من اليقين إلى اللايقين: نهاية السببية واستحالة الواقع الموضوعي- ف. ديفيد بيت

في العام 1900 تحدث اللورد كلفن عن انتصارات الفيزياء وكيف يمكن توسيع نظرية نيوتن في الحركة لتشمل ظاهرتي الضوء والحرارة. ومضى في خطابه ليشير إلى “غيمتين” تحجبان “جمال ووضوح” النظرية: تضمنت الأولى الطريقة التي ينتقل بها الضوء عبر الفضاء، أما الثانية فهي مشكلة انتثار الطاقة بالتساوي بين الجُزيئات المهتزّة. وانتهى الحل الذي اقترحه كلفن، في الحالين، إلى أن يكون مسلكاً بعيداً عن المقصد. فمما يُثير السخرية أن ما اعتبره كلفن غيمتيْن تحجبان الأفق كانتا في الواقع قنبلتين على وشك أن تُحدثا انفجاراً هائلاً في فيزياء القرن العشرين. تُسميان نظرية النسبية ونظرية الكوانتا، ولدى كل منهما ما تقوله حول الضوء.

والضوء، تبعاً لأمثال كلفن من علماء الفيزياء، هو اهتزاز، ومثله مثل أي اهتزاز آخر تتوجب معالجته من خلال قوانين نيوتن في الحركة. لكن علماء الفيزياء يُحاججون في أن اهتزازاً ما لا بد مهتز في شيء ما. وعليه فقد افترض الفيزيائيون أن الفضاء ليس فارغاً بل مليء بهلام غريب سموه “الأثير المضيء”. إلا أن معنى ذلك أن سرعة الضوء كما تُقاس في المخابر على الأرض -السرعة التي يبدو أن الاهتزازات تنتقل بها عبر الأثير- لا بد أن تعتمد على سرعة واتجاه حركة الأرض عبر الأثير. وبما أن الأرض تدور حول الشمس فإن هذا الاتجاه يتبدل على الدوام، وإذن فإن سرعة الضوء المُقاسة من اتجاه معطى يجب أن تتغير تبعاً لتغيّر الزمن خلال السنة الواحدة. تالياً، توقع العلماء أن يكشفوا تغيّراً في سرعة الضوء المُقاسة في أزمنة مختلفة من السنة الواحدة، إلا أن تجارب دقيقة أظهرت أن الأمر ليس كذلك. إذ لا أهمية لاتجاه حركة الأرض بالنظر إلى الخلفية المشكّلة من النجوم البعيدة، فسرعة الضوء تبقى هي نفسها.

لغز سرعة الضوء هذا ووجود، أو عدم وجود، الأثير تمَّ حلّه من خلال نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين، النظرية التي أظهرت أن سرعة الضوء ثابت مستقل عن السرعة التي تتحركون بها أو يتحرك بها مصدر الضوء.

إلا أن الغيمة الأخرى في أفق كلفن، الطريقة التي تتشاطر بها الجزيئاتُ المهتزّة الطاقةَ، تتصل بمشكلة عويصة أخرى، هي مشكلة الإشعاع الصادر عن جسم ساخن. في هذه الحالة تطلّبَ الحلُ ثورة في التفكير لا تقل جذرية عن نظرية النسبية، هي نظرية الكوانتا.

{{بوهر وآينشتاين}}

النسبية الخاصة تصورها عقل واحد-عقل ألبرت آينشتاين. لكن نظرية الكوانتا كانت نتاجاً لعقول مجموعة من الفيزيائيين الذين عملوا إجمالاً سويةً واقرّوا بفضل عالم الفيزياء الدانمركي نيلز بوهر كزعيم لهم على الصعيد الفلسفي. وكما ثبت في نهاية المطاف، فإن التوترات بين اليقين واللايقين، التي تشكل لب هذا النص، لا تجد تمثيلاً أفضل لها من هذا الذي يقدمه هذان الموقفان حول نظرية الكوانتا اللذيّن اتخذتهما الأيقونتان العظيمتان في فيزياء القرن العشرين، آينشتاين وبوهر. وبتتبع مساريهما الفكريين نستطيع أن نكتشف جوهر هذه القطيعة الهائلة بين اليقين واللايقين.

عندما تجادل الرجلان خلال العقود الأولى من القرن العشرين، تجادلا بذاك التوق إلى الحقيقة الذي جعل آينشتاين يُعرب عن شعوره بالحب تجاه بوهر. لكن، ومع تقدم الرجلين في السن، أصبحت الفروقات بين موقفيهما الخاصين غير قابلة للتجاوز إلى حد لم يبق معه إلا القليل مما يمكن أن يقوله أحدهما للآخر. يروي عالم الفيزياء الأميركي ديفيد بوهم قصة زيارة بوهر إلى جامعة برنستون بعد الحرب العالمية الثانية. في تلك المناسبة رتّب الفيزيائي أيوغن فيغنر استقبالاً لبوهر سيحضره آينشتاين أيضاً. أثناء الاستقبال وقف آينشتاين وتلاميذه في ركن من القاعة ووقف بوهر وزملاؤه في الركن الآخر.

كيف حدث هذا الشقاق؟. ولِمَ، مع توقهما المشترك إلى البحث عن الحقيقة، تصدعت روح التواصل المفتوح بين الرجلين؟. إن الإجابة على هذا السؤال تختزل الكثير من تاريخ فيزياء القرن العشرين ومن مشاغل التشوّش الجوهري بين اليقين واللايقين. تتضمن القطيعة بينهما واحداً من أعمق مبادئ العلم والفلسفة-الطبيعة الجوهرية للواقع reality. وأن نفهم كيف حدث ذلك يعني أن نتصدى لواحد من أكبر التحولات في فهمنا للعالم، قفزة أكثر ثورية بكثير مما أحدثه كوبرنيكوس أو غاليليو أو نيوتن. وللوقوف على الكيفية التي أدت إلى ذلك علينا، ابتداءً، أن نقوم بجولة في فيزياء القرن العشرين.

{{النسبية}}

ارتبط اسم آينشتاين شعبياً بفكرة أن “كل شيء نسبي”. وقد أصبحت مفردة “نسبي” هذه محملة بعدد كبير من التداعيات المختلفة. فعلى سبيل المثال، يتحدث علماء الاجتماع عن نسبوية ثقافية، وبذا يشيرون إلى أن ما نحسبه “واقعاً” هو إلى حد بعيد بناء اجتماعي وأن المجتمعات الأخرى يبني كل منها واقعه بطرق أخرى. فيحاججون، إذن، في أن “العلم الغربي” لا يمكن أبداً أن يكون وصفاً موضوعياً كاملا للعالم لأنه جزء لا يتجزأ من نمط لمفترضات ثقافية بعينها. ويقترح بعضهم أن العلم ليس إلا واحداً من روايات تتساوى في صحتها، ومتعددة يرويها مجتمع من المجتمعات ليمنح بنيته سلطةً؛ في حين يمثل الدين رواية أخرى.

في هذا الاستخدام لكلمتي “نسبي” و”نسبية” ابتعدنا كثيراً عما قصده آينشتاين في الأصل. من المؤكد أن نظرية آينشتاين تخبرنا إن العالم يتبدى مختلفاً لمراقبين يتحركون في سرعات مختلفة، أو لمن يكونون في حقول جاذبية مختلفة. فعلى سبيل المثال، نسبةً إلى مراقب واحد ستتقلص الأطوال، و ستمشي الساعات بسرعات مختلفة، والأشياء الدائرية ستتبدى إهليليجية. إلا أن ذلك لا يعني أن العالم نفسه محض ذاتي. إذ أن لقوانين الطبيعة الأولوية على المظاهر النسبية، وهذه القوانين هي نفسها لكل المراقبين مهما كانت السرعة التي يتحركون بها أو أينما كان موقعهم من الكون. اعتقد آينشتاين جازماً بواقع موضوعي جملةً للعالم و، كما سنرى، عند هذه النقطة تنفض شراكة آينشتاين مع بوهر.

ربما يتوجب هنا إضافة شيء من التوضيح، لأن مفردة “النسبية” تغطي نظريتين. ففي العام 1905 (وفيما ستُعرف لاحقاً بنظرية النسبية الخاصة) عالج آينشتاين مسألة كيف تتبدى الظواهر مختلفة لمراقبين يتحركون في سرعات مختلفة. كما بيّن أن ليس ثمة إطار مطلق لمرجع في الكون يمكن قياس جميع السرعات عليه. وكل ما يمكن المرء التكلم عنه هو سرعة مراقب واحد عند قياسها بالنسبة لسرعة مراقب آخر. ومن هنا يأتي مصطلح “النسبية”.

بعد ذلك بثلاث سنوات خطب عالم الرياضيات هرمان مينكوفسكي في الدورة الثمانين للمجلس القومي الألماني للعلماء والفيزيائيين في كولون. افتتح خطابه بالكلمات المشهورة التالية: “من الآن فصاعداً، قُدر على المكان بنفسه وعلى الزمان بنفسه أن يضمحلا إلى مجرد أطياف، ونوع من الاتحاد بينهما فقط هو ما يُبقي على واقع مستقل”. وبعبارة أخرى، نظرية النسبية الخاصة عند آينشتاين تشير ضمناً إلى أن المكان والزمان يجب أن يُوحدا على أرضية رباعية الأبعاد جديدة سُميتْ الفضاء-الزمان.

عند هذه النقطة بدأ آينشتاين يتفكر في كيفية إدخال قوة الجاذبية إلى هذا المخطط. وكانت النتيجة هي نظرية النسبية العامة، التي نُشرت في العام 1916، (ها قد غدت نظريته الأولى حالة خاصة تنطبق في حالة غياب حقول الجاذبية). بيّنتْ النظرية العامة كيف تعمل المادة والطاقة على بنية الفضاء-الزمان وتتسبب في انحنائها. فعندما يدخل جسمٌ منطقةَ فضاء-زمان منحنية، فإن سرعته تبدأ في التغير. ضَعْ تفاحة في منطقة فضاء-زمان وستراها تتسارع، مثل التفاحة التي تسقط من شجرة على الأرض تماماً. وقوة الجاذبية التي تفعل في هذه التفاحة، منظوراً إليها من منظور النسبية العامة، ليست إلا تأثير جسم متحرك عبر الفضاء-الزمان المنحني. وانحناء الفضاء-الزمان هذا ناتج عن كتلة الأرض.

والآن لنعد إلى قضية الموضوعية في عالم نسبي. تخيّل مجموعة من العلماء هنا على الأرض، ومجموعة أخرى من العلماء في مختبر يسير بسرعة تقارب سرعة الضوء، ومجموعة أخرى تتموضع بالقرب من ثقب أسود. كل مجموعة من هذه المجموعات تراقب وتقيس ظواهر مختلفة ومظاهر مختلفة، إلا أن القوانين الأساسية التي يستنتجونها حول الكون ستكون متطابقة في كل واحدة من الحالات الثلاث. بالنسبة لآينشتاين، هذه القوانين مستقلة جملةً عن حالة المراقب.

هو ذا المعنى الأعمق لاكتشاف آينشتاين العظيم. فوراء الظواهر كافة ثمة قوانين الطبيعة، وصورة هذه القوانين، تعبيرها الرياضي الأكثر أناقة، مستقل جملةً عن أي مراقب. في المنقلب الآخر، الظواهر هي تجليات لهذه القوانين الأساسية لكن في ظل ظروف وسياقات خاصة فقط. هكذا، وبينما تتبدى الظواهر مختلفة بالنسبة لمراقبين مختلفين، تتيح نظرية النسبية للعلماء أن يترجموا، أو يحولوا، ظاهرة إلى ظاهرة أخرى وأن يعودوا، تالياً، إلى وصف موضوعي للعالم. من هنا، يقبع اليقين، بالنسبة لآينشتاين، بواقع وحيد وراء تعدد المظاهر.

النسبية تشبه، بعض الشيء، الانتقال بين بلدان مختلفة وتبديل الأموال من الدولارات إلى الجنيهات أو الفرنكات أو الينات أو اليوروات. فإن تغاضينا عن الرسوم المصرفية، فإن مقدار النقود يبقى هو ذاته تماماً، أما ما يتغير فهو مظهرها المادي-الأوراق النقدية إلى دولارات أو جنيهات أو ينات أو يوروات. وعلى نحو مشابه، فإن خطاباً يُلقى في الأمم المتحدة يُترجم في الآن ذاته إلى عدد من اللغات المختلفة. وفي كل حالة محددة تكون المادة الصوتية للخطاب مختلفة تماماً إلا أن المعنى الأساسي يبقى هو نفسه. يمكن موازاة الظواهر المُلاحظة بالخطاب في لغات مختلفة، لكن المعنى الأساسي، وهو منبع هذه الترجمات المتنوعة، يُقابل القوانين الموضوعية للطبيعة.

هذا الواقع الأساسي مستقل تماماً عن أي مراقب بعينه. لقد شعر آينشتاين أنه إذا لم يكن العالم يعمل على هذا النحو، فإنه ببساطة خال من المعنى وأنه، آينشتاين، سيتوقف عن العمل في الفيزياء. وهكذا، وبالرغم من كلمة “النسبية” ثمة، بالنسبة لآينشتاين، يقين واقعي حول العالم، وهذا اليقين مودع في القوانين الرياضية للطبيعة. وعند هذه النقطة الأكثر جوهرية تنفض شراكة بوهر معه.

{{إشعاع الجسم الأسود}}

إن كان آينشتاين قد عمل من أجل واقع موضوعي ومستقل فما كان موقف نيلز بوهر؟. لقد كان بوهر مفكراً حاد الذهن إلى حد بعيد وغالباً ما يُساء فهم كتاباته حول نظرية الكوانتا، حتى من قبل فيزيائيين مختصين!. ولتقصي كيف تطورت آراؤه حول اللايقين والغموض علينا أن نعود إلى العام 1900، إلى مشكلة كلفن عن كيف تنتثر الطاقة بين الجزيئات وإلى مسألة أكثر إشكالاً على صلة بالموضوع، مسألة إشعاع الجسم الأسود.

أن تكون زهرة ما أو ثوب أو لوحة ملونةً فلأنها تمتص الضوء وفق ترددات معينة وفي الآن نفسه تعكس ترددات أخرى. إلا أن سطحاً أسود بالكامل يمتص كل الضوء الذي يسقط عليه. فلا فضل عنده للون على لون آخر ولا لتردد على تردد آخر. وفوق ذلك، عندما يكون هذا السطح الأسود أكثر حرارة من محيطه فإنه يبدأ ببث طاقته، ولكونه أسود يطلق أشعته إذن بأي تردد ممكن دون تفضيل منه لتردد (أو للون) على آخر.

عندما استخدم الفيزيائيون في أواخر القرن التاسع عشر نظرياتهم لحساب كم الطاقة المنبثة إشعاعاً، كان القدر الذي توصلوا إليه، على نحو يُجافي العقل، لانهائياً. من الواضح أنهم كانوا مخطئين في حساباتهم، إلا أن أحداً لم يتمكن من اكتشاف الخلل في النظرية الأساسية.

في مطلع القرن التاسع عشر كان الفيزيائي السكوتلندي جيمس كلارك ماكسويل قد صور الضوء في صورة أمواج. والفيزيائيون كانوا يعرفون كيف يجرون حسابات على أمواج المحيط، وعلى الأمواج الصوتية في قاعة للموسيقى، وعلى التموجات المتشكلة عندما تنفضُ حبلاً مشدوداً بإحكام من طرفه الآخر. ويمكن أن تكون الأمواج على أي طول، بمدى لانهائي من التدرجات. ففي حالة الصوت مثلاً، كلما كان طول الموجة قصيراً -وطول الموجة هو المسافة بين ذروة وتاليتها- كانت طبقة الصوت أو تردده أعلى لأنه كلما قَصُرتْ المسافة بين ذُرى الموجات، كان عدد الذُرى التي تمر من نقطة محددة أكبر، مثل أذنك، خلال مدة معينة من الزمن. والأمر ذاته يصدق على الضوء: أطوال الموجات الطويلة تقع عند النهاية الحمراء من ألوان الطيف، بينما ينتج الضوء الأزرق عن ترددات أعلى وأطوال موجات أقصر.

بالمناظرة مع الموجات الصوتية وأمواج الماء، فإن أمواج الضوء تتشعشع عن جسم حار حيث يُفترض أن يكون لها كل الأطوال الممكنة وكل الترددات الممكنة؛ بكلمات أخرى، للضوء عدد لانهائي من التدرجات بين طول هذه الموجة وتاليتها. وبهذه الطريقة تسللت اللانهاية إلى الحساب وظهرت بوصفها كماً لانهائياً من الطاقة المبثوثة.

{{الكوانتا}}

في العام 1900 اكتشف ماكس بلانك الحل لهذه المشكلة. إذ اقترح أن كل الترددات وأطوال الموجات الممكنة غير جائزة، لأن طاقة الضوء تنبعث بمقادير منفصلة تسمى الكوانتات quanta. فبدلاً من الإشعاع المتصل المنبعث من جسم حار، يوجد انبعاث منفصل ومنته لسلسلة من الكوانتات.
وبضربة واحدة تم حلُّ مشكلة إشعاع الجسم الأسود، وفُتح الباب لحقل جديد بالكامل، عُرف في النهاية بنظرية الكوانتا. ومما يُثير المفارقة أن آينشتاين كان أول من طبق أفكار بلانك. فقد حاجج في أنه إذا كانت طاقة الضوء تأخذ شكل حزم صغيرة، أو كوانتات، فإن سقوط الضوء على سطح معدني يشبه وابلاً من مقذوفات ضئيلة الحجم تضرب إلكترونات المعدن. وواقع الحال أن هذا بالضبط ما يُلاحظ في “الظاهرة الكهرضوئية”، المبدأ الذي تعمل على أساسه بعض الأعاجيب التقنية مثل “العين السحرية”. عندما تقف على باب مصعد فإنك تقطع شعاعاً من الضوء يُفترض به أن يبلغ خلية ضوئية. هذا الشعاع يتألف من كوانتات ضوئية، أو فوتونات، تفصل الإلكترونات عن ذراتها وبهذه الطريقة تُحدث تياراً كهربائياً يُشغلُ محركاً ليُغلق الباب. فإذا ما وقف شخص بباب المصعد فسيقطع هذا الشعاع وبذا لن ينغلق الباب.

وجاءت الخطوة الهامة التالية في تطور نظرية الكوانتا في العام 1913 من نيلز بوهر الشاب الذي اقترح أنه ليس الضوء وحده مؤلف من كوانتات، بل طاقة الذرات أيضاً مؤلفة من كوانتات. وهذا يُفسر لِمَ، عندما تبعثُ الذراتُ طاقتها أو تفقدها على شكل إشعاع، لا تكون الطاقة المنبعثة بواسطة ذرة مسخّنة متصلة بل تتألف من سلسلة من الترددات المنفصلة التي تظهر كخطوط منفصلة في طيف الذرة ذاك. ومع مساهمات من فيرنر هايزنبرغ وماكس بورن وإيروين شرويدينغر وعدد من الفيزيائيين الآخرين احتلت نظرية الكوانتا مكانتها. ومعها دخل اللايقين إلى قلب الفيزياء.

التتاميّة
لما كانت النسبية قد جاءت بتصورات من قبيل أن الساعات يمكن أن تمشي بمعدلات سرعة مختلفة، وأن الأطوال يمكن أن تتقلص، وأن التوأمين المسافريّن في رحلتين مختلفتين يكبران بمعدلين مختلفين، كذلك جاءت نظرية الكوانتا بعدد من المفاهيم الحاسمة والغريبة الجديدة. يٍُسمى أحد هذه المفاهيم بثنائية المُويجة-الجُزيء. ففي بعض الأحوال لا يمكن فهم سلوك الإلكترون إلا إذا كان يتصرف تصرف مُويجة ضلّتْ موضعها الصحيح عبر المكان كله. وفي أحوال أخرى يُستدل على الإلكترون بوصفه جزيئا محصور داخل حيز ضئيل من المكان. لكن كيف يمكن لشيء أن يكون في كل مكان وفي الآن ذاته يتموضع في نقطة وحيدة من المكان؟

رَفَعَ نيلز بوهر الثنائية إلى مستوى المبدأ شامل، ووضع له اصطلاح “التتاميّة”. وحاجج في أن وصفاً واحداً “هذه مويجة” أو “هذا جُزيء” لا يكفي لاستنفاد ثراء المنظومة الكوانتية. تطلّبت المنظومات الكوانتية توافقاً بين عدد من الأوصاف التتاميّة التي تبدو مثيرة للمفارقة أو حتى متناقضة عندما تؤخذ سوية. فنظرية الكوانتا كانت تفتح الباب أمام نمط جديد من المنطق حول العالم.

اعتقد بوهر أن التتاميّة أكثر عمومية بكثير من مجرد وصف لطبيعة الإلكترونات. فقد شعر أن التتاميّة هي أساسي الوعي البشري وأساس الطريقة التي يعمل العقل بها. كان العلم، ووصولاً إلى القرن العشرين، يتعامل بيقينيات المنطق الأرسطي: “آ إما أن تكون آ أو لا آ”. والآن يدخل العلمُ عالماً يمكن لشيء فيه أن يكون كلاً من “آ ولا آ”. وبدلاً من وضع أوصاف تستنفد العالم أو رسم خارطة واحدة تتقابل في خصائصها كافة مع العالم الخارجي، كان العلم يُنتج سلسلة من خرائط تُظهر خصائص مختلفة، خرائط لا تتطابق أبداً تطابقاً تاماً.

{{المصادفة واللاعقلاني في الطبيعة}}

إذا كانت التتاميّة قد صدمت اعتقادنا الساذج بفرادة الموضوعات الفيزيائية العلمية، فقد كان على اليقين أن يتلقى صدمة أخرى في هيئة الدور الجديد الذي تأخذه المصادفة. فكروا، على سبيل المثال، باكتشاف ماري كوري للراديوم. هذا العنصر مشع، ما يعني أن نوياته غير مستقرة وتتحطم تلقائياً أو “تنحل” إلى عنصر الرادون. لقد عَرَفَ الفيزيائيون أن نصف هذا الراديوم فقط هو ما سيتبقى بعد 1620 عاماً -وهذا ما يُعرف بنصف عمره. وبعد 1620 عاماً أخرى سيتبقى ربعه فقط، وهكذا دواليك. إلا أن لحظة ذرة مفردة من الانحلال هي مصادفة بحتة- إذ يمكن أن تنحل خلال يوم، أو تبقى 10.000 عام.

لهذه الخلاصة شبهٌ بالتأمين على الحياة. فالمؤَمِّنون يستطيعون حساب معدل العمر المتوقع بستين عاماً للفرد الذي لا يدخن أو يشرب الكحول، لكنهم لا يملكون أية فكرة عن الزمن الذي سيموت فيه فردٌ بعينه عمره ستين عاماً. إلا أن ثمة فارقا واحدا هاما للغاية. فحتى إذا كان الفرد البالغ من العمر ستين عاماً لا يعرف ساعة موته، إلا أنه متيقن من أن موته سيكون لا بد نتيجة لعلة محددة، ذبحة قلبية، أو حادث مروري، أو صاعقة. في الأحوال كافة، ما من سبب لهذا الانحلال النشط إشعاعياً. فما من قانون طبيعي يُحتم وقت حدوثه. المصادفة الكوانتية مطلقة.

ولنأخذ مثالاً آخر، المصادفة تسود لعبة الروليت. فالكرة ترتطم بالدولاب وتتقافز من هذا الجانب إلى ذاك حتى تستقر أخيراً على رقم محدد. وبينما نعجز عن التنبؤ بالنتيجة النهائية، فإننا نعرف أن ثمة في كل لحظة سبباً محدداً، تأثيراً ميكانيكياً، يدفع الكرة إلى الحركة. لكن ولأن المنظومة أعقد جداً من أن تُجرى حسابات لكل العوامل الداخلة فيها -سرعة الكرة، سرعة الدولاب، الزاوية المحددة التي تضرب الكرة فيها الدولاب، وما سواها- فإن قوانين المصادفة تسود اللعبة. كذا هو الحال في التأمين على الحياة، تكون المصادفة طريقة أخرى لقول أن المنظومة أعقد من أن نصفها. في هذه الحالة تكون المصادفة مقياساً لجهلنا.

الأمور مختلفة تماماً في العالم الكوانتي. فالمصادفة الكوانتية ليست مقياساً لجهلنا بل خاصية متأصلة فيه. وما من قدر إضافي من المعرفة سيسمح للعلم أبداً أن يتنبأ بالهنيهة التي تتحطم فيها ذرة محددة لأن لا شيء “يسبب” هذا التحطم، على الأقل بالمعنى المعتاد لكون شيء ما يتعرض للدفع أو الجر أو الجذب أو الطرد.

فالمصادفة في النظرية الكوانتية تكون مطلقة وغير قابلة للاختزال. ومعرفة المزيد حول الذرة لن يُلغي هذا العنصر أبداً. المصادفة كامنة في لب العالم الكوانتي. وهذه كانت حجر العثرة الكبير الأول، والافتراق الكبير الأول بين بوهر وآينشتاين، لأن آينشتاين رفض أن يُصدق أن “الرب الطيب يلعب طاولة الزهر مع الكون”.

{{آينشتاين: آخر الفيزيائيين الكلاسيكيين}}

حتى يومنا هذا، وبعد مضي نصف قرن على وفاة آينشتاين، ما زال الوقت باكراً على تقييم مكانته في العلم. يمكن، بطريقة أو بأخرى، مقارنة مكانته بما كان لنيوتن الذي، بالسير على خطى غاليليو، أقام علماً دام لمائتي عام. فقد وضع تركيباً نظرياً عملاقاً قادراً على الإحاطة بالكون بأسره. كما يشير بعض مؤرخي العلم إلى نيوتن بوصفه آخر المشعوذين، رجل يضع قدماً في أفكار العصور الوسطى ويضع الأخرى في العلم العقلاني. لقد تبحّر نيوتن بعمق في الخيمياء وفتش عن المادة الكونية الواحدة Catholic Matter. فقد آمن إيماناً عميقاً بوجود مبدأ موحد وحيد لكل ما يوجد.

بطريقة مماثلة، يُنظر إلى آينشتاين، الذي كان مسؤولاً عن الثورة العلمية النسبية كما عن بعض الخطوات النظرية الأولية باتجاه نظرية الكوانتا، من قبل بعضهم بوصفه آخر الفيزيائيين الكلاسيكيين الكبار. وكما يقول شكسبير، العقول العظيمة، أمثال عقليّ نيوتن وآينشتاين، تبدو موزعة بين عصرين، فهي، من جانب، تتطلع قُدماً نحو المستقبل، ومن جانب آخر تلتفت إلى الخلف إلى تقليد فكري سابق.

آينشتاين، وحين تحدث عن “الرب الطيب” الذي لا يلعب طاولة الزهر مع الكون، لم يكن يُشير إلى إله شخصي، الأحرى أنه كان يشير إلى “إله سبينوزا”، أو، كما عند نيوتن، إلى مبدأ للوحدة خارج النوال يشمل الطبيعة كلها. والكون بالنسبة لآينشتاين خلق إلهي وبالتالي له معنى، فيتوجب أن يكون عقلانياً ومنظماً. ويجب أن يكون مؤسساً على مبدأ عميق وبهي من الناحية الجمالية. ويجب أن تكون بنيته المخفية بسيطة وموحَدة على نحو مرض. والواقع، بالنسبة لآينشتاين، يقع خارج آمالنا ورغباتنا البشرية ضيقة الأفق. الواقع قائم بذاته. ويعكس نفسه في كل مستوى. والأكثر من ذلك أن الرب الطيب قد وهبنا القدرة على تأمل وفهم هذا الواقع.

كان يمكن لآينشتاين أن يجلس إلى مائدة الغداء عند نيوتن ويتناقش وإياه في الكون، وهذا أمر عجز عن القيام به مع بوهر. فبوهر ونظرية الكوانتا يتحدثان عن المصادفة المطلقة. بالنسبة لآينشتاين، “المصادفة” هي طريقة قريبة المتناول للإشارة إلى الجهل، إلى ثغرة في نظرية ما، إلى تداخل اختباري لم يكن قد أدخل في الحسبان.

ولفغانغ باولي، وهو فيزيائي آخر ساعد في تطوير نظرية الكوانتا، وضع الحجة المضادة بأشد ما يمكن من قوة عندما اقترح أن على الفيزياء أن تَبلغَ ما اسماه “اللاعقلاني في المادة”. وكان باولي نفسه قد أجرى نقاشات عديدة مع عالم النفس كارل يونغ، الذي اكتشف ما خصه باولي بمصطلح “مستوى موضوعي” للاشعوري. وهو موضوعي لأن هذا اللاشعور الجمعي كُلّي ويكمن وراء أي حوادث شخصية وفردية في حياة شخص ما. على المنوال ذاته، اقترح باولي أنه ما دمنا قد اكتشفنا أن للنفس مستوى موضوعياً، فكذا لابد أيضاً من العثور على وجه ذاتي للمادة. وأحد خصائص هذا الوجه هو ما دعاه باولي بالسلوك “اللاعقلاني” للمادة. بالنسبة لباولي، اللاعقلانية تشمل المصادفة الكوانتية، تلك الحوادث التي تظهر خارج حدود السببية والقانون الفيزيائي العقلاني.

إن الهوة الحاصلة بين لاعقلانية المادة عند باولي وموضوعية الواقع عند آينشتاين واسعة للغاية. وما جعل هذه الهوة غير قابلة للجَسر هو لايقين أكثر جذرية-سواء وُجد واقع أساسي على المستوى الكوانتي أم لا، وسواء وُجد واقع مستقل عن فعل الملاحظة أم لا.

{{مبدأ اللاتعين عند هايزنبرغ}}

هذا التلاشي لواقع نهائي يجد بذوره في مبدأ اللاتعين الشهير عند هايزنبرغ. فعندما اكتشف هايزنبرغ الآليات الكوانتية لاحظ أن صيغته الرياضية تفرض علينا أن خصائص محددة، مثل سرعة وموقع إلكترون ما، لا يمكن أن تُعرف في آن واحد على وجه اليقين. عُبّر وقتها عن هذا الاكتشاف بمبدأ اللاتعين عند هايزنبرغ.

عندما يريد علماء الفلك التنبؤ بمسار مذنب فكل ما يحتاجون إلى فعله هو قياس سرعته وموقعه في مرحلة واحدة. وإنها لمسألة بسيطة، آخذين بالاعتبار قوة الجاذبية وقوانين نيوتن في الحركة، أن نربط السرعة والموقع بمعادلات ونحسب المسار الدقيق لذلك المذنب لقرون قادمة. لكن عندما يتعلق الأمر بإلكترون، تختلف الأمور من أساسها. إذ يمكن لمجرِّب أن يقرر على وجه الدقة موقعه، أو سرعته، لكنه لا يستطيع أن يحدد الاثنين في الوقت ذاته دون أن تتسلل إلى حساباته درجة من اللاتعين أو الغموض. ما تفرضه نظرية الكوانتا هو أن مستوى اللاتعين لا يمكن اختزاله أبداً، ومهما كانت القياسات المُستخدمة دقيقة.

كيف يحدث ذلك؟. أنها تتأتى بوصفها نتيجة مباشرة لاكتشاف ماكس بلانك القائل إن الطاقة، في أشكالها كافة، حاضرةٌ دائماً في حُزم منفصلة تُسمى كوانتات. ما يعني أن كوانتاً ما لا يمكن شَطره إلى أجزاء. لا يمكن تقسيمه أو تفتيته. العالم الكوانتي عالم منفصل. فإما يكون عندك كوانتا أو لا يكون. فلا يمكن أن تملك نصف كوانتا أو 99% من الكوانتا.

تنجم عن هذه الحقيقة نتيجة صاعقة عندما يصل الأمر إلى معارفنا عن العالم الذري. والعلماء يُحصلون المعرفة عن العالم من حولهم من خلال القيام بالملاحظات وإجراء القياسات. فتراهم يتساءلون: ما هي درجة سطوع نجم ما؟. وكم تبلغ درجة حرارة الشمس؟. وما وزن تفاحة نيوتن؟. وما سرعة نيزك ما؟.

{{المساهمة الكوانتية}}

في كل مرة يُجرى فيها قياس ما، فإن شيئاً ما يُسجل بطريقة ما. فإذا لم يكن ثمة تسجيل قد اُخترع، وإذا لم يكن ثمة تغيير يحدث، فلم تكن لتُجرى القياسات أو تُسجل. قد لا يبدو هذا الأمر واضحاً للوهلة الأولى، فلنجر تجربة: قِسْ درجة حرارة كوب من الماء. ضعْ ميزان حرارة في الماء وسجِّل كم ارتفع مستوى الزئبق فيه. ولكي يحصل هذا لا بد أن يكون بعض من حرارة الماء قد اُستخدم لرفع درجة حرارة الزئبق وتمدده في ميزان الحرارة. بتعبير آخر، إن تبادلاً للطاقة بين الماء وميزان الحرارة ضروري قبل أن نتمكن من القول إننا سجّلنا قياساً.

وماذا عن موقع صاروخ وسرعته؟. الأمواج الكهرومغناطيسية ترتد عن الصاروخ، فيلتقطها صحن الرادار، ومن ثم يعالجها إلكترونياً. والإشارات المرتدة تجعل من مسألة تحديد موقع الصاروخ مسألة سهلة. وهذه الإشارات ذاتها يمكن أن تُستخدم أيضاً في معرفة السرعة التي يتحرك بها الصاروخ -تُعرف التقنية المُستخدمة لهذه الغاية بزحزحة دوبلر، وهي تغير طفيف في تذبذب الإشارة المنعكسة. (وزحزحة دوبلر هذه هي الظاهرة ذاتها التي تسمعها حين تتغير طبقة صوت صفارة الإنذار عندما تقترب سيارة إسعاف أو شرطة ثم تمضي مسرعة إلى البعيد). ولأن إشعاع الرادار كان قد ارتد عن الصاروخ فهذا يعني أن تبادلاً للطاقة قد جرى بينهما. بطبيعة الحال، يكون كم الطاقة في هذه الحالة كماً مهملاً بالكامل حين مقارنته بطاقة الصاروخ المنطلق.

ليس للمثال الذي تفكرون فيه أهمية، ففي كل مرة يُجرى فيها قياس ما، فإن نوعاً ما من تبادل الطاقة يحدث-ارتفاع أو انخفاض مستوى الزئبق في ميزان الحرارة، تكتكات عداد جيجر، الإشارات الكهربائية الواردة من مسبار والتي تكتبُ على ذاكرة حاسوب، حركة قلم على ورقة. نحن لا نقلق حيال حجم تبادل الطاقة في عالم المقاسات الكبيرة الذي نحيا فيه. فكمية الحرارة اللازمة لرفع مستوى الزئبق في ميزان حرارة أقل من أن ننشغل بها عند مقارنتها بالطاقة الناتجة عن قدر من ماء يغلي. أضف إلى ذلك أن ثمة على الدوام إمكانا لجعل القياسات أكثر دقة ولحساب نتائج مشوِّشة ومعادلتها.

إلا أن الأمور مختلفة تماماً في العالم الكوانتي. فلكي نقوم بملاحظة كوانت أو تسجيل قياس بأي طريقة كانت، فإن كوانتاً واحداً على الأقل من الطاقة يكون قد تم تبادله بين جهاز القياس والموضوع الكوانتي. لكن ولأن الكوانتا غير قابل للتجزئة، لا يمكن تفتيته أو تقسيمه. فإننا نعجز في لحظة الملاحظة عن معرفة ما إذا كان الكوانت قد جاء من جهاز القياس أم من الموضوع الكوانتي. فالموضوع وجهاز القياس يكونان مرتبطين، أثناء إجراء القياس، بشكل لا يمكن اختزاله.

ففي اللحظة التي يُجرى فيها قياس ما ويُسجل، يُشكّلُ كل من الموضوع الكوانتي وجهاز القياس كُلاً لا يقبل التحليل. المُراقِب والمُراقَب واحد. والطريقة الوحيدة التي يمكن لهما الانفصال عبرها هي إن تمكنّا من شطر كوانت إلى جزأين-يبقى أحد الجزأيّن في جهاز القياس ويبقى الجزء الآخر في الموضوع الكوانتي. إلا أننا لا نستطيع القيام بذلك. لذا، فإن جهاز القياس والمنظومة الكوانتية ملتحمان بواسطة كوانت واحد على الأقل. ما يُضاف إلى ذلك، أن طاقة هذا الكوانت ليست كماً مهملاً عند مقارنتها بطاقة المنظومة الكوانتية.

ذلك يعني أنه في كل مرة يحاول العلماء فيها ملاحظة العالم الكوانتي، فإنهم يُدخلون التشوش عليه. ولكون كوانت واحد على الأقل لا بد مشمول على الدوام، فليس من طريقة يمكن من خلالها اختزال حجم هذا التشوّش. فملاحظاتنا للكون، ومساعينا لجمع المعرفة، ليست بعد الآن موضوعية على وجه الدقة لأننا في سعينا إلى معرفة الكون، نعمل على إدخال التشوش عليه. العلم يتفاخر بموضوعيته، لكن الطبيعة تخبرنا اليوم أننا لن نرى عالماً كوانتياً نقياً صرفاً وموضوعياً. في كل فعل من أفعال الملاحظة تدخلُ الذاتُ المُلاحِظةُ إلى الكون فتشوشه بطريقة لا يمكن ردها.

العلم يشبه عملية تصوير سلسلة من اللقطات وأنت تدير ظهرك للشمس. لا أهمية للطريقة التي تتحرك بها، فظلك سيسقط في الأحوال كافة على المشهد الذي تصوّره. ولا أهمية لما تفعله، فلن تستطيع قط أن تمحو نفسك من المشهد المُصوَّر.

استخدم الفيزيائي جون ويلر تشبيهاً هو لوح زجاج النافذة. فعلى مدار قرون نظر العلم إلى الكون بطريقة موضوعية، كما لو كنّا مفصولين عنه بلوح من الزجاج. فجاءت نظرية الكوانتا لتحطم هذا الزجاج إلى الأبد. فمن خلالها وصلنا إلى ملامسة الكون. وبدلاً من كوننا للكون مراقبين موضوعيين أصبحنا فيه مشاركين.

{{مِجهر هايزنبرغ}}

لمّا تنتهِ بعدُ روايتنا لغرائب الكوانتا. فثمة خطوة واحدة نخطوها بعدُ- خطوة لم يستطع آينشتاين أن يقبلها قط، خطوة لها تضمنات تخص الطبيعة الدقيقة للواقع. خطوة بزغت أثناء جدال جرى بين بوهر وهايزنبرغ حول تفسير مبدأ اللاتعين.

ففي الأيام الأولى لنظرية الكوانتا حاول فيرنر هايزنبرغ أن يشرح جذور اللاتعين قدر ما حاولتُ أنا في هذا النص الحالي، بتشبيهه بالطريقة التي يُستخدم بها الرادار للتيقن من موقع وسرعة صاروخ ما. في عالم المقاسات الكبيرة حيث الصواريخ والنيازك، يُستخدم تيارٌ مستمر من الإشارات الرادارية، إلا أن هايزنبرغ كان يفكر بنوع مثالي من المجاهر يمكنها أن تُستخدم في دراسة إلكترون واحد. مثل هذا المِجهر سيستخدم حداً أدنى من التشويش-فوتوناً واحداً، كوانتاً واحداً من الضوء، في كل مرة.

أولاً، يُحددُ فوتونٌ واحدٌ سرعةَ الإلكترون ومن ثم تُدوّن النتيجة. وبعدها، يُحددُ فوتونٌ واحدٌ موقعَ الإلكترون ومن ثم تُدون النتيجة. لكن بقياس هذا الموقع، يتلقى الإلكترون تأثيراً من قِبل الفوتون، فيُغيّر سرعته. بشكل تبادلي، بقياس السرعة، يَحرف الفوتونُ المؤثِّرُ الإلكترونَ عن مساره، وبذا يزحزحه عن موقعه. بتعبير آخر، أشار هايزنبرغ إلى أنه حالما تحاول قياس موضع الإلكترون، فإنك تغير سرعته، وما أن تحاول أن تقيس سرعة الإلكترون، فإنك تغير موقعه. ثمة على الدوام عنصر من اللاتعين غير قابل للاختزال يشمل السرعة والموقع[1].

يُحاجج هايزنبرغ في أن اللاتعين ينشأ بهذه الطريقة. إنه حصيلة التشوشات التي نُحدثها عندما نسعى إلى استجواب العالم الكوانتي. ولأن الكوانت غير قابل للتجزئة، فإن تجنب هذا اللاتعين متعذر جملةً. نَحَتَ الفيزيائي الفرنسي برنارد ديسبانا مصطلح “عالم مُحجَّب” للإشارة إلى هذه الخاصية. وقد لاحظَ أن العالم الكوانتي، بطبيعته ذاتها، محتجب ومختفٍ عنّا. ولا أهمية لمدى ما يمكن أن تكون عليه تجاربنا من دقة، فالطبيعة النهائية لهذا الواقع لا يمكن قط رفع النقاب عنها بالكامل.

{{تلاشي الواقع الكوانتي}}

عند هذه النقطة توقفت المسألة إلى أن جاء دور نيلز بوهر. فبينما كان فيزيائيون، أمثال فيرنر هايزنبرغ وولفغانغ باولي وإيروين شرويدنغر وماكس بورن، يعملون على الصيغة الرياضية للنظرية الجديدة، كان نيلز بوهر يفكر حول ما تعنيه النظرية فعلياً. ولهذا فقد دعا هايزنبرغ إلى كوبنهاغن وواجهه بالدلالة الأعمق لـ”تجربة المِجهر”.

حاجج بوهر في أن تفسير هايزنبرغ بدأ بافتراض أن للإلكترون بالفعل موقعا وسرعة وأن إجراء القياس هو إحدى هاتين الخاصيتين التي تشوش الأخرى. بتعبير آخر، يزعم بوهر أن هايزنبرغ افترض وجود واقع أساسي ثابت؛ أن الموضوعات الكوانتية تمتلك خاصيات -كتلك التي تمتلكها الأشياء العادية في عالمنا هذا تماماً- وأن فعل الملاحظة يتدخل في واحدة من هاتين الخاصيتين.

ومضى يُحاجج في أن نقطة انطلاق هايزنبرغ خاطئة، إذ تفترض أن للإلكترون خاصيات داخلية. وأن قولنا أن للإلكترون موقعا وسرعة هو قول ذو معنى في عالم المقاسات الكبيرة فقط. والحقيقة أن مفاهيم من قبيل السببية والموقع المكاني والسرعة والمسار تنطبق في فيزياء المقاسات الكبيرة فقط. ولا يمكن استيرادها إلى عالم الكوانتا.

حجة بوهر كانت من القوة بحيث أجرت دموع هايزنبرغ فعلاً. في حين كان هايزنبرغ قد حاجج في أن فعل النظر إلى الكون يشوش الخاصيات الكوانتية، كان موقف بوهر أكثر ثباتاً بكثير. إذ قال: إن كل فعل لإجراء قياس هو فعل استجواب للكون. والرد الذي يتلقاه المرء على هذا الاستجواب يعتمد على كيفية تأطير هذا السؤال- ألا وهو، كيف يُجرى القياس؟. فبدلاً من محاولة رفع الغطاء عن خاصية كوانتية أساسية، فإن الخاصيات التي نلاحظها تكون، في معنى بعينه، حصيلة لفعل القياس ذاته. أنت تطرح سؤالاً بهذه الطريقة أما الطبيعة فقد أُطرتْ لتقدم إجابة محددة. اطرحْ السؤال بطريقة أخرى وسيأتيك الجواب مختلفاً. وبدلاً من تشويش الكون، يأتي الجواب على هيئة قياس كوانتي هو شكل من الخلق المشترك بين الملاحِظ والملاحَظ.

لنأخذ، على سبيل المثال، مسار صاروخ في عالم المقاسات الكبيرة. ها أنت تلاحظ الصاروخ في النقطة “آ”. والآن أشح بنظرك عنه وبعدها ببرهة عاود النظر إليه وستراه في النقطة “ب”. ورغم أنك لم تكن تنظر إلى الصاروخ حين كان يقطع المسافة بين “آ” و”ب”، فما زال افتراض أن الصاروخ كان بالفعل في مكان ما بين النقطتين افتراضا منطقيا بالكامل. فأنت تفترض أن للصاروخ في كل لحظة من الزمن موقعاً ومساراً محددين بدقة في الفضاء بصرف النظر عن حقيقة أنك لم تكن تنظر إليه!.

إلا أن الأمر يختلف في العالم الكوانتي. يمكن أيضاً ملاحظة إلكترون في النقطة “آ” ومن ثم، فيما بعد، في النقطة “ب”. لكن في الحالة الكوانتية لا يمكننا أن نتحدث عن مسار يقطعه الإلكترون من “آ” إلى “ب”، كما لا يمكن للمرء أن يقول إنه لم يزل للإلكترون، عندما لم يكن مُلاحَظاً، سرعة وموقع.

{{الواقع ما بعد الحداثي}}

تحدث باولي عن الحاجة إلى الفيزياء لمواجهة المستويات الذاتية من المادة وللتفاهم مع اللاعقلانية في الطبيعة. والأمر كما لو أن الفيزياء في العقود الأولى من القرن العشرين كانت تستبق ما عُرف بنزعة ما بعد الحداثة و”موت المؤلف”.

اعتبرتْ التصورات الأولى عن الأدب أن لكتاب أو قصيدة ما صفة موضوعية؛ إن الكتاب أو القصيدة يحمل المعاني التي أبدعها المؤلف، وأن مسؤولية القارئ هي أن يستنطق هذه المعاني أثناء فعل القراءة. فعندما نقرأ في المدرسة مسرحية لشكسبير أو نحلل قصيدة لميلتون، يُطلب منا أن نرفع الغطاء عن الصور الذهنية المتعددة وعن التشبيهات وعن مجازات التعبير التي تعمل كمفاتيح للمعنى الجوهري المقصود من جانب المؤلف.
تقترح المقاربة ما بعد الحداثية أن القراءة أكثر من فعل إبداعي يخلق به القراء ويولِّدون المعاني من خلال خبراتهم الخاصة وتاريخهم في القراءة.

وعلى المنوال ذاته يكتب المؤلف من داخل سياق التاريخ الأدبي برمته وعبر التداعيات المتعددة للغة. وإذن فليس المؤلف بعد الآن الصوت النهائي للتأليف، “المنجب الوحيد” الحقيقي. وليس القارئ بعد الآن المتلقي السلبي للمعلومات وحسب بل هو الآن مَنْ يهب النص حياته.

عندما تحدث آينشتاين عن الرب الطيب كان يملك في ذهنه تصوراً عن التأليف مشابها لما كان في الفترة الأولى من تاريخ النقد الأدبي؛ أي، عن شخص يشبه مؤلف روايات من العصر الفكتوري. فالله خلق الكون من عدم ويمكننا نحن، بوصفنا مخلوقاته، أن نتوصل إلى فهم خطة الخلق الإلهية. الخطة هذه موضوعية وموجودة باستقلال عن أفكارنا وآمالنا ورغباتنا. والحد الذي تبقى معه هذه الخطة محجوبة عنّا هو مقياس لقصورنا البشري كقراء للكتاب الإلهي للخلق.

أما بوهر وزملاؤه في كوبنهاغن فقد تبنّوا موقفاً قريباً من موقف القارئ ما بعد الحداثي. فـ”خاصيات” الإلكترون ليست موضوعية وموجودة بشكل مستقل، بل تنشأ عن فعل الملاحظة ذاته. ودون فعل الملاحظة هذا، أو دون هذه “القراءة” الإبداعية، لا يمكن القول إن “خاصيات” الإلكترون توجد بذاتها. وهذا هو جذر القطيعة الفعلية بين بوهر وآينشتاين.

لقد حاجج آينشتاين ضد فكرة المصادفة المطلقة في نظرية الكوانتا، رغم أنه كان راغباً في المحصلة النهائية في الاعتراف بأن ملاحظة كوانتية لا تشوش الكون بطريقة لا يمكن التنبؤ بها وأن الانحلال النشط إشعاعياً لجُزيء ما يمكن أن يكون غير قابل للتنبؤ جملةً. لكنه لم يستطع الإقلاع عن قناعته بأن للكون وجودا متناهيا. إذ اعتقد أننا حتى إن أدخلنا التشوش على الكون عندما نراقبه، فإنه سيبقى مستقل الوجود. فللكون، بالنسبة لآينشتاين، وجود حقيقي مستقل، مثل نص مؤلَف من العصر الفكتوري. قد يكون محتجباً عنّا، لكنه ما يزال موجوداً. وقد لا نعرف الخاصيات المحددَّة لإلكترون ما عندما لا نقوم بملاحظته، لكن هذه الخاصيات تستمر في الوجود. وقد لا نعرف أين يتموضع إلكترون في اللحظة الحاضرة، لكن يجب أن يكون له مسار في الوقت الذي ينتقل فيه من “آ” إلى “ب”.

ووفق صياغة آينشتاين لهذه النقطة، الكون مركّب من “عناصر الواقع المستقلة”. ومما لا يمكن إنكاره أننا نشوّش الأشياء عندما نحاول أن نتحرى هذا الواقع بملاحظاتنا. لكن عندما لا نلاحظه، عندما نكون بعيدين عن منظومة كوانتية، فلابد أنها ما تزال تمتلك واقعاً موضوعياً حقيقياً وتمتلك خصائص محددة بدقة-حتى إن حدث أننا لا نعرف ماهياتها.

هذه هي النقطة المأزقية التي أفضت إلى انسداد الطريق عند آينشتاين. إنها الاعتقاد الأكثر جوهرية لديه، ومفادها أن ثمة واقعا موضوعيا وراء مظاهر العالم، نزولاً منه إلى الميدان الكوانتي. نظريته في النسبية بيّنت أن وراء هذه المظاهر تقوم قوانين موضوعية تسود الواقع المادي، رغم أن هذه المظاهر تعتمد على حالة تحرُّك المراقب. هَبْ أننا لا نشوّش الكون، فإن له وجودا مستقلا عنّا كليةً. وقد أخبر زميله إبراهام بايس ذات مرة أنه يرفض الاعتقاد بأن القمر ينقطع عن الوجود عندما لا يكون خاضعاً لملاحظتنا. لكن إن صح ما يقوله بوهر، فلن يكون للكون بعد الآن معنى بالنسبة لآينشتاين.

تمضي السنوات ويلتقي آينشتاين وبوهر لمناقشة هذه النقطة تحديداً. وسيحاول آينشتاين أن يُولِّد ملاحظة مثالية (“تجربة ذهنية”) تعطي معنى لفكرته عن واقع مستقل. بوهر، بدوره، سيفكر ملياً بمقترحات آينشتاين وسيجد، في نهاية المطاف، خللاً في الحجة.

لم يُقصد قط أن تكون هذه “التجارب الذهنية” مثيلة لتجارب مخبرية فعلية بل كانت بديلاً لتمارين عقلية تُستخدم لاستكشاف ما إذا كان قد تم خرق لمبدأ أساسي ما من مبادئ الفيزياء. لنأخذ قضية مبدأ اللاتعين عند هايزنبرغ للتمثيل على ذلك، يُقرر هذا المبدأ أن زوجاً من الخاصيات، مثل قوة الدفع (السرعة مضروبة بالكتلة) والموقع، لا يمكن معرفتهما سوية بيقين مطلق. لاتعين ذو صلة يشمل الزمن والطاقة. فعندما يحاول الفيزيائيون قياس الطاقة في منظومة كوانتية خلال فواصل زمنية أقصر فأقصر فإن هذه الطاقة ذاتها تصبح لامتعينة أكثر فأكثر. بالنسبة لبوهر هذا الغموض أساسي في نظرية الكوانتا، لكن الزمن والطاقة أو الموقع وقوة الدفع، بالنسبة لآينشتاين، هي حقائق realities موضوعية “تملكها” نظرية الكوانتا. واللاتعين الوحيد، وفق آينشتاين، يكمن في عجزنا أو افتقارنا للإبداع في قياس الخاصيات الموضوعية لهذه المنظومات.

وعندما التقى بوهر وآينشتاين في مؤتمر سولفاي Solvay في العام 1930، قدم آينشتاين لبوهر تجربة ذهنية أخرى. فقال، افترض أن لدينا صندوقاً مليئاً بالإشعاع وله مغلاق مؤقت ليفتح ويُغلق لجزء من الثانية. والفاصل الزمني معروف بدقة كبيرة، وخلال هذا الفاصل سينفلت من الصندوق كمٌ ضئيل من الطاقة، فوتون واحد. في هذه اللحظة كان آينشتاين قد استبق موقف بوهر القائل أنه كلما كان الفاصل الزمني أقصر، كانت معرفتنا لكم الطاقة المنفلتة أكبر في لاتعينها. ونظرية النسبية الخاصة لآينشتاين تبيّن أن الطاقة والكتلة متكافئين، كما هو مبين في الصيغة E=mc². تالياً، إذا ما وزنّا الصندوق قبل أن ينفتح المغلاق وبعدها، فسيكون أخف وزناً في عملية الوزن الثانية. هذا الاختلاف في الكتلة يُقدم مقياساً دقيقاً لكم الطاقة المنفلت. وبهذه الطريقة يتم تحديد مقياس مضبوط للطاقة خلال فاصل زمني دقيق. يحاجج آينشتاين، عند هذه النقطة، في أنه أبطل دعوى بوهر حول اللاتعين الأساسي.

ولأن بوهر لا يقل عبقرية عن آينشتاين، فقد ألقى نظرة تفصيلية إلى الطريقة التي سيوزن بها الصندوق. فصاغها على هذا النحو، إن وُضع الصندوق على ميزان زنبركي وكان مؤشر الميزان يُشير إلى الصفر، فإن الطاقة ستنفلت من الصندوق في لحظة انفتاح المغلاق، وبالتبعية، ستزداد كتلة الصندوق زيادة طفيفة جداً، وسيتحرك الصندوق. وما أن يتحرك الصندوق، ستتحرك كذلك الساعة في داخل الصندوق بتأثير حقل الجاذبية الأرضية. إذ تُخبرنا نظرية آينشتاين في النسبية العامة أن معدل سرعة ساعة يتغير بينما تتحرك بتأثير حقل جاذبية. وبهذه الطريقة تمكن بوهر من توضيح أنه بسبب التغيرات في معدل سرعة الساعة، فإنه كلما ازدادت الدقة في محاولتنا لقياس الطاقة (بواسطة تغير كتلة الصندوق) سيتعاظم معها اللاتعين في الفاصل الزمني الذي يكون المغلاق فيه مفتوحاً. وعلى هذا النحو بُعث مبدأ هايزنبرغ في اللاتعين مجدداً ودُحضتْ تجربة آينشتاين الفكرية.

اعتراضات آينشتاين هذه أُحبطتْ من جانب بوهر مرة بعد مرة. بعدها، وفي العام 1931، ذهب آينشتاين وزميليه بوريس بودولسكي وناثان روزن إلى الاعتقاد بأنهم توصلوا أخيراً إلى مثال سهل للغاية. وذلك بأن نأخذ منظومة كوانتية ونشطرها إلى نصفين (نسميهما “آ” و”ب”)، ونُطيّر النصفين في جهتين متقابلتين من الكون، وبذا لا يمكن أن يكون للقياسات التي نُجريها على “آ” إطلاقاً تأثير على “ب” المبتعد في الاتجاه الآخر. لكن، وبفعل القوانين الأساسية لحفظ الطاقة (التماثل بين النصفين المتطابقين) يمكن أن نستنج بعضاً من خاصيات “ب” (مثل عزم الدوران أو السرعة) دون أن نلاحظه أبداً.

نزل هذا البحث على بوهر “نزول الصاعقة”. فنحى عنه كل انشغالاته وراح يسأل زميله المقرب ليون روزنفيلد مراراً عما “يمكن أن يكون قصدهم؟. أتعرف إلامَ يرمون؟”. أخيراً، وبعدها بستة أسابيع، توصل بوهر إلى دحض حجة آينشتاين. يُعلق بوهر على حجة آينشتاين-بودولسكي-روزن، “لقد صاغوها بذكاء، لكن ما يهم هو أن يصوغوها صياغة صحيحة”[2].

لابد أن القارئ قد توصل عند هذه النقطة إلى أن ينظر إلى بوهر بوصفه مفكراً ثاقب الذهن إلى حد بعيد. وقد كان كذلك بالفعل، إلى حد أن الفيزيائيين مازالوا حتى اليوم في حيرة من أمرهم حيال المعاني المُتضَمنة في أفكاره. وبوجه خاص، أن رده على تجربة آينشتاين-بودولسكي-روزن ما زال قيد النقاش. إن إحدى العقبات هي أسلوب بوهر في الكتابة. إذ قد علمنا في وقت سابق أن الفيزيائي الدانماركي كان من المؤمنين الكبار بمبدأ التتاميّة، المبدأ القائل إن تفسيراً واحداً لا يمكن أن يستنفد ثراء الخبرة، فالواجب، بدلاً من ذلك، تقديم تفسيرات تتاميّة وحتى مثيرة للمفارقة. وعن أسلوبه في الكتابة، يقول زميله لزمن مديد ليون روزنفيلد: “كلما كان عليه أن يدون شيئاً ما، كان يقلق قلقاً حيال التتاميّة، فكان يشعر بوجوب أن تُصححَ العبارةُ المشمولة في الجزء الأول من الجملة بواسطة العبارة المقابلة لها في نهاية الجملة”[3].

في حجة آينشتاين-بودولسكي-روزن، تشبث آينشتاين باعتقاده في وجود “عناصر الواقع المستقلة”. وقد اتفق مع بوهر على أن محاولة الفيزيائيين لقياس منظومة كوانتية، فعل الملاحظة، يشوش تلك المنظومة. على أي حال، بملاحظة نصف واحد فقط من المنظومة ،النصف “آ”، وعندما يكون النصف الآخر “ب” متموضعاً في موقع بعيد، لا يمكن لأي شكل من أشكال التفاعل أن يتداخل مع النصف “ب”، فلا وجود لقوة ميكانيكية أو حقل تأثير.

يوافق بوهر على أن آينشتاين قد حرر النصف “ب” من أي تأثير ميكانيكي؛ لكنه يحاجج في أن “مَنْ يجري القياس” يؤثر “تأثيراً جوهرياً” على التعريف الدقيق للمتغيرات الفيزيائية الخاضعة للقياس[4].

مع هذه الحجة شعر بوهر أنه وضع أخيراً نهاية لكل الاعتراضات على “تفسير كوبنهاغن” لنظرية الكوانتا. فليس ثمة “عناصر مستقلة للواقع”، والأحرى أن نظرية الكوانتا تعرض الكل الجوهري للكون. إنه ليس كوناً يُجمع إلى بعضه عبر سلسلة من عناصر شبه مستقلة متفاعلة؛ الأحرى أن ما نسلّم أنه عناصر أو “أجزاء” تنشأ فعلياً عن الآليات الشاملة للمنظومات الكوانتية. وخاصيات منظومة ما لا توجد “خارجها”، إن صح التعبير، بل هي تتحدد عبر الأساليب المتنوعة التي نقارب ونلاحظ بواسطتها منظومة ما. وكما أشار بوهر، فإن النية أو الميل إلى إجراء قياس -تركيب أجزاء الجهاز، مثلاً- يقرر إلى حد ما أنواع الخاصيات التي يمكن قياسها. وبهذا المعنى، ورغم غياب التداخل “الميكانيكي” بين النصف “ب” والجهاز المستخدم لقياس النصف “آ”، فإن ثمة على الدوام تأثيرا ما، وباستخدام مصطلحات بوهر، على هذه الشروط التي تحدد الحصائل والنتائج الممكنة.

ثمة مساهمة مثيرة للاهتمام تنتج عن هذه المناقشة لمفارقة آينشتاين-بودولسكي-روزن، قدمها جون بيل الذي أشار إلى أن الكل الكوانتي يعني أن نصفيْ المنظومة “آ” و”ب” يبقيان في “علاقة مشتركة” حتى عندما يكونان منفصلين. ما من تفاعل لـ”آ” مع “ب” بأي معنى من المعاني؛ لكن (وبتعبير فضفاض) “ب” “تعرف” أن ثمة قياسا يجري على “آ”. أو بالأحرى، سيكون من المستحسن أن نقول إن “آ” و”ب” يبقيان في علاقة مشتركة بينهما. ومُذ ذاك أُثبتت هذه العلاقة المشتركة بواسطة تجارب مخبرية غاية في الدقة.

شعر بوهر أن دحضه هذا قد أطلق حكم الإعدام على حلم آينشتاين في واقع مستقل. ولم يكن آينشتاين، من جانبه، راضياً. ابتعد الرجلان عن بعضهما إلى حد لم يعد التواصل العميق بينهما ممكناً بعدُ. قطيعتهما هذه ترمز إلى التشوش الفكري الذي ظهر في القرن العشرين، التشوش بين السببية والمصادفة، بين التعين واللاتعين، بين الواقع الموضوعي والقراءة الذاتية. إنه صدع قائم اليوم في الفيزياء بوصفه صورة من صور التفكير الفُصامي تقريباً. يصوغ الفيزيائي باسيل هيلي المسألة كالتالي “قدم الفيزيائيون خدمة شفوية لبوهر وأنكروا آينشتاين، إلا أن معظمهم ينتهي إلى تجاهل فكر بوهر ويستمر في التفكير على طريقة آينشتاين”[5].

{{نحن جميعاً معلقون في اللغة}}

لا عجب أن يواصل العديدُ من الفيزيائيين العاملين التفكيرَ على طريقة آينشتاين، ذلك أن ذهن بوهر كان ثاقباً للغاية. ففي وقت سابق كان قد اقترح أن فكرة التتاميّة تمتد إلى ما وراء الفيزياء باتجاه الفكر برمته. وها هو الآن يضع موضع السؤال حدود العقل البشري في سعيه للقبض على الواقع.

كان الفيزيائيون، وحتى مجيء نظرية الكوانتا، يفكرون في الكون بحدود النماذج، وإن كانت نماذج رياضية. والنموذج هو صورة مبسطة عن الواقع المادي؛ أُهملت فيه، على سبيل المثال، بعض الاحتمالات مثل الاحتكاك ومقاومة الهواء وخلافهما. هذا النموذج يعيد من داخل نفسه إنتاج سمة ما جوهرية من سمات الكون. وفي حين تكون حوادث الطبيعة اليومية محتملة احتمالاً عالياً وتعتمد على كل ضروب التشوّشات والسياقات الخارجية، فإن النموذج المؤمثل يهدف إلى تقديم جوهر الظواهر. فالتفاح وقذائف المدافع تطير في فضاء مثالي خال من مقاومة الهواء. والكرات تتدحرج على منحدر صقيل كل الصقل في غياب للاحتكاك. وتيار كهربائي يتدفق عبر معدن مثالي، خالٍ من العيوب والتشوهات. والحرارة تدور في دارة معزولة عزلاً تاماً من منبعها إلى آلة ما.

نظريات العلم كافة تعالج نماذج مؤمثلة، وهذه النماذج المؤمثلة تقدم، بدورها، صوراً عن الواقع (…). في هذه الأثناء، سنتفحص حجة بوهر القائلة إن هذه الصور والنماذج كافة تتأسس على تصورات تطورت من الفيزياء الكلاسيكية. وبالتالي، فإنها ستتسبب على الدوام في ظهور المفارقة والخلط عندما تُطبق على العالم الكوانتي.

مضى بوهر إلى أبعد من ذلك. قد يعمل الفيزيائيون بالقياسات والرياضيات والمعادلات لكنهم عندما يجتمعون لمناقشة معنى هذه المعادلات ويصفون ما يقومون به من أعمال، فإن عليهم أن يتحادثوا باستخدام اللغة العادية نفسها (منطوقة أو مكتوبة) التي نستخدمها جميعاً. وما لا يمكن إنكاره أنهم يستعملون عدداً كبيراً من المصطلحات والمعادلات التقنية، إلا أن الشطر الأعظم من هذه النقاشات يدور بلغة الحياة اليومية التي تطورت وسط جماعات بشرية تعيش في عالم المقاسات الكبيرة ولها حجم وعمر معينين. والمقياس البشري للأشياء مختلف اختلافاً هائلاً عن مقياس الذرات والإلكترونات. وبينما تطور الوعي البشري، كذلك تطورت تصورات الموقع والمكان والزمان والسببية. هذه المفاهيم، في شكلها الأكثر أساسيةً، تساعدنا على البقاء وعلى تفسير العالم من حولنا. وكل هذه التصورات “ذات المقاس الكبير” متجذرة بعمق في لغتنا بحيث يستحيل إجراء حديث دون استعمالها (ببراعة وبشكل لا شعوري إلى حد كبير). لكن عندما نتحدث عن العالم الكوانتي نجد أننا نستعمل تصورات، ببساطة، لا تلائمه. وعندما نناقش نماذجنا عن الواقع، فإننا نستورد باستمرار أفكاراً غير ملائمة وليس لها معنى في المجال الكوانتي. ولهذا السبب يعلن بوهر: “إننا عالقون في اللغة ولذا فنحن لا نعرف أين هو الأعلى وأين هو الأسفل”. فكرنا المنطقي يجري دائماً داخل اللغة، تلك اللغة التي تُعدُّنا قبلياً لتصوير العالم بطريقة معينة، طريقة متضاربة مع العالم الكوانتي[6].

حالما نسأل: ما هي طبيعة الواقع الكوانتي؟. وما هي الطبيعة الأساسية للعالم؟. هل ثمة واقع على المستوى الكوانتي؟. نجد أنفسنا وقد وقعنا في شرك كلمات وصور وتصورات ذهنية ونماذج وأفكار مصدرها العالم ذو المقاسات الكبيرة. والنتيجة، كما يشير بوهر، خلط ومفارقة. وفي النهاية، البقاء على الصمت يَفضلُ خلق خلط فلسفي لا نهاية له؛ وربما يكون هذا هو السبب الذي حكم على النقاشات بين بوهر وآينشتاين لأن تنتهي بالصمت. فما بدأ كنقاش للمصادفة واللاتعين تطور إلى تحول جذري في أفكارنا حول طبيعة الواقع ذاتها. والرابطة الوجدانية العميقة بين آينشتاين وبوهر لم تكن كافية لتجاوز التصدع المتنامي بين مقاربتيهما الخاصتين للفيزياء.

{{تلاشي الواقع النهائي}}

أدخلتْ نظريةُ الكوانتا اللاتعين إلى الفيزياء؛ لاتعين لا ينشأ عن مجرد الجهل بل لاتعين أساسي حيال الكون ذاته. اللاتعين ثمن ندفعه لنصبح مشاركين في الكون. قد لا تكون المعرفة النهائية ممكنة إلا لكائنات أثيرية، تقبع خارج الكون وتراقبه من أبراجها العاجية. لكننا ككائنات ذات جسد، نعيش في قلب العالم المادي. نحن جميعاً مساهمون في هذا العالم، وضريبة الدخول التي ندفعها هي العيش مع قدر من اللاتعين.

اللاتعين يوجد بطريقة أخرى أيضاً وأكثر إقلاقاً، بوصفه لاتعينا إزاء الهدف الدقيق من العلم والفلسفة. كان البشر قد تساءلوا، ومنذ زمن الإغريق، عمّا يشكل العالم. فسعوا للوصول، من خلال التأمل والتجربة، إلى أرضية نهائية أو فكرة نهائية يستند عليها الواقع بأسره. وقارب علماء القرن العشرين فكرة الأرضية النهائية هذه بتحطيم المادة إلى كِسرٍ أصغر فأصغر فاكتشفوا من ثمّ الجزيئات والذرات والجُسيمات الأولية، ومعها نظرية الكوانتا.

لكن، عندها تحدى نيلز بوهر قدرة العلم والعقل البشري على المضي قُدماً. بدا تقريباً وكأنه يلمح إلى أن العلم كما نعرفه قد وصل أخيراً حدوده ولن يستطيع المضي إلى أبعد من ذلك بوصفه وسيلة للبحث في طبيعة الواقع[7].

عندما تحدث الفيزيائي والفيلسوف برنارد ديسبانا عن العالم دون الذري بوصفه “واقعا محتجبا” كان يُضمر أن ثمة شيئا ما واقعيا لا بد موجودا وراء الحجاب. ومرة أخرى يُحذرنا بوهر من هذه الأفكار. فليس بمقدورنا البدء بمناقشة ما يكمن وراء هذا الحجاب، أو حتى أن ثمة “شيئا ما” وراء الحجاب يمكن القول بوجوده. وفي التحليل الأخير، ربما لا وجود لواقع كوانتي. فقد لا يكون الواقع الكوانتي موجوداً إلا كتصور في عقولنا.

وهكذا نُترك أمام لغز. فربما لا وجود لأسس لعالمنا. وربما لا وجود لهدف نهائي يمكن للعلم التوجه نحوه. وربما تكون تصورات “الوجود” و”المستويات الأساسية” من سرعة الزوال بحيث تتلاشى ما أن نلمسها.

شيء شبيه لهذا ظهر مع الحركة الفلسفية المعروفة بـ”موت الله”، التي تمد جذورها في كتابات نيتشه. فبدلاً من إنكار وجود الله، حاججت هذه الحركة في أن التركيب البشري، “فكرة” الله، المفهوم البشري عن الألوهة قد مات. وما يبقى في مكانه، في مكان الله، يكمن وراء حدود الخطاب والمفاهيم والأفكار واللغة. ما يتبقى ينأى عن مس الفكر البشري وتلوثه. إنه لغز مطلق.

فهل تخبرنا نظرية الكوانتا أن بمقدور العلم وحده المضي بعيداً في فض ألغاز الوجود؟. هل ما تعنيه أن نقطة معينة، خطوة إضافية، ستقود فقط إلى تشوش لا طائل من وراءه؟. نظرية الكوانتا تُجبرنا على رؤية حدود قدراتنا على تأليف صور ذهنية، على خلق تشبيهات وعلى دفع اللغة إلى نهاياتها. وحينما نجهد أنفسنا في إمعان النظر في حدود الطبيعة، فإننا نبدأ، على غير جلاء، بتمييز شيء ما مستتر في الظلال المعتمة. وأن شيئاً ما يتألف من ذواتنا وعقولنا ولغتنا وذكائنا وخيالنا، وكلها قد توسعت لتبلغ حدودها.

-*يمكن لقارئ هذا النص أن يستعيض عن مصطلحي يقين ولايقين بمصطلحي تعين ولاتعين. فللأوليّن نفس فلسفي ويرتبطان بنظرية المعرفة، فيتلونان بتلونها. وللتالييّن دلالة محددة في سياق فيزياء الصغائر في القرن العشرين، وعليهما استقر رأي معظم مَنْ ترجموا العلوم الطبيعية إلى اللغة العربية . المترجم.

[1]-بما أن الكوانت الواحد غير قابل للقسمة وهو مشترك بين الملاحِظ والملاحَظ، فليس بمقدور الفيزياء أن تقول ما إذا كان فوتون واحد ناتج عن الجهاز، أو عن الإلكترون الملاحَظ، أو عن كليهما. وبسبب ذلك لا يمكن حساب أثر التشويشات على السرعة والموقع وتالياً إجراء معادلة لإنقاص اللاتعين.

[2]- أفضى بوهر بتعليقاته هذه إلى ليون روزنفيلد. ووردت في كتاب Quantum Theory and Measurement (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1983). وقد حرره كل من جون أريشبالد ويلر وويجشيا هوبرت زيورك.

[3]- وردت في كتاب: Glimpsing Reality: Ideas in Physics and the Link to Biology (Toronto: University of Toronto Press, 1996). وقد حرره كل من باول بكلي وإف ديفيد بيت.

[4]- إن وجد القارئ هذه العبارة عصية على الفهم، فإن مفكرين ذوي عمق من ميداني الفيزياء النظرية وفلسفة العلم يتشاطرون أيضاً هذا الإلغاز بعينه.

[5]- باسيل هيلي في محاثة مع المؤلف.

[6]- ويلر وزيورك، المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[7]- في فترة شبابه، ناقش ديفيد بوهم مسألة الواقع هذه مع آينشتاين من خلال سلسلة من الرسائل. وقد تشبث آينشتاين باعتقاده في واقع مستقل يمكن مقاربته بالعقل. وفي أحد ردوده، يُحاجج بوهم أنه ربما يكون ثمة مستويات أخرى من المعرفة تكمن تحت المستوى الحالي لمعرفتنا، مستويات غير متوقعة وغير مكتشفة.

كانت فيزياء نيوتن كافية لوصف العالم طوال مائتي عام- فمن حالة إلى أخرى، فسرت فيزياء نيوتن ظواهر العالم. ومع إجراء تجارب أكثر دقة في نهاية القرن التاسع عشر بدأت الفيزياء تستنتج وجود تناقضات في قوانين نيوتن وبهذا دخلت عالم نظرية الكوانتا. لكن، وكما أشار بوهم، الحاجة إلى نظرية الكوانتا تظهر فعلياً عندما نتعامل مع مسافات وفواصل زمنية قصيرة للغاية فقط أو مع أشكال من الطاقة شديدة للغاية.

ومن أجل خبراتنا الباقية لا نحتاج إلى ما سوى الفيزياء الكلاسيكية، أي الفيزياء النيوتونية. ومعنى ذلك أن عالم الحياة اليومية غير حساس إلى حد بعيد حيال ما يجري فيما دونه على المستوى الذري، هذا المستوى المخفي بشكل فعال عن الخبرة العادية التي احتاجت إلى مئتي عام من العلم لتكتشفه.

لكن، ماذا إن كان ثمة مستوى آخر يقبع تحت نظرية الكوانتا؟. ربما تمضي عقود وعقود من العلم الدقيق قبل أن يتم اكتشاف هذا المستوى الخفي. وماذا إن كان ثمة مستوى آخر تحت هذا المستوى، وآخر، وهكذا إلى الأبد. ربما يكون الواقع منتاهياً في دقائقه، وسيكون العلم قادراً على النفاذ مسافة قصيرة للغاية من سطحه فقط. أما رؤيا بوهم فهي عن علم يواصل تقدمه دون حد. لكن السر التالي يغدو أصعب فأصعب على الكشف مع كل خطوة إلى أن يُقلع العلم ذاته مستنفداً.

على أي حال، حاجج بوهر في أن قدرتنا على الدخول إلى “واقع نهائي ما” للكوانتا محكوم عليه بالغموض والتشوش. وحتى مفاهيم بوهم عن المستويات والأفكار بوصفها أساسية ونهائية هي جميعاً صور ذهنية من المقياس البشري. إذ تستند، على سبيل المثال، على تشبيهات معمارية. ما أن نفتح أفواهنا لنطرح مثل هذه الأسئلة حتى تُؤثِّم أراؤنا المسبقةُ البحثَ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق