجاعة والعفّة، والتي تقابل مثلّث قوى النفس : القوّة العاقلة والقوّة الغضبية والقوّة الشهوانية.

       بقدر ما كان وفاء أفلاطون لأستاذه مبعثاً على كسله، كان اختيار أرسطو أن لا يكون كسولاً أبداً، وحيث أنّ كسل التلميذ يتناسب طردياً مع الوفاء للأستاذ، فلم يكن أرسطو وفياً لأستاذه كما كان يرغب الأستاذ نفسه. وربما أدرك أرسطو من سلوك أستاذه قيمة التقدير الذي يكنه أفلاطون لعلاقة الوفاء التي تربط التلميذ بالمعلم، والتي جعلت سقراط حاضراً في كل المحاورات الأفلاطونية، لذلك كان على أرسطو أن يجد المخرج الأخلاقي الذي يخفف من حدة نقده لأفلاطون، فأعلن وفاءه الأوّل للحقّ قبل أفلاطون في كلمة ذهبت مثلاً: (نحب أفلاطون لكنا نحب الحق أكثر).

       يتمحور الاعتراض الرئيس الذي دفع أرسطو إلى هدم النظرية المركزية في الفلسفة الأفلاطونية (أي نظرية المثل)، في أنه ليس من الحكمة أن نغيّر الأسماء عندما نكون عاجزين عن تغيير الأشياء، وإذا كان صحيحاً أنه لا علم إلا بالكليات، فصحيح أيضاً أن لا وجود إلا بالجزئيات، وهذا يقتضي أن الأشياء الموجودة في عالم الحس والمادة هي، رغم تبدلها وفسادها، أشياء حقيقية وليست أشباهاً أو ظلالاً، وأن عالم المثل الذي اعتقد أفلاطون أنّه عالم حقيقيّ مستقلّ ليس إلا عالم الأفكار التي يلدها العقل وعليها تتأسّس المعرفة. وبذلك لن تكون النفس خالدة ولا المادة عدماً.

       رغم أنّ أفلاطون قد أبدع في صناعة عالم كامل بصورة بالغة التعقيد والإتقان، ليحقق وجود ماهيات ثابتة تكون ضامنة لصحة المعرفة، إلا أنه لم يستطع بالنسبة لتعريف الفضيلة أن يأتي بما أتى به أستاذه سقراط من قبل. أما أرسطو الذي تنبه مبكراً إلى أن العالم الحقيقي هو ما نرى لا ما نتخيل، فقد كان مولعاً بالتعريفات لدرجة تجعله أكثر التزاماً بالمبدأ السقراطي في البحث عن الماهيات، فأدرك أن لكل موجود جوهر ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وأن تعريف أي شيء يجب أن يتناول جوهره وجوهره فقط.

       ما الفضيلة إذن؟ أدرك أرسطو أن الفضيلة لا تخص الفلاسفة وحدهم، وأن إدراكها لا يحتاج الترقي في هذا المعراج الصعب، معراج الجدل، الذي جعله أفلاطون واسطة الفيلسوف نحو عالم مثالي مفارق. لذلك كان التعريف الأرسطي للفضيلة تعريفاً عملياً وقابلاً للتطبيق والتمثل لدى كل حر من أحرار أثينا، فالفضيلة هي وبكل بساطة: وسط بين طرفين كلاهما رذيلة، في أحدهما إفراط وفي الآخر تفريط، وبين الإفراط والتفريط يقع الوسط الذهبي الذي يساوي الاعتدال كجوهر يجب أن يبقى ثابتاً لتتحقق كل فضيلة، وعليه نقيس الفضائل التي لا تستقيم حياتنا الأخلاقية بدونها. إن فضيلة الشجاعة هي وسط بين رذيلتي التهور والجبن، وفضيلة الكرم وسط بين الإسراف والبخل، وفضيلة الاعتداد بالنفس وسط بين الغرور والمذلة، والدعابة وسط بين الفظاظة والمجون.

       ليس الاعتدال وسطاً حسابياً يقع في منصف المسافة بين طرفي مغالاة، وليست نتيجته محددة دائماً كما في الأمثلة السابقة، بل إن أرسطو قد وضعه كمبدأ عملي نقيس عليه الفضائل التي لا يمكن تسميتها، وإلا فما هما الطرفان اللذان يحيطان بكثير من الفضائل الأخرى كالصدق والرفق والأمانة والإخلاص والوفاء.. إلخ؟ أيضاً لا يمكن تحديد الوسط بكم ثابت في كل الحالات ومن كل الجهات، فالشجاعة في الدفاع عن صديق لنا تبدو تهوراً إذا استخدمت في الدفاع عن شخص مجهول في الشارع، وهي في الوقت نفسه جبن بالنسبة لدفاع المرء عن ولده أو والده.

       ستجد النظرية الأرسطية في الفضيلة (الوسط الذهبي أو الاعتدال) قبولاً واسعاً لدى الفلاسفة والمفكرين فيما بعد، خاصة في الفترة الأقرب إلى زمن أرسطو، أي الفلسفة الوسيطة بشقيها المسيحي والإسلامي، وستحظى باهتمام منفرد لدى الفلاسفة المسلمين الذين حظي أرسطو بلقب "الفيلسوف الإلهي" بينهم، إذ أُوّلَت وسطية أرسطو لتناسب مفهوم الوسطية الذي يشغل موقعاً خاصاً في الدين والقرآن (وجعلناكم أمة وسطاً)، كذلك الأمر في الأثر الذي يقول (خير الأمور أوسطها). ولكن، وبعد مرور قرون طويلة، هل ما زال الوسط الذهبي مبدأ ناجعاً في القيم المعاصرة؟

       في عصرنا الحالي.. تحتل فضيلة اللاعنف مكاناً مرموقاً في الدعوات الأخلاقية المعاصرة، بدأت مع السياسة التي انتهجها غاندي في مقاومة المستعمر البريطاني في الهند، والتي آتت أفضل ثمارها وصارت مثلاً يحتذى ومطلباً أخلاقياً ينحو نحو تأسيس مبدأ إنساني عام يقوم عليه التعامل بين الأفراد والجماعات والمجتمعات والأديان والدول. ولا يمكن استخراج فضيلة اللاعنف من الوسط الذهبي الأرسطي، ذلك لأنها لا تقع بين رذيلتين، بل بين حدّين متضادين أحدهما فضيلة والآخر رذيلة، وهما الرفق والعنف، وفضيلة اللاعنف تتوسط الحدين دون أن يجعلها هذا التوسط مشاركة لهما في جزء منها كما كان عليه الأمر في فكرة الوسط الذهبي، فاللاعنف يناقض العنف من جهة فلا يجتمعان معاً أبداً، ويغاير الرفق من جهة ثانية فيمكن أن لا يجتمعان معاً أيضاً. لذلك تصلح فضيلة اللاعنف لأن تكون خياراً ثالثاً يخرجني من مأزق التناقض الإحراجي بين أن أُعنّف من بيني وبينه عداوة أو لي عليه سلطة وهذا لا يجوز، أو أن أغمر عدوي بالرفق واللين وهذا ما لا أطيق. والمبدأ البسيط التي تقوم عليه هذه الفضيلة هو : قد لا أكون قادراً على أن أحبّ عدوّي كما يطالبني المسيح، لكنني قادر على أن لا أكون عنيفاً معه.

       يمكن أن نسمي هذا الوسط الذي يحتله اللاعنف وسطاً ماسياً تمييز له عن وسط أرسطو من جهة، ولكونه من جهة أخرى يجعل الإنسان مسؤولاً مسؤولية أخلاقية عن أفعاله في كل الحالات. إلى جانب سعة تطبيقه مقارنة بوسط أرسطو، فيمكن أن تصبح كل (لارذيلة) فضيلة، كاللاكذب دون أن أكون ملزماً بقول الصدق الذي يفشي الأسرار، أو اللانفاق دون أن أكون صريحاً لدرجة إيذاء المشاعر، أو اللاحرب دون أكون مسالماً متطبّعاً مع أعدائي، أو اللاأنانية دون أن أكون غيرياً مهدّداً بالسفه أو السذاجة، أو اللاطمع دون أن أكون كأبي ذر الغفاري الذي رفض أن يمتلك الناس الذهب أو الفضة. إن الوسط الماسي هنا هو مجموع الفضائل التي تحققها الاستجابة للنواهي الأخلاقية : لا تقتل.. لا تسرق.. لا تكذب.. إلخ.

       يمكن أيضاً أن نقيم الوسط الماسي على أساس منطقي يمكن تسميته "الحدّ المعدول"، أي أن الحدّ يكون إيجابياً رغم استخدام أداة السلب فيه، وهو ما يماثل القضية المعدولة في مبحث القضايا المنطقية، فقضية (أرى أنه لا مانع في زيارة المريض) هي قضية موجبة معدولة عن أخرى سالبة هي (لا أرى مانعاً في زيارة المريض). ومع أن الشكل المنطقي للحدود التي تبدأ بأداة النفي هو شكل سلبي، إلا أننا بتنا نستخدم هذه الحدود، سواء في لغة العلم أو الثقافة، كما نستخدم الحدود الموجبة. ويبدو أن اليونان، ومثلهم العرب، كانوا لا يجيزون استخدام أداة النفي في أصل المفردات التي تدل على الأسماء أو المفاهيم (أي الحدود)، لكننا اعتدنا الآن على استخدامها طلباً للدقة في التعبير عن كثير من الأفكار، كاللايقين الذي لا يعني الشك، واللاوثوق الذي لا يعني الريبية، واللامركزية التي صارت مطلب أساسي للعمل السياسي والإداري والمدني دون أن تعني التذري والفردية والطرفية، كذلك الأمر في اللاديني الذي لا يعني الإلحاد واللاأدري الذي لا يعني الجهل واللاعقلي الذي لا يعني الجنون. إن الوسط الماسي هو اللاوسط الذهبي الذي لا يعني الإفراط ولا التفريط. والواجب الوحيد الذي يحمله هو أنه ينهانا عما يجب أن لا نفعله.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق