من جرح الهزيمة إلى ضمادة التراث

إن الهزيمة الحزيرانية، قبل أن تكون هزيمة لجيوش العرب ورجالهم وأنظمتهم، كانت في المقام الأول هزيمة لعبد الناصر، ذلك الأب المعبود المؤمثل الذي أخذ على عاتقه ـ وقد فرش مظلة حمايته على أبنائه من المحيط إلى الخليج ـ أن يتحدى ويستفز تلك الجنية الشريرة التي كانت، على ما هي عليه من قزامة، ولكن بالاعتماد دوما على المستعار من عدتها، مصدر إذلال تاريخي لهم منذ «نكبة» 1948.

وحتى ندرك مدى وقع هزيمة هذا الأب على شعور أبنائه ولاشعورهم معاً، لا بد أن نشير إلى أن العلاقة الأبوية التي كانت تجمع بينه وبينهم كانت من نمط خاص للغاية. وبمعنى ما، كانت علاقة مجنَّسة. ولكن، كما في الميتولوجيات الكبرى، كانت علاقة «حبَل بلا دنس»، وفي الحالة التي نحن بصددها كانت علاقة صوت بأذن. ولا ريب أن صوت عبد الناصر كان بحد ذاته معبّراً ساحرا عن المشاعر الجماعية وترجماناً لأعمق صبوات الأمة. وبكلمة واحدة، كان صوت شعب بلا صوت(1). ولكن صوت عبد الناصر لم يكن هذا فحسب. ففي كل مهرجان خطابي ـ وكان كل مهرجان خطابي بمثابة عرس جماهيري ـ كان ألوف الألوف من المسحورين بذلك الصوت، سواء في الساحات العامة أو من خلف المذياع، يتجردون من فردياتهم وينسلخون من جلودهم لينصهروا في كتلة لدائنية واحدة تتشكل وتتموج في شبه مطاوعة أنثوية لنبرات ذلك الصوت ولإيقاع طلعاته ونزلاته. والحال أن هذا الصوت هو الذي تهدج وانكسر غداة الهزيمة. ومن ليل يأسها خرجت الجماهير في مساء التاسع من حزيران إلى شوارع القاهرة كما إلى شوارع غيرها من المدن العربية، وهي «في حالة يتم مفجعة»(2 )، لتعلن رفضها للانكسار والاستقالة ولتطالب عبد الناصر بالبقاء والصمود. ولسوف تخرج الجماهير مرة ثانية إلى الشوارع، ودوماً في عمق الليل واليأس، لتبكي، في حالة يُتم حقيقي هذه المرة،ذلك الأب المعبود الذي أتاها نعيه ليلة 28 أيلول 1970(3).

هكذا لا تكون إسرائيل قد خصت الأب فحسب، بل قتلته أيضاً، أو لم تترك له خيارا آخر سوى أن يموت قهراً. وأن تكون إسرائيل قد اقتدرت على الأب، وهو بمثل قامة عبد الناصر، فإنه لا يبقى أمام الأبناء، في مواجهة عضوها التكنولوجي المزدرع والكلي السمية، سوى أن يلوذوا بحمى أب أكثر تجذرا في الاستمرارية التاريخية وأكثر ثباتاً في ليل العصور؛ وعلى هذا النحو أخذت بالاشتغال آلية النكوص إلى التراث بوصفه أباً رمزياً حامياً.

وكما في كل جريمة خصاء أو قتل ميتولوجية للأب، سواء بيد أجنبية من خارج العشيرة أو أهلية من داخلها، كان لا بد أن تأتي، تحت ضغط مشاعر الذنب المستبطنة أو طلباً للتحرر من دوام حالة الحداد الباهظة الكلفة نفسياً، لحظة ينقلب فيها الأبناء على الأب القتيل، ليعتبروا أن ما وقع له هو قصاص رباني عادل استحقه بملء يديه. وعلى هذا النحو بدأت، بعيد وفاة عبد الناصر، حملة التشهير به وشارك فيها بعض من أخلص الخلصاء من «إخوانه» و«أبنائه»، وجرى على نحو لا يخلو من بشاعة أحياناً نبش ذكراه للتمثيل بها بديلاً عن جثته. وفي سياق هذه الردة، التي كانت تكمن وراءها بكل تأكيد عوامل سياسية مباشرة وأخرى تتعلق بالخلافة وبالصراع على السلطة، تمت تعرية عبد الناصر من صفته الأبوية المكتسبة، ليُردّ إلى أصله باعتباره مجرد ابن متمرد كسر السلسلة الأبوية الشرعية وأسس سلالة بنوية متمردة تبدأ منه بداية مطلقة باعتباره أبا نفسه. وبما أن «ثورة» عبد الناصر هي وريثة «النهضة» وصيغة مطورة منها، فقد ارتد طمي الردة على عصر النهضة بالذات، وجرى، باسم العودة إلى الأصالة، التشهير بآباء النهضة المؤسسين، ولا سيما الجذريين منهم، باعتبارهم هم أيضاً أبناء متمردين خرجوا على الشرعية التراثية وسعوا إلى تهجين سلالة الأجداد والآباء بما زرقوها به من سموم الحداثة التي رضعوها من ثدي أم دخيلة، هي الحضارة الغربية.

إن هذه الازدواجية الوجدانية إزاء ذلك «القائد العملاق»(4 ) الذي كانه عبد الناصر لا يمكن أن تجد تفسيراً لها ما لم نأخذ في اعتبارنا أن ثمة مستويين إدراكيين إثنين جرى ويجري من خلالهما تمثل هزيمة 1967: مستوى شعوري وآخر لاشعوري. فعلى المستوى الشعوري ما كان للوعي العربي أن يطيق، كما ذكرنا من قبل، تمثل هزيمة بمثل ذلك العري والإذلال. ومن هنا ذلك الميل الكاسح في الخطاب العربي التالي للهزيمة ـ التي قلنا إنها بالماهية غير قابلة للتغطية ـ إلى اصطناع عوامل خارجية تتمثل في تواطؤ «الربيبة المدللة» مع «حاضنتها الإمبريالية العالمية»، وبخاصة الأميركية. وعلى هذا النحو بات لا يأتي ذكر للعدو الصهيوني في أدبيات ما بعد الهزيمة إلا مقروناً بالإشارة إلى «عالميته»، أي إلى «من يقف وراءه من أعداء إمبرياليين» و«ما يلقاه من دعم من الدول الإمبريالية، وخصوصاً الإمبريالية الأميركية»(5 ). بل إن جملة الحقبة الزمنية التالية للهزيمة عُمِّدت بصورة شبه إجماعية باسم «الزمن الإسرائيلي-الأميركي»(6 ). وفقدت الصهيونية في الوعي العربي كل قوامية ذاتية، فأضحت لا تُعرَّف إلا بصورة حصرية باعتبارها مجرد مخفر أمامي لتلك الإمبريالية. وهكذا يقال لنا بتكرار شبه عصابي: «إن الصهيونية ليست إلا عميلة وطليعة للاستعمار الإمريكي»(7 ). وهذا التجريد من القوامية الذاتية يُرْفَع من مستوى التعبير المقولب والمتداول بصورة شبه لاواعية إلى مستوى الحقيقة النظرية المفكر بها: «إن الواقع والتاريخ يؤكدان… أن الصهيونية ليست إلا آخر وأخطر حلقة في سلسلة متصلة، مستمرة، من العدوان الغربي ضد الشرق العربي. إن محاولة فهم الصهيونية على أنها ظاهرة عنصرية استعمارية منفردة يؤدي بالفكر السياسي العربي إلى الهوان. فالصهيونية ليست إلا الوجه المعاصر، الأكثر عنصرية والأكثر عدوانية، للاستعمار الغربي ضد العرب عبر التاريخ»(8 ).

ولكن اللاشعور، سيد مملكة النفس التحتية، لا يساير الشعور في لعبته ولا ينخدع بخداعه لذاته. فإن كان الشعور يطيب له، لاعتبارات تتعلق بالانجراحية النرجسية، أن يعطي لمعادلة عوامل الهزيمة صيغة برَّانية، فإن اللاشعور، الذي لا يقيم وزناً كبيراً للعالم الخارجي، يصر على العكس على تأويل الهزيمة وفق صيغة جوانية. فحتى الصدفة ليست من العوامل التي يعتد بها بالنسبة إلى اللاشعور. ومن منظوره ليس ثمة من ظرف تخفيفي يسوغ الإعفاء من المسؤولية. والحق أن لسان هذا القاضي الداخلي أقرب إلى أن ينطق بما جاء به القرآن: «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم»(9 ).

وبعبارة أخرى، إن اللاشعور خزان هائل للتأثيم ولتوليد الشعور بالذنب. ومشاعر الإثم وتبكيت الضمير التي فجرتها ـ ولا تزال ـ هزيمة حزيران 1967 يمكن أن ترصد بسهولة عبر الصحافة العربية اليومية ابتداءً بالقولة التي باتت مشهورة: «إن العرب كان لا بد أن يخسروا حرب 1967 لأن السلاح الذي حاربوا به كان سلاحاً كافراً»(10 )، وانتهاءً بتصريح وزير الأوقاف المصري السابق الشيخ محمد متولي الشعراوي أنه حين وقعت الهزيمة سجد لله «ركعتي شكر لأن مصر لم تنتصر!»(11 ). وإذا تجاوزنا الصحافة اليومية أو الأسبوعية وجدنا منظّراً إسلاموياً مثل منير شفيق لا يتردد في تأسيس لاهوت تأثيمي للهزيمة باعتبارها «عقوبة حتمية» كان لا بد أن «تدفعها الأمة» ﻜ«محصلة طبيعية لمحاربة الإسلام والسير في طريق التغريب»(12 ).

ولكن لو صرفنا النظر عن الطابع الصاخب، وذي المنزع الإسلاموي، لأشباه هذه التصريحات لوجدنا أن آلية الاستبطان التأثمي لهزيمة حزيران 1967 قد اشتغلت على مستوى أعمق بكثير وأخفى بكثير على نحو لا يُلحظ عادة إلا في سيرورات النكوص النفسي. فهزيمة حزيران لم تصدِّع فقط عمارة المجتمع العربي الحديث، ولم تُحدث فقط شرخاً في واجهة وعيه، بل طال مفعولها الناخر الأسس الإيديولوجية والتاريخية التي قامت عليها هذه العمارة، أي عصر النهضة بالذات وفلسفة عصر النهضة. فقد نشطت بعد الهزيمة، على نحو ملفت للنظر، المحاولات للقفز فوق عصر النهضة ولترقين قيده من سجل التاريخ العربي والوعي العربي. ولم تقف هذه المحاولات عند حدود السعي إلى إعادة الاعتبار إلى الدولة العثمانية وإعادة تقييم دورها التاريخي(13 )، بل تعدتها في بعض الحالات إلى التشكيك في شرعية عصر النهضة وإلى الطعن في مبدئه الفلسفي بالذات وصولاً إلى حد الدفاع عما اصطلح النهضويون على تسميته بعصر الانحطاط. وهكذا أمكن أن نقرأ، حتى على صفحات مجلة تنتظم في خط تجديد النهضة، أن «عصور الانحطاط لم تدرس جيداً وأننا لا ندري هل هي انحطاط مئة في المئة، بينما نحن نعلم يقيناً أن النهضة هي زمن الاستعمار والتشويه الذاتي والغزو الثقافي»(14 ). وليس من الصعب أن ندرك أن عصر النهضة المطعون به على هذا النحو يجد تأويله في اللاشعور على أنه عصر تطاول وتعدٍ على الأب من قبل ذلك الابن الهجين الذي هو العربي المصاب بجرثومة التغريب، أي، على حد تعبير صاحب الشاهد الأخير، العربي الذي «أمّه أوروبا». وهنا تتضامن اللغة الطقسية مع التضمين القرآني والتقطيع الشكلاني لتخلع على المضمون التأثيمي طابعاً من الاحتفائية الدينية التي هي ـ على ما يبدو ـ رفيقة لازمة لكل عملية استبطان للخطيئة:

«إنك أيها العربي لما شعرت ـ أو لما أشعرك غيرك ـ أنك متخلف، ثرت على أبيك فقتلته. قتلته في الحقيقة وفي المجاز، إذ

طعنت جنوده وإذ طعنت تاريخه.

قتلته ولا تدري من هو.

فوجدك الغرب يتيماً فما آوى.

ووجدك ضالاً فما هدى.

ستقول: من أبي؟

أبوك الذي حمى أمتك من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين.

وإذا الدولة العثمانية سئلت

بأي خنجر قتلت»(15 ).

هكذا تحتل كل الحقبة التاريخية المعمدة باسم النهضة والممتدة عملياً أكثر من قرن من الزمن مكانها تحت عنوان عريض واحد، موصول وصلاً مباشراً بمكبوتات اللاشعور الجمعي، هو جريمة قتل الأب. وهذا الاستحضار لأقدم جريمة في تاريخ السلالة البشرية، تبعاً للميتولوجيا الفرويدية، يزيده فاعلية وإثارة وجدانية تواقته مع اشتداد الحاجة اللاشعورية إلى أب حام في المنطقة العربية التي باتت بحكم المستباحة منذ خروج عبد الناصر من مسرح الفعل التاريخي في حالة شبه خصاء وثبوت عجزه عن مواجهة تلك الربيبة الصغرى، المزدرعة كياناً وأعضاء، للأم الدخيلة الكبرى: أوروبا.

ولا شك أن الحنين إلى أب حامٍ لعب دوره في ما شهدته الساحة الفكرية العربية من محاولات ناشطة غداة الهزيمة «السوداء» لإعادة تقييم دور الدولة العثمانية باعتبارها في المقام الأول دولة حامية، وللدفاع «عن صورة تركيا الإسلامية التي طالما شوهها الغرب فجعلها مرادفة للتعصب والجهل والخرافة والجنس والحريم والدسائس والمؤامرات والقسوة»(16 ). ﻓ«الدولة العثمانية المسكينة التي ألقيت كل أسباب الانحطاط وأسباب التراجع عليها» إنما كانت تمثل في الواقع «الإسلام المقاوم» وإطاراً للانتماء «ضد السيطرة الغربية وضد شتى أشكال التبعية والقهر والنهب»(17 ). ولا ينكر مؤلف «الإسلام في معركة الحضارة» أن الدولة العثمانية كانت «متخلفة» و«كان على رأسها سلاطين مستبدون»، ولكنه يشيد أول ما يشيد، في الفصل الذي يعقده تحت عنوان «في بعض أسس تقويم الدولة العثمانية»، ﺒ«كون الدولة العثمانية وقفت سوراً منيعاً في وجه أطماع الغرب في السيطرة على العالم طوال أربعة قرون»(18 ). وبدوره يشدد ممثل السلفية المتنورة على أنه «لعدة قرون كانت دولة العثمانيين الجدار الذي أخّر اجتياح الغرب الاستعماري الطامع للوطن العربي»(19). أما ممثل السلفية اليسارية فينعى من المنظور نفسه، أي منظور التيتم من الأب الحامي، «فجيعة المسلمين» بقضاء كمال أتاتورك على الخلافة العثمانية، ويشيد ﺒ«حفاظ السلطان عبد الحميد على وحدة الأمة»، ويشيد أكثر ﺒ«بطولات الجيش التركي» وفتوحاته في أوروبا والبلقان «لنشر الحرية والعدالة والمساواة» و«للدفاع عن العالم الإسلامي ضد الأطماع الغربية» و«للوقوف أمام مؤامرات الغرب لتفتيت عرى الوحدة» و«الحفاظ على التراث الإسلامي»( 20).

إن هذا الحنين إلى «الأب» الذي يقال لنا إنه «حمى الأمة منذ القرن السادس عشر إلى القرن العشرين» قد يتبدى من الناحية المنطقية وكأنه ضرب من العبث اللامعقول على ضوء الانحطاط الذي آلت إليه الأمة في عهدة ذلك الأب تحديداً. ناهيك عن أن الوجود التاريخي لهذا الأب ـ وليس حمايته فحسب ـ لم يعد ذا موضوع منذ صدور قرار الابن المتمرد كمال أتاتورك بإلغاء الخلافة العثمانية. ولكنه يكتسب بالمقابل قدراً من المعقولية من الناحية السيكولوجية على ضوء وظيفة الأب التي لم يستطع عبد الناصر القيام بعبئها، أو التي حيل بالأحرى بينه وبين القيام بعبئها حتى النهاية.

فعلى الرغم من الطابع الأبوي لنظام عبد الناصر، فإن صغر سن البكباشي الذي كانه لم يسمح له في بادئ الأمر، ورغم إنجازاته الباهرة، أن يكون أكثر من أخ كبير. وحتى بعد أن اكتسب عبد الناصر، بعد تأميم القناة وتصفيته السياسية الناجحة لآثار العدوان الثلاثي، شرعية المؤسس لسلالة جديدة، فإنه لم يترقَّ إلى أعلى من مقام «أخي الأب». وإنه لأمر له دلالته من وجهة النظر هذه أن يكون أول كتاب أصدره عنه أقرب خلصائه إليه ـ قبل أن ينكره يوم سيخلفه ـ قد حمل هذا العنوان: «هذا عمك جمال يا ولدي»(21 ). ولقد ظل عبد الناصر حتى نهاية عهده يخاطب جماهير المستمعين إليه ﺒ«يا أيها الأخوة!»(22 ). وإنما يوم وفاته فحسب أحست الجماهير ـ وقد تيتَّمت ـ بأنها فقدت أباً، وأباً كبيراً. ولكن هذه الأبوة المستعادة بعد فوات الأجل ما كان ممكنا أن يكتب لها التكريس النهائي والدائم. فهذا الأب، الذي استحق بعد طول تأخير لقبه، فارق أبناءه في شروط حزينة كان عصياً عليهم أن ينجزوا فيها بنجاح عملية الحداد عليه. ونقصد بالحداد الناجح على الأب المضيّ بعملية تماهي الأبناء معه إلى نهايتها. فالأب الذي يُحدّ عليه بنجاح هو ذلك الذي لا يزول من الوجود إلا ليستمر فيه من خلال أولئك المرشحين بدورهم للأبوة الذين هم أبناؤه الوارثون. ولكن الأب الذي يموت في حالة شبه خصاء لا يترك للأبناء ما يرثونه أو ما يتماهون معه ليرقوا بدورهم إلى مصاف الآباء. والحال أن عبد الناصر مات مهزوماً. مات والراية لا تزال منكسة. ولئن زحف ملايين القاهريين وملايين العرب إلى شوارع عواصمهم ليلة نعيه في مشهد يندّ وصفه، فما ذلك حزناً عليه فحسب، بل كذلك احتجاجاً شبه غريزي على تركه إياهم في منتصف الطريق وعدم «مواصلة المشوار». وفي الواقع، إننا نستطيع أن نتحدث لا عن حالة حزن فحسب، بل عن حالة رعب أيضاً. فرحيل عبد الناصر المباغت والمبكر قبل تصفية آثار الهزيمة وقبل استعادة الكرامة المهيضة ومعادلها الرمزي: الرجولة المبتورة، قد ترك جماهير الأمة، أي ملايين الأبناء الذين ثملوا في يوم من الأيام بنشوة التماهي مع الصوت الفالوسي الأبوي، لا في حالة يُتم فحسب، بل كذلك في حالة إحباط وذعر وتجرد أنثوي من السلاح في مواجهة تلك الأنثى الشرسة، الذكرية في عدوانيتها، والذكرية في سلاحها، التي إسمها إسرائيل. وكما يقول جيرار مانديل فإنه «عندما يستحيل التماهي مع الأب، فإن الفالوس الأبوي يُحوَّل، بدافع الكره، إلى موضوع سيء شديد السمية»( 23). والحال أن عبد الناصر، بموته المبكر وهو في وضع الهزيمة، قد قطع على ملايين الأبناء طريق الاستمرار في التماهي معه. فالراية المنكسة لا تورث. ومن هنا كانت تلك السرعة المذهلة التي تم بها الانقلاب على عبد الناصر وعلى تراثه. ومن هنا نستطيع أن نفهم أيضاً تلك الواقعة التي بدت محيِّرة للمراقبين السياسيين وللدارسين السوسيولوجيين، وهي أن تكون الملايين التي خرجت لوداع عبد الناصر في حالة لا توصف من التفجع هي عينها التي خرجت في شبه عرس لاستقبال خليفته المنقلب عليه وعلى سياسته بعد أن لوح لها، وهو في طريق العودة من زيارة القدس المحتلة ـ حيث تمت عملية مقايضة مريبة للغاية ـ بأمل أو بوهم استعادة الفالوس المغتصب، دونما مساءلة من جانبها عن الشروط التي تمت بها عملية المقايضة(24 ).

ولعلنا لن نستطيع أن نفهم من وجهة النظر النفسية الردة التي أعقبت العهد الناصري إلا بإجراء مقارنة تاريخية ـ ولو شديدة الاقتضاب ـ بين قائد الثورة المصرية وقائد الثورة التركية التي كانت قدمت من خلال الكمالية نموذجاً أولياً لما يمكن أن تكونه الناصرية. فعبد الناصر، الذي تلقى ضربة إسرائيلية قاصمة وما استطاع المضي إلى نهاية المطاف كابن متمرد في تأسيس شرعية أبوية جديدة، ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه بعد وفاته السابقة لأوانها لتأثيم عهده باعتباره عهداً بنوياً مارقاً، ولاستبطان مشاعر الإثم والذنب التي تتفجر بالضرورة مع كل تجربة فشل ـ وكم بالأحرى إذا كانت في مستوى الهزيمة الحزيرانية! ـ ولمحاولة تصريفها في طريق نكوصي يضرب صفحاً عن كل تقدم وعن كل نمو تاريخي ليحيي أسطورة أب عتيق حام أول. بالمقابل، فإن مصطفى كمال، الذي أحدث في السلطنة العثمانية تحولات أجرأ وأكثر جذرية، من وجهة النظر الثقافية على الأقل، من تلك التي أحدثها عبد الناصر في المملكة المصرية، أنهى عهده بالترقي من مقام الابن المتمرد إلى مقام الأب المؤسس الذي لا ردة عن شرعيته ولا نكوص عن ميراثه إلى ما قبله، وهو ما تجلى بوضوح من خلال تلقيبه قبل أربع سنوات من وفاته باسم «أتاتورك»، أي «أبي الأتراك قاطبة». والفارق بين جمال عبد الناصر وكمال أتاتورك جلي: فالأول غادر مسرح الفعل التاريخي كليماً هزيماً، فاستحال إنجاز عملية الحداد عليه بنجاح من خلال التماهي مع تراثه، فكان مصير التغيير الذي استحدثه الرفض والنقض؛ أما الثاني فقد حارب وانتصر ومات عن مجد موطد وعن أبوة مكرسة، فكُتب للتغيير الذي استحدثه البقاء من بعده، علماً بأن الكمالية بحكم جذريتها وتبكيرها التاريخي وتحديها السافر للموروث كانت أولى بالرفض من الناصرية التي حصرت فاعليتها التغييرية بالمجالين السياسي والاقتصادي وآثرت أن تبقى مهادنة على الصعيدين الاجتماعي والثقافي( 25).

إن هذا العجز من قبل عبد الناصر عن أن يكون فعلاً هو الأب المؤسس الذي كان مرشحاً لأن يكونه هو ما أوجد حاجة نفسية قهرية ليس فقط إلى إحياء ذكرى الأب التاريخي الحامي الذي كانه السلطان العثماني على امتداد قرون أربعة، بل كذلك إلى التشبث بحبل أب رمزي أعرق تجذراً في التاريخ وأكثر قابلية للأَمْثَلَة، نعني به التراث. فما حدث قط في تاريخ العرب أن طُلبت شفاعة التراث وحمايته وأن عزيت إليه كلية قدرة سحرية، ومن نمط فالوسي، كما حدث في ظل موجة الردة التي اجتاحت الساحة الفكرية العربية كعقبى للهزيمة الحزيرانية ولانقشاع الوهم الفالوسي الذي كان رأرأ به العهد الناصري ولانكشاف طبيعته المزورة في العهد الساداتي. وحسبنا أن نطالع أعمال أي ندوة من الندوات العديدة التي تواتر عقدها حول التراث في السبعينات أو الثمانينات ـ ولتكن على سبيل المثال ندوة «التراث وتحديات العصر» التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في القاهرة في أيلول 1984 ـ لنقع على عدد لا حصر له من الشواهد التي يمكن تصنيفها كلها، على تعدد أصحابها، تحت عنوان واحد، هو التوظيف الفالوسي للتراث:

«في ظل التشتت وذيوع فكر الهزيمة… يعد التراث مرجعاً ومنهلاً وسلاحاً لا غنى عنه، لأن أمة بلا تراث هي أمة بلا هوية ومستقبلها مشكوك فيه»(26 ).

«التراث علاقة متغيرة متجددة مع المحيط الذي انبعث فيه أو تجدد بالتعامل معه أو ساهم بصورة ما في تجديده. فالتراث لا شيء إن نحن أهملناه، وهو كل شيء إن نحن أخذناه مأخذ الجد والاهتمام»(27 ).

«الإبداع لا يمكن أن ينطلق إلا من التراث… والتراث هو المصدر الوحيد للإبداع… التراث هو المنبع الوحيد الذي يمكن أن يمدنا ببدايات [للإبداع]»( 28).

«الارتباط بالتراث… يعني أن ننشئ مدارسنا الجديدة وفق المعتقدات الأولية نفسها التي قيدت نظرة القدماء… وحين نصل إلى ذلك… سيكون فكرنا المعاصر تصاعداً مبدعاً للفكر العربي الإسلامي المستند إلى أصول معتقدية واحدة، وسيكون فكرنا العربي المعاصر مواجهة مبدعة لمشاكل الحاضر والمستقبل… من هنا… ضرورة تقديس التراث طريقاً للنهضة»( 29).

«إن الغرب هو التحدي… الغرب بالنسبة إليّ هو التحدي الأعظم… والتراث ـ في معركة التحدي مع الغرب هذه ـ مخزون ثقافي وروحي عظيم الأهمية»(30 ).

ومن وجهة نظر التوظيف الفالوسي للتراث فإنه ليس من قبيل المصادفة أن تكون الندوة المشار إليها قد عقدت تحت عنوان «التراث وتحديات العصر». فلفظة «تحدٍ» هي من أكثر الألفاظ تردداً في الخطاب العربي المعاصر مثلما هي من أكثر المفاهيم تحديداً لبنيته السيكولوجية وكشفاً لها( 31). وسيكولوجية التحدي ورد التحدي ـ التي هي بامتياز سيكولوجية طفلية أو صادرة عن عقدة طفلية ـ تُرْفَع في الشاهد التالي إلى درجة المطلق: «إننا بدأنا على الصعيد النفسي الذاتي نتخلص من عقدة الشعور بالنقص، أي نقصنا، ومن عقدة الشعور بالتفوق، أي تفوق غيرنا، ولاسيما الغرب الإمبريالي، علينا. وبرغم كل الظواهر المعاكسة، يبدو أن كثيرين منا أصبحوا مثلنا مقتنعين، بعد تخلصهم من تينك العقدتين، بأن من حقنا أن نتحدى تحديات العصر بدلاً من أن تتحدانا»(32 ).

يقول مؤسس مدرسة التحليل النفسي الاجتماعي: «إن الطفل يميل ميلاً طبيعياً إلى أمْثَلَة الراشد، إلى إعارته كلية قدرة سحرية»(33 ). ونحن نستطيع أن نقلب المعادلة فنقول: «حيثما أعير الراشد كلية قدرة سحرية، أثبت من يعيره إياها أنه طفل». فعندما يقال لنا إن التراث «حركة دائمة تعطي الإنسان دوره وتحدد له موقفه من القيم والمثل والسلوك والحياة والموت والمصير»( 34)؛ أو عندما يقال لنا إننا «نملك تراثاً حضارياً يمكّننا من أن نبدأ بداية جديدة. نحن نشأنا نشأة مستقلة، ولنا نمط حضاري بريء من كثير من الآثام التي تعاني منها الحضارة الغربية. فلماذا لا نبدأ من هنا… بداية مختلفة؟»(35 )؛ أو عندما يقال لنا أيضاً إن التراث «قوة كبرى تحمل فكراً حياً نابضاً يضع الحلول للأزمات وقضايا الإنسان في معركة التطور… وهو يعني جذور الحي وقوائم الواقع وقواعد المنارات السابقة، والتراث هو الأساس الذي حمل المقومات الحية التي ما تزال تتفاعل في مجتمعنا وفكرنا ألوف السنين»( 36)؛ أو عندما يقال لنا أيضاً وأيضاً إن «الشعوب التاريخية [تكمن] مصادر قوتها الرئيسية في تراثها… الذي ما زالت تعيشه، ويمدها بتصوراتها للعالم، ويحدد قيمها، ويوجه سلوك أبنائها، وقادر على تحريك الجماهير وحشدها»( 37)، وإننا «إذا أردنا أن نغير الأمة وأن نجد أدوات تساعدنا على النهضة والإصلاح، ففي التراث الإسلامي بكل علومه أدوات ووسائل تساعد على ذلك وتهيئ للدخول إلى ساحة تحديات العصر… بلا تطعيم خارجي مصطنع»( 38)؛ أو عندما يقال لنا أخيراً إن «التراث هو الضمان الوحيد والأقوى… وإذا هشمنا هذا التراث العظيم، سعياً إلى الحداثة، فإننا نكون كمن يستعد للمعركة الفاصلة بإلقاء سلاحه الأمضى»( 39)؛ عندما يقال لنا كل هذا، وعندما يُجعل من التراث على هذا النحو هو فاعل الفعل التاريخي، فإننا نشعر بأن المثقف العربي يعزو إلى التراث بصفته أباً رمزياً غير مشخّص كلية قدرة سحرية مطابقة لتلك التي يعزوها الطفل إلى الراشد، أي إلى الأب المشخَّص، سواء أكان واقعياً أم متخيلاً. وهنا أيضاً نرانا نعود إلى مؤسس مدرسة التحليل النفسي الاجتماعي لنطبق ـ مع التعديل الواجب ـ على الموضوع الذي نحن بصدده ما يقوله عن الكحول بصفته «حليب الراشد»: ﻓ«الكحول يحلِّي الواقع الخارجي فيبدو للأنا أقل غرابة، ويلغي الحدود بين الأنا والعالم الخارجي فيزيد من الشعور بالثقة بالذات»( 40). أفلا نستطيع أن نقول بدورنا، بدالّة عينة الشواهد التي سقناها، إن التراث هو كحول المثقف العربي، أو حليبه إذا شئنا استخدام تعبير أشفّ عن الطبيعة الطفلية لآلية النكوص التي أسلم منتج الخطاب العربي المعاصر نفسه لها؟

مقتطف من “المرض بالغرب” : التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي، تأليف جورج طرابيشي. رابطة العقلانيين العرب ودار بترا، دمشق 2005.

الهوامش:

1 ـ أنظر الفقرة البديعة التي كتبها جورج قرم عن صوت عبد الناصر بعنوان «البحث عن صوت مفقود» في كتابه: انفجار المشرق العربي (دار الطليعة، بيروت 1987)، ص17.

2 ـ التعبير لياسين الحافظ في: الهزيمة والايديولوجيا المهزومة، ص43.

3 ـ لن يقيم شعب القاهرة مأتماً مماثلا لذاك الذي أقامه لعبد الناصر إلا لأم كلثوم التي كان بينه وبين صوتها أيضاً قصة عشق منقطعة النظير.

4 ـ التعبير لسعد الدين إبراهيم في مقاله الذي يحمل بالتحديد كعنوان: «لماذا كان عبد الناصر زعيماً عملاقا؟». أنظر: سعد الدين إبراهيم، مصر تراجع نفسها (دار المستقبل، القاهرة 1983)، ص271

5 ـ الشواهد التي نسوقها هنا هي على سبيل العينة التمثيلية. أنظر: منير شفيق، الإسلام في معركة الحضارة، ط2 (دار الكلمة للنشر، بيروت 1983)، ص151 و154.

6 ـ المصدر نفسه، ص109.

7 ـ عبد الملك ريح الشرق، ص80. وينسى صاحب هذه العينة التمثيلية، وهو يستخدم هذا التعريف الحصري، أنه كان أكد قبل صفحة واحدة (المصدر نفسه، ص79) أن الدولة الصهيونية ما أنشئت إلا لتكون «قلعة للاستعمار ورسولاً للغرب»، وليس لأميركا والإمبريالية الأميركية حصراً.

8 ـ عبد الملك، ريح الشرق، ص80. قارن بالمقابل مع ما يقوله مؤلف: الهزيمة والايديولوجيا المهزومة، الذي هو على حد علمنا الكاتب العربي الوحيد الذي تجرأ على التوكيد لا على إسرائيلية إسرائيل فحسب، بل كذلك على إسرائيلية الجزمة التي لا تزال تخبط بها «على جباهنا» منذ هزيمة 1967، وبالتالي على إعادة التفكير بمعادلة العامل الخارجي: «بغية تمويه أسباب الهزيمة قالوا: الإمبريالية هي التي هزمتنا. الواقع أن إسرائيل، ذات الثلاثة ملايين، هي التي هزمتنا. بل أكثر من ذلك وأبعد: العامل الدولي هو الذي لعب دور لجم، في حدود واسعة، للتوسعية الإسرائيلية» (انظر: الحافظ، الهزيمة والايديولوجيا المهزومة، ص176).

9 ـ الشورى: 30.

10 ـ كان صادق جلال العظم أول من رصد أشباه هذه الأقوال في كتابه: نقد الفكر الديني (دار الطليعة، بيروت 1969).

11 ـ أورده مصطفى بهجت بدوي، في رده على الشيخ الشعراوي، في: الأهرام، 23/1/1989.

12 ـ شفيق، الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر، ص108-109.

13 ـ تحضرنا هنا بوجه خاص محاولات وجيه كوثراني لإعادة كتابة تاريخ الدولة العثمانية وبلاد الشام من منظور معاد للنهضة.

14 ـ عامر غديرة، «هل نحن في دار هجرة؟»، في مجلة: الوحدة، السنة الرابعة، العدد 40، ص150.

15 ـ المصدر نفسه، ص148، ولنلاحظ بالمناسبة أن الدولة العثمانية، خلافاً لما يوحي به النص، لم تقتل بخنجر الثورة العربية لعام 1916 ـ وإن تكن قد جرحت به ـ وإنما بخنجر عثماني صرف هو خنجر كمال أتاتورك. ولكن عملية التأثيم لا تؤتي أكلها إلا إذا كانت كلية. ومن هنا تجريم ثورة 1916 بأكثر مما يمكن أن تُجرَّم به من وجهة نظر الحقيقة التاريخية.

16 ـ حسن حنفي، «المسلمون في آسيا في مطلع القرن الخامس عشر الهجري»، في: اليسار الإسلامي (القاهرة)، العدد الأول (كانون الثاني-يناير 1981)، ص210-211.

17 ـ انظر مداخلات وجيه كوثراني في: «ندوة ناصر الفكرية الرابعة». نصوص المداخلات منشورة في: العروبة والإسلام علاقة جدلية (د. ن، د.ت.)، ص44، 79، 80.

18 ـ شفيق، الإسلام في معركة الحضارة، ص135.

19 ـ محمد عمارة، «الجامعة العربية والجامعة الإسلامية»، في: القومية العربية والإسلام: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت 1981)، ص146. ولنذكر مع ذلك لممثل السلفية المتنورة اعترافه بأن «الجدار» الذي مثله العثمانيون «أمام أطماع الغرب» كان «مليئاً بالثغرات». فمن «ثغرات هذا الجدار» تسللت «الامتيازات الأجنبية التي منحها السلاطين العثمانيون للبورجوازية الأوروبية ودولها»، ومن ثغرات هذا الجدار «تطور التسلل وتزايد النفوذ الاستعماري حتى أجبرت الدول الاستعمارية الدولة العثمانية على التنازل عن العديد من ولاياتها، بعد أن تحول النفوذ الاستعماري فيها إلى احتلال سافر وغاشم. ففي فترة لم تتجاوز الأربعين عاماً، ومنذ اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني عرش السلطنة في سنة 1876 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، أجبرت الدولة العثمانية على أن تتنازل، رسمياً أو واقعيا،ً لروسيا القيصرية عن عدد من المقاطعات الغنية في آسيا الصغرى، ولبريطانيا عن قبرص ومصر ـ ومن قبل ذلك عن عدن ـ ولفرنسا عن تونس والمغرب ـ ومن قبل ذلك الجزائر ـ ولإيطاليا عن ليبيا، وللنمسا عن البوسنة والهرسك، وذلك بالإضافة إلى المقاطعات البلقانية التي خلعت النير العثماني في خضم المد الاستعماري الزاحف على دولة الرجل المريض» (المصدر نفسه، ص146-147).

20 ـ حسن حنفي، «المسلمون في آسيا»، في: اليسار الإسلامي، ص159 و209.

21ـ الإشارة هنا إلى كتاب أنور السادات الذي كان من أولى المحاولات لتأريخ قصة الثورة في مصر من داخلها.

22 ـ بالمقابل فإن السادات ما كان يطيب له منذ خلف عبد الناصر، ورغم مدّعاه الديمقراطي، إلا أن يخاطب مواطنيه ﺒ«يا أولادي!».

23 ـ جيرار مانديل، التمرد على الأب، العنوان بالفرنسية: La révolte contre le père، ط5 (مكتبة بايو الصغرى، باريس 1968)، ص231.

24 ـ مادمنا أبحنا لأنفسنا إدخال الفالوسية في تأويل الأحداث السياسية، فلنقل إن هذه الرمزية، في كل ما يتصل بشخص السادات وعهده، تبدو موسومة بميسم الزيف: فمن الغليون إلى عصا الماريشالية إلى الزي التنكري (الظهور تارة ببزة أميرال أو مشير وطورا بجلابية فلاح) إلى الكيفية المسرحية التي سُيِّرت بها حرب تشرين (والتي كادت تنقلب إلى مأساة مع حصار الجيش الثاني) إلى المقايضة المريبة التي تم على أساسها استرداد سيناء، يبدو كل شيء مصطنعاً، ويبدو الرمز الفالوسي الكامن وراء كل ذلك مزيفاً هو الآخر. ولعل الإحساس شبه الغريزي بهذا الزيف من جانب الملايين من أبناء الشعب المصري هو ما حال دون حدوث عمليات تماهٍ جماهيري واسعة النطاق في العهد الساداتي.

25 ـ نستطيع هنا أن نفتح هامشاً جديداً لنجد عذراً تخفيفياً للملهاة الساداتية التي أعقبت المأساة الناصرية: فعبد الناصر، الذي بنى زعامته، مثله مثل أتاتورك ومثل معظم القادة الكارزميين، على الرأرأة بوهم كلية القدرة الفالوسية، ما أورث خلفه من كلية القدرة هذه سوى سرابها. ومن هنا وجد هذا الأخير نفسه مجبراً إجباراً على أن يصطنع لنفسه، وبرسم زعامته الخاصة، فالوساً مزوراً.

26 ـ عفيف البوني، في: التراث وتحديات العصر في الوطن العربي، ص195.

27 ـ عبد الوهاب بوحديبه، في: المصدر نفسه، ص204.

28 ـ جلال أحمد أمين، في: المصدر نفسه، ص766 و769.

29 ـ عادل حسين، في: المصدر نفسه، ص793 و818.

30 ـ عبد الله فهد النفيسي، في: المصدر نفسه، ص820-821.

31 ـ ربما كان مفهوم التحدي، بكل إسقاطاته النفسية، واحداً من القواسم المشتركة القليلة التي تجمع بين الحداثيين والسلفيين من صانعي الخطاب العربي المعاصر. هكذا يكرر محمد عابد الجابري الكلام عن «التحدي الحضاري الغربي» (نحن والتراث، ص17) وعن «تحدي الحضارة الغربية» (الخطاب العربي المعاصر، ص18). وبدوره يتحدث حسن حنفي، عن «التحدي الغربي» و«تحدي الحضارة الغربية» (اليسار الإسلامي، ص20). ويميل أنور عبد الملك أكثر إلى الكلام عن «التحديات التاريخية والحضارية» (ريح الشرق، ص121). بينما يميل ياسين الحافظ إلى التفريق بين «التحدي الاستعماري» و«التحدي الصهيوني» (الهزيمة والايديولوجيا المهزومة، ص53). ويركز هشام جعيط اهتمامه على «التحدي الحضاري» (القومية العربية والإسلام، ص123). بينما يؤثر سعد  الدين إبراهيم أن يتكلم عن «التحدي الغربي» (مصر تراجع نفسها، ص272). ويستطيب برهان غليون الكلام عن شتى أنواع التحديات: من «التحدي الغربي» (الوعي الذاتي: منشورات عيون، الدار البيضاء 1987)، ص100، إلى «التحدي الحضاري» (مجتمع النخبة: معهد الإنماء العربي، بيروت 1986)، ص189، إلى «التحدي التاريخي» (اغتيال العقل، ص176)، إلى «التحديات الإسرائيلية والحضارية» (الوعي الذاتي، ص100). ويتخذ محمد عمارة من «التحدي» بالمطلق عنواناً لكتابه «العرب والتحدي»، بينما يُعَنْون منير شفيق كتابه كما رأينا ﺒ«الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر».
32 ـ صبحي الصالح، في: التراث وتحديات العصر، ص815.

33 ـ جيرار ماندل، التحليل النفسي الاجتماعي: Sociopsychanalyse (مكتبة بايو الصغرى، باريس 1972)، ج1، ص54.

34 ـ نوري حمودي القيسي، في: التراث وتحديات العصر، ص221.

35 ـ عادل حسين، في:العروبة والإسلام علاقة جدلية، ص142.

36 ـ أنور الجندي، الثقافة العربية، إسلامية أصولها وانتمائها (دار الكتاب اللبناني، بيروت 1928)، ص373 و403.

37 ـ حسن حنفي، في اليسار الإسلامي، ص32، 43.

38 ـ حسن حنفي، في مجلة الوحدة، السنة الأولى، العدد 6 (آذار-مارس 1985)، ص131. وهذا لن يمنع على كل حال كاتب هذه الكلمات من أن ينقلب، بفعل نمطي من أفعال الازدواجية الوجدانية، على التراث ليعتبره عامل خصاء، لا عامل تحليق نرجسي من طراز فالوسي، كما سنرى لاحقاً.

39 ـ فكتور سحاب، «الوحدة العربية وضرورة التراث»، في: شؤون عربية، العدد 15 (أيار-مايو 1983), ص71.

40 ـ ماندل، التمرد على الأب، ص209.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق