من ثقافة التحرر إلى ثقافة الحرية

لن يغيّر الناس مذاهبهم، على النحو الذي يغيرون فيه قناعاتهم الأخرى، وهذا ما يجعل المطلب الديمقراطي في بعض الدول العربية محفوفاً بهيمنة مذهب الأغلبية بشكل متواصل. أي أن الديمقراطية “الطائفية” تخالف مفهوم الديمقراطية ذاته، فتقتصر على حدّه الأول “حكم الأغلبية”، بينما تغفل الجانب الأهم وهو واجب الأغلبية في السماح للأقلية بالتحول إلى أغلبية أو ما نسميه بتداول السلطة. ولأن الأغلبيات والأقليات الدينية، والإثنية أيضاً، مستقرة وغير قابلة للزحزحة فالمخاوف الأقلوية ستبقى قائمة، ما دام صندوق الاقتراع مرآة للعصبيات لا تكريساً لمفهوم الدولة. بهذا المعنى تبدو الديمقراطية العربية استيراداً لمنجزات الدولة المعاصرة، وتطبيقاً لها وفق شروط ما قبل الدولة، أو بالأحرى تلتبس الدولة بالسلطة إلى الحدّ الذي تفقد فيه الدولة أهم سماتها وهو الحياد.

وللتذكير فقد قامت الدولة المعاصرة على أنها كائن معنوي منفصل عن الأفراد والجماعات، الذين تنازلوا عن جزء من “حريتهم”، وفوّضوا الدولة بالقيام بدور قسري ضمانةً لاستقرار المجتمع ككل. ومن جانب آخر استمدّت الدولة المعاصرة فلسفتها من فلسفة الحداثة التي نادت بموت الإله، وقد عنى هذا توسع منظومة الحقوق الفردية باضطراد، على حساب المنظومات الكلية والعصبيات ما قبل الحديثة. وعطفاً على ذلك بإمكاننا القول إن مشروع الدولة، في جانب منه، هو إعادة هيكلة المجتمع، وتجسّد هذا تاريخياً من خلال استيلاء الدولة على مكانة الأطر السابقة لها، ونعني تحديداً الأطر اللاهوتية. في مرحلة لاحقة بات على الدولة أن تتخلى عن جزء من هيمنتها لصالح المجتمع الجديد، ولن نكرر هنا الحديث عن الحلقات الوسيطة بين الأفراد والدولة، أي منظمات المجتمع المدني، فما يهمنا الإشارة إليه هو عودة فلسفة الحقوق الجماعية إلى الانتعاش، في موازاة الحفاظ على الحقوق الفردية المكتسبة. ومن المستغرب أن يذهب البعض إلى مقابلة تنظيمات المجتمع الأهلي في الدول العربية بمنظمات المجتمع المدني في الغرب، مع وجود فارق جوهري بين الاثنتين، فالأولى تنتمي إلى ما قبل الدولة بينما تنتمي الثانية إلى ما بعد الدولة، ويتجلى ذلك في حرية تشكيل الجماعات والخروج منها، سواء كانت هذه الجماعات دينية أو علمانية، وواجب الدولة هو حماية حقوق الأفراد وخياراتهم أولاً، وتالياً حماية حقوق الجماعات، ولكن بعدّها تمثيلاً طوعياً لمنتسبيها.

إن تبيئة المفاهيم لا تعني أبداً تجريدها من دلالاتها الأساسية، أو من رصيدها التاريخي، ومن المغالطة في هذه الحال أن نتلقف مفاهيم الاختلاف والإقرار بالآخر، التي هي وليدة عصر ما بعد الحداثة ونقد المركزية الأوربية، على أنها مكافأة للمجتمعات الأخرى على تخلفها. فالاختلاف لا ينبغي أن يطال القضايا الجوهرية التي تخص وجود الإنسان وفي مقدمتها شرط الحرية، والواقع إن الحرية هي التي تخلق جدل الاختلاف وفعله، وبحيث لا يشكّل افتراقاً راسخاً. ومن ذلك فإن الاختلافات المجتمعية العربية تصبح سمة حيوية فقط عندما تقرّ الطوائف والاثنيات بحرية أفرادها، وعندما يصبح لصعاليك الطوائف الحصانة ذاتها التي تتمتع بها الطوائف.

وما يحدث في الدول العربية وتجاربها السياسية هو العكس، حيث تتقدم حقوق الجماعات (العصبيات) على حقوق الأفراد، وعلى حسابها، وتصبح الاختلافات بين الجماعات المذهبية أو الإثنية قانوناً مستقراً لجماعات مستقرة. وليس بعيداً عن ذلك سنجد هذه المجتمعات وهي ترى الخلاص من تناقضاتها في العداء للآخر الأجنبي، وربما كانت الحقبة الاستعمارية هي أزهى الحقب من ناحية انتشار المشاعر الوطنية، لكن انتعاش هذه المشاعر ارتبط بثقافة التحرر الوطني التي بقيت مهيمنة في النصف الثاني من القرن العشرين، في الوقت الذي كان مطلوباً فيه الانتقال من ثقافة التحرر إلى ثقافة الحرية. قد يعزّ على البعض الاعتراف بأن الدول العربية في غالبيتها دول مستقلة، وبأن الضغوط التي تتعرض لها المنطقة هي من طبيعة السياسة المعاصرة، أي أن مفهوم السيادة التقليدي قد تم اختراقه نهائياً، وعلى هذا فإن مفاهيم التحرر التقليدية أصبحت في ذمة الماضي، ولن تجدي محاولات بعثها عبر الأصوليات الفكرية والسياسية إلا في تكريس التأخر الحضاري، ومن ثم زيادة التبعية. إن المحكّ الحقيقي اليوم هو قدرة المجتمعات العربية على المجاهدة ضد ذاتها، وما تكتنفه من منظومات ومفاهيم تشلّ قدراتها، ومن دون هذا الحراك الاجتماعي ستكون السياسة اقتساماً للدولة، وحتى اقتساماً للأوطان.

ثمة لبس بين العلمانية والدولة المعاصرة تنبغي إزالته، فالنموذج العلماني الذي عنى “الدولة ضد الدين” لم يكن يوماً بالنموذج السائد، باستثناء التجربة الشيوعية ربما، والأكثر دقة هو أن نصف الدولة المعاصرة بأنها دولة لا دينية، وهذا في صلب حياد الدولة. قد يتقاطع مفهوم الحياد مع العلمانية على ألا يُفهم من ذلك اشتراط علمانية المجتمع، بل المقصود هو فك الارتباط بين الدين والدولة، فلا يقع أحدهما تحت هيمنة الآخر. إن تحرير الدين من الدولة، وتحرير الدولة من الدين، هما الضمانة لكي يفعل كلّ منهما ضمن حقل مختلف، وهذا يتطلب من الإيديولوجيات الدينية أن تتخلى عن الإرث السلطوي للدين، وأن تقرّ بأن السلطة المعاصرة غير قائمة على التبعية المطلقة، أي أن مفهوم الإيمان خارج اختصاص الدولة، كما أن مفهوم الإدارة تطور ليتجاوز الأطر الدينية. وما يثير الاستغراب في هذا الصدد هو إغفال الحديث عن الحرية الدينية، مع أنها في طليعة التزامات الدولة المعاصرة، والحق أن الجماعات الدينية لا تتطلع إلى الحرية، بقدر ما تتطلع إلى السيطرة على الدولة. ولهذا فإن التناقض الجوهري بين الجماعات الدينية العربية والدولة المعاصرة المتوخاة يكمن في معاداة الأولى لفكرة الحرية، ولن يكون عسيراً عليها أن تجد العزاء في استبداد السلطات القائمة فعلاً.

يقدّم لنا “البراكسيس” الطائفي العربي نموذجين حاضرين: النموذج العراقي المستجد، والنموذج اللبناني الأكثر عراقة واستقراراً. ولعل النموذج اللبناني يقدّم المثال الأوضح، خاصة أنه ارتبط تقليدياً بهامش كبير من الحريات العامة. فالطائفية السياسية في لبنان أكثر رسوخاً من الدولة، بالضبط لأن الطوائف تقوم بدور الدولة، فلكل طائفة مؤسساتها الخاصة التي تبدأ بالجمعيات الخيرية، مروراً بالمشافي والمدارس، لتنتهي بحصة الطائفة من الوظائف العامة، باختصار كل ما يجعل الفرد مُلحقاً بطائفته. وفي المقابل من هامش الحرية الذي أشرنا إليه فإن المؤسسة الطائفية وحدها التي تكفل الحماية والأمان، ما يجعل حرية الفرد مشروطة بقدرته على كفاية نفسه. لقد استطاعت المؤسسة الطائفية اللبنانية تهميش التنظيمات المدنية المعاصرة، وفي لحظات الأزمة، وما أكثرها، تغلّب الولاء الطائفي على ما عداه. وسيكون من التجاوز أن نتحدث عن الدولة عندما يصبح لكل طائفة مصالحها وارتباطاتها الخارجية، أي سياستها الخارجية، ويصبح لديها جيشها الخاص “ميليشياتها”، وسيكون من العبث التنظير لـ”ديمقراطية توافقية” ما دام الأداء الواقعي أقرب إلى الإقطاع السياسي في العصور الوسطى. إن الدستور اللبناني نفسه يلغي علاقة الفرد/الدولة، فهو اتفاق طوائف، سواء في ميثاق 1943 أو اتفاق الطائف المعمول به حالياً، ولهذا فإن “الديمقراطية التوافقية” تتحرك وتنزاح وفق تغير موازين القوى بين الطوائف، ولا تتحرك وفق معايير الأداء الديمقراطي، بمعنى أنها ليست مرشّحة لأن تتجاوز أخطاءها.

ننطلق في مقاربتنا الواقع التعددي للمجتمعات العربية من أن الإقرار بالتعدد لا يعني التسليم النهائي بخصائصه البنيوية، ونفرّق بين الإرث الرمزي لكل جماعة وتحويل هذا الإرث إلى مشروع للدولة، خاصة أننا بصدد عصبيات تنتمي إلى ما قبل الدولة. ولا نعتقد أن العلمانية بشكلها الإيديولوجي تقترح حلاً ممكناً لهذه المجتمعات، وبالتالي نقترح إعادة ترتيب الأولويات الفكرية، وفي ظننا أن الواقع الحالي يطرح ثلاث مسائل مترابطة هي الدولة والحرية والديمقراطية. وقد احتلت المسألة الديمقراطية صدارة الاهتمامات العربية خلال العقد الأخير، وبدا هذا طبيعياً لأنه يقوم على التضاد من الأنظمة الاستبدادية القائمة. لكن المؤسف هو أن تبقى المسألة الديمقراطية أسيرة هذا التضاد، وبحيث تبدو، وبمعزل عن حمولتها الدلالية والواقعية، المفتاحَ السحري لحل مشكلة الاستبداد السياسي. والمؤسف أيضاً أن تتحول الديمقراطية، على أيدي بعض القوى السياسية ومفكّريها، إلى محض ذريعة للتغيير السياسي ومناكفة السلطات، في الوقت الذي تتعارض فيه البنى الفكرية لهؤلاء مع أسس الديمقراطية. وعلى وجه الإجمال نعتقد أن مطالب حركات المعارضة العربية تمحورت حتى الآن حول المطالبة بتحسين حال الحريات السياسية، ولم تصل إلى النقاش في صلب المسألة الديمقراطية، وهذا يتطلب الانتقال من مفهوم السلطة إلى مفهوم الدولة.

ونعود إلى التأكيد على أن مشروع الدولة، في جانب منه، يعني إعادة هيكلة المجتمع، وهذا ما يميز الدولة المعاصرة من أية سلطة أخرى. ولا نعني بذلك إعادة الهيكلة بشكل قسري، وإنما أن تشكّل الدولة البيئة القانونية والخدمية التي تسمح بالحراك الاجتماعي، ونزعم أن الأفراد ميالون إلى التخلص من الأطر الموروثة إذا أُتيحت لهم الحرية والحصانة الكافيتين. وننوه إلى أن الحرية تشترط التكافؤ أكثر مما تشترط المساواة، وهذا ما يٌترجم بقوانين مكافحة التمييز أو القوانين التي تتيح تمكين الأفراد والجماعات، الصغيرة منها أو المهمشة تاريخياً مثل النساء والأطفال. لقد توصل العالم إلى مجموعة من المعاهدات والمواثيق التي تخص حقوق الإنسان، ونعتقد أن هذه المواثيق تعبّر عن الجانب المدني للدولة المعاصرة، وعلى هذا ليس غريباً أن يتم انتهاك حقوق الإنسان من قبل السلطات الحالية، ما دامت أصلاً بعيدة عن مشروع الدولة. ونشير إلى مواثيق حقوق الإنسان لأنها الحد الأدنى الواجب توفره، وبلا تحفظات، في الدولة المعاصرة.

وفي الواقع إن تطور الدولة اجتماعياً يُقاس بمدى علوّ حقوق المواطن فوق شرعة حقوق الإنسان، ومع ذلك فإن المأمول من المجتمعات العربية هو فقط الإقرار بالحد الأدنى، وهذا بذاته يغني عن الكثير من الجدل حول مفاهيم مثل العلمانية، فما نحتاجه حقاً هو الإعلاء من شأن الحرية، وتحديداً الحرية الفردية. وغنيّ عن القول إن حرية الفرد السياسية لا تنفصل عن الإقرار بفردانيته على كافة الأصعدة، وبغياب الفردانية يصعب الحديث عن حرية الاجتماع السياسي. إن التحدي الملازم للديمقراطية هو بناء مجتمع الدولة، وهذا رهن بخلخلة المجتمعات العربية، وصندوق الاقتراع بمفرده لن ينجز دولة أو ديمقراطية، ما لم تتزامن معه النقلة الجوهرية، على صعيد المفاهيم والممارسات، وهي ببساطة من العصبية إلى الحرية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق