من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: في حضرة الزعيم

حلّ ركبنا في حوالي العاشرة صباحا بالقصر الرئاسي بقرطاج، وكان أقربَ إلى القافلة منه إلى الرّكب. كنت لابسا سروال “دجنس” وقميصا صيفيّا، وكان رفاقي على نفس الهيئة تقريبا، لا ربطة عنق، ولا بذلة، ولا أحذية لـمّاعة، وقد أصررنا على ذلك لغرض واضح كنّا نعني به امتناعنا عن المشاركة في الطّقوس، وعدم اندماجنا في المراسم، من حيث المظهر على الأقلّ، في انتظار البقيّة.

لم يكن الأمر مدروسا أو واعيا بالشكل الذي أتحدّث عنه اليوم، ولكنّه كان حاضرا بقوّة في أذهاننا، فيه نوع من الحرص على الحفاظ على هويّتنا، وعدم التّورّط الكامل في اللّعبة. وكان يحدوني الشّعور، وأعتقد نفس الشّيء بالنسبة لرفاقي، بأنّ الحديث إلى الرئيس من خلال عدم تقمّص الدّور المطلوب منّا، بداية من اللّباس، سيمنحنا حرية أكبر لتوليد الكلام المناسب لوضعنا. كان مهمّا أن لا ينسوا صفتنا كمساجين، وأن لا ننسى نحن الأمر، وفي مظهرنا إشارة، ولو شكليّة، إلى هذا التّمايز.

استقبلتنا وسيلة بورقيبة في مدخل القصر، ووجدنا سجينين سياسيين آخرين أتوا بهما لم تكن لنا سابق معرفة بهما.

كان يقف، إلى جانب الرّئيسة، عدد من الوزراء صحبة مدير الحزب المنجي الكعلي الذي علت محيّاه علامات الاستياء من حماسة وسيلة التي بادرتنا بالتّرحيب وكأنّها تستقبل عرسانا شبّانا، جاؤوا لخطبتها في بناتها أو بعض قريباتها. أسْقَطَتْ كلّ تَكَلُّف بالمراسم وبطبيعة الموقف، وأخذت تحدّثنا عن إعجابها بوسامتنا وثقافتنا، وقالت بأنّه من المفروض أن نكون مسؤولين كبارا في الدّولة، وأنّها ستزوّجنا، وأشياء أخرى لم نكن ندري إن كانت تؤمن بها، بفعل ثقافتها المجتمعية الصّالونية الواسعة، أو لطبعها المرح، أو لحنكة سياسية في تمهيد نفسيّاتنا للأخذ بخاطرها في صورة ما إذا خرج الرئيس عن حدود اللّياقة. قالت لنا صراحة وبأريحية لا لُبْسَ فيها، ما قاله وزير الدّاخلية بكثير من التّعقيد : “سي الحبيب راهو بوكم، ما يسالش كان بدا ياخذ ويعطي، ما تاخذوش عليه، خوذو بخاطري، راهو باش يسيّبكم”، (سي الحبيب بمثابة أبيكم، لا يهمّ إن تجاوز حدود اللّياقة، لا تَدَعوا الأمر يحزّ في نفوسكم، إكراما لي. إنّه سيُطلق سراحكم). كان البقيّة منقبضين عدا عبد الحميد الصّخيري الذي كان يتصرّف بمثل تصرّفها.

قدّموا لنا عصيرا ولا أتذكّر من الّذي شرب ولم يشرب، وبدأ الخوف ينتابني باقتراب الامتحان. كنت أخشى أن يقع صِدَامٌ مع بورقيبة، وكنت، كما تعوّدت أن أفعل عند الشّدائد، أستجمع خوفي لأحوّله إلى جسارة، وتحدٍّ، وقلة حياء إن لزم الأمر.

يصعب تفسير هذه اللّحظة التي اختزلت جميع معاني حياتنا ونضالنا. فاليسار التونسي، بقطع النّظر عن أفكاره وتحليلاته ورؤاه في السياسة والمجتمع وغيرها، لم يكن في نهاية الأمر سوى لحظة كرامة في هذا البلد، لكونه الوحيد الذي رفض أناويّة بورقيبة، ورفض أن يُختزل البلد في شخص واحد، ورفض الإخصاء الذي مارسه بورقيبة على الطبقة السياسية ورجالات الدّولة والحزب. والآن تفصلنا بضع دقائق عن وقوف موسى أمام فرعون، ونحن لا معجزة في جرابنا، ولا عصا في أيدينا، ولا ربّ يحمينا!

دخلنا مكتبه فأصبح مكتظّا بنا، وبالوزراء، وأعوان الأمن المقرّب. حوالي الأربعين نفرا، أو أقلّ أو أكثر، لا أدري. ودخل بورقيبة.

كان قصير القامة. يمشي بشيء من الصّعوبة لكن دون عناء، واتَّجَهَتْ إليه وسيلة لتُسنده وتستبق الأمور. قالت له “هذوما ولادك عاد” (هؤلاء أولادك، أليس كذلك). فرفع يديه كما عهدناه يفعل في خطبه، وتقدّم نحونا وهو يتمعّن في وجوهنا وفي وجوه البعض من الملتفّين حولنا من الأمن والوزراء قائلا “ترا نشوف. هاو تبارك اللّه نظاف. ماهوش وجوه مقلّبة كي هاكه جماعة قفصة (1)، أولادي هذوما، آش عملولكم تحطّوهم في الحبس”. (كانت أحداث قفصة لا تزال ماثلة في ذهنه بعد بضعة أشهر من حدوثها، وأشهر أقلّ من شنق رموزها).

كنّا نعلم الكثير عن قدرات بورقيبة المسرحيّة وعن دهائه السياسي، وكنّا كثيرا ما نتقمّص دوره في السّجن. لا أعتقد أنّ تونسيّا واحدا لم تنتبه يوما رغبة في تقمّص دور بورقيبة للحديث مثله أو في استنباط كلام كان يمكن أن يقوله وإن لم يقله. ورغم ذلك فلم أكن أنتظر أن أجد نفسي، وأنا أتساءل، إن كان الرّجل صادقا فيما يقول، أو كان يرتجل حديثه وانطباعاته، أم هو يستحضر دورا تدرّب عليه ولو قليلا. لو طُلب منّي أن أراهن وقتها على شيء ثمين، لرجّحت الكفّة إلى صدق النيّة لكي لا أخرج خاسرا. فهو ينتمي إلى مدرسة المسرح الواقعي التي يُشترط فيها أن لا يترك الممثّل أيّ مسافة بينه وبين الشّخصية التي يلعبها، كأن يتقدّم يوسف وهبي في حياته العادية إلى خطبة التي ستصبح زوجته الحقيقية مستعملا نفس الحركات والتّعابير والألفاظ التي يستعملها في أفلامه وهو يخاطب الممثّلة شادية، مثلا، في دور خطيبته في الفلم. في أحد أفلامه تَطْرُق فاتن حمامة، على ما أظنّ، باب منزل فيفتح لها رجل وهو يقول، أمام اعتذارها عن الغلط، “إنتِ مش عارفه أنا مِينْ ؟ أنا يوسف وهبي”. وكان هو فعلا يوسف وهبي يمثّل دور يوسف وهبي!

هكذا كان بورقيبة يمثّل إلى حدّ الإقناع التّامّ دور بورقيبة، وهي حالة تعرّض لها علم النّفس التّحليلي ولها اسمها ومواصفاتها وعلاماتها وعوارضها.

قال لنا إنّه يعلم أنّنا شيوعيّون وإنّه يعرف عن الشّيوعيّة أشياء نجهلها نحن. وحكى عن اختلافه معهم منذ فترة المقاومة حين كان ينادي بالاستقلال وكانوا يرونه مرتبطا بتحرّر الطبقة الشّغيلة في العالم، وكان يقول لهم “اقعدو استنّاو” (ابْقَوْا في الانتظار). ثمّ انتابته لحظة عاطفة ولِينٍ وهو يقول أنّنا نذكّره بما قالته له فرنسا، يوم وقف في وجهها : “نحن فتحنا لكم المدارس وعلّمناكم وها أنت تتعلّم لتلتفّ علينا” (كان ينظر إلى ناحية وزرائه)، ثمّ توجّه إلينا بتأثّر “هَاكُمْ اليوم بعد ما قَرِّيتْكُمْ وكَبَّرْتْكُمْ تْحِبُّو تْنَّحِيوْني… لو كان ما قرّيتْكُمْشْ رَاكُمْ ما زلتم سُرَّاحْ” (وها إنّكم بعد أن علّمتكم تريدون تَنْحِيَتِي و لو لم أعلّمكم في المدارس لكنتم اليوم لا تزالون رُعَاةَ غَنَمٍ).

{{“موش هكّة ؟”}}

وكان يدور وسط فراغ الحلقة الملتئمة حوله ويلتفت بين الحين والآخر إلى الحاضرين قائلا، على عادته التي نعرفها من التّلفاز، “موش هكّه ؟” (أليس كذلك؟). “تركيزة” الكلام هذه عند بورقيبة يعرفها الشّعب التّونسي كلّه، وهي دارجة في لهجتنا التونسية، ولا أدري إن كان بورقيبة هو الذي أسّسها، أو أنّها كانت واردة قبله وأشاعها ملكا مشتركا بين النّاس. كنّا نتندّر بها كثيرا كلّما أراد أحدنا أن يؤكّد لحظة تسلّط “سُوفْتْ” أي مرنة (فقاموس الإعلامية لم يوجد بعد وقتها). وعندما يرمي بها بورقيبة إلى حاشيته فإنّما لقراءة درجات الولاء وأصنافه، وربّما للتأكّد من أنّه لا معارضة تُذكر لرأيه، أو لخلق شعور لدى أتباعه بأنّه أعطاهم فرصة لإبداء الرّأي تصبح بعدها مخالفته غدرًا وجحودا، تدخل في خانة “انعدام الرّجولة” أكثر منها في باب الاختلاف السياسي الذي كان متاحا لحظتها.

هذا الأمر تفطّنت له يوم أصبحت لي بنت، وكلّما خاصمتها ولاذت بالصّمت أمام بلادة حججي، أكتشف نفسي يائسا في انتزاع قبولها بمنطقي وأنا أردّد، عملا بقاعدة الحوار، “موش هكّة (؟)”… وقد تجيبني أحيانا “طبعا هكّة… أنت دائما تعلم كلّ شيء، فلما تسأل ؟”

{{حوار سريالي}}

ولتقديم صورة أوضح عن بقيّة المقابلة، فسأصوغها في حوار قد يساعدني فيه الرّفاق الحاضرون معي على استحضار تفاصيل، وتصويبات، وتعديلات، فاتتني بالضّرورة، لبعد الزّمن، وانطبع ما انطبع منها في ذاكرتي من خلال رؤيتي الخاصّة للحدث، والتي قد لا تتوافق مع بعض زوايا النّظر الأخرى، وهو أمر طبيعي.

إضافة إلى أنّ مقابلة المجموعة الثانية التي تمّت يوم 3 أوت 1980، أي بعد شهرين من مقابلتنا، وكان ذلك بقصر صقانس بالمنستير، قد كرّرها لنا الرّفاق مرّات ومرّات بما خلق تداخلا بينها وبين الأولى لتشابه الأوضاع والظّروف، وهو ما قد ينجم عنه بعض الخلط بين هذه وتلك.

بورقيبة : (يواصل حديثه وقد تفطّن إلى أنّه ليس أمام شيوعيين فقط بل أمام مساجين أيضا، وكأنّ الأمر عَزَّ عليه بأن نبقى الشّخصيات الدّرامية الوحيدة في هذا المشهد) :

–أنا أيضا سُجنت زمن فرنسا، وقاسيت الويلات والمحاكم والتّعذيب… (وظلّ يحكي طويلا عن السّجن، والمعاناة، ووحدته القاسية…).

لم نتقاسم الأدوار فيما بيننا قبل قدومنا، لاستحالة توقّع مسار الأحداث. الاتّفاق الوحيد تمّ على المسائل الثلاث أو الأربع التي ذكرناها لوزير الدّاخلية، وقد أنهى المقابلة دون الخوض فيها وبقي الأمر مفتوحا. وكنّا نرصد حركات بورقيبة ونشغّل أدمغتنا لقراءة حديثه والمنحى الذي سيأخذه. وأنا أنظر في عمق عينيه الزّرقاوين. كان فيهما نوع من الشّفافية البصرية، ربّما بفعل المرض رغم أنّ الذين عرفوه من قبل يقولون أنّ لون عينيه هو أحد أسراره في التّأثير على الغير.

تلقّف الحديث أحدُنا قائلا :

–كان ذلك في عهد الاستعمار، أمّا نحن فقد سجنّا في زمن الاستقلال، وعُذّبنا كثيرا من طرف البوليس السّياسي، وذلك من أجل أفكارنا وآرائنا… ونحن نطالب بفتح تحقيق في الأمر ومحاكمة الذين مارسوا التّعذيب علينا…

التفت بورقيبة إلى حيث كانت ثلّة وزارئه، وهو يبحث عن وزير الدّاخلية :

–علاش تعذّبو فيهم …آش عملولكم… أولادي هاذمك… توّه نشوفو الحكاية…
ثمّ استدرك قائلا وهو يبتسم :

–ماهو زاده كيف ما تحبّش تقرّ… آش تحبّهم يعملو… لازم كفّ… وشويّه كذا… (إذا ما رفض أحدكم الاعتراف فماذا عساهم يفعلون…لا بدّ من صفعة على الوجه…أو شيء من هذا القبيل).

ردّ عليه أحدنا بأنّ الأمور تتجاوز الصّفعة المعتقدة وأنّ التّعذيب مناف لجميع الأعراف الدّولية ومبادئ حقوق الإنسان، فبدا عليه الاضطراب، وشعرنا بغيوم الغضب تتلبّد في داخله، وظلّ يدور في مكانه ويبحث عن كلماته. وقتها تدخل وزير الداخلية لإنقاذ الموقف قائلا إنه على علم بالموضوع وسيتولى التحقيق في الأمر، فتلقّف عنه بورقيبة الكلام ليقول إنه هو أيضا ضد التعذيب و يأمر بإجراء تحقيق حول هذه القضية…

–أحد الرّفاق : نحن نطالب بالاعتراف بنا كحزب سياسي له حقّ الوجود وبأن تكون لنا جرائدنا الحرّة.

–بورقيبة : لقد أذنتُ بحريّة الصّحافة. أنا أيضا كنت أكتب في الصّحافة. كانت مقالاتي في اللّغتين تهزّ المستعمر…أعطوهُمْ جرائد.

ثمّ تراجع قليلا إلى الوراء ولم يعد يفرّق بيننا وبين الحاضرين، وقد التصق بنا بعض من الوزراء ومدير الحزب ليطلبوا منّا، همسا، بأن نخفّض من أصواتنا، وأن ننهي المقابلة وقد عبّرنا على ما نريد. بدا له الجمع غفيرا، وقد نسي كم كان عددنا كمساجين، أو تناسى الأمر. صاح قائلا (وقد بدا عليه التّعب):

–أتريدون جريدة لكلّ واحد. كم جريدة سنعطي. ستعمّ الفوضى !

–قال أحدنا: ليست المسألة مسألة عدد أو كثرة. إنّها مبدأ يقرّه الدّستور في فصله الثّامن.

ولكثرة ما سمع بورقيبة لفظة “البند الثامن”، التي وردت مرارا على ألسنتنا، فقد انتهى به الأمر وهو يزمجر: سألغي هذا البند… ثمّ تدارك الأمر، وكأنّه يريد قطع الطّريق علينا، وإنهاء الجدل، وفسح المجال مرّة أخرى للحديث عن نفسه: أُعطوهم حزبا وجريدة.

نبّهته “وسيلة” إلى أنّه يُحدّث وزراءه، فأمرهم بالابتعاد ليتمكّن من فرزنا، ونسيتُ ما الذي حدث بعدها قبل أن يتدخّل رفيق آخر لإثارة مسألة العفو التّشريعي العامّ من قبل مجلس الأمّة، وبورقيبة يردّد بأنّه عفا عنّا شخصيا ضمن مجموعة أولى، وأكّدت وسيلة بورقيبة أنّ البقيّة سيكون موعدهم يوم عيد ميلاد الرئيس في الثالث من أغسطس المقبل (وهو ما تمّ فعلا لاحقا). وكأنّي به لم يفهم، رغم ضلوعه في القانون، أنّنا نطلب عفوا تشريعيّا يفوق قيمة وقوّة، قرار العفو الرّئاسي المرتبط بشخصه!

انتهت المقابلة داخل نوع من الفوضى، وقد تبادلنا معه حجما من الحديث يفوق ما ذكرت، عندما ألحّ بعضهم، ربّما يكون طبيبُه الخاصّ، إنهاءها، وسحَب بورقيبة من مكتبه، وهو يعود إلينا في كلّ مرّة ليواصل حديثه، والحاضرون يدفعون بنا نحو الباب، وهم يردّدون بأنّ الرئيس قد تعب وها قد قلنا كلّ ما نريد قوله.

فخرجنا على غير ما كان يخرج به “لو دوك ثيو” من وثائق موقّعة، واتّفاقيات واضحة، وخرائط مرسّمة، ولكنّا كنّا نشعر بنوع من الارتياح لتوفّقنا في الوقوف في وجه بورقيبة، ولم يكن الأمر سهلا. فقلّة هم الّذين وقفوا أمامه على نمط وقفتنا. ولم أتساءل وقتها ما الّذي كان سيحدث لو قابلناه في عنفوانه وأوج سلطانه!

{{يوم الخروج}}

… لا علاقة بسيناء والبحر الأحمر!. خرجنا من قرطاج، لنعود إلى السّجن المدني بتونس، وانتبهت وقتها إلى الطّقس. كان رائعا. كنت أعيد رسم خارطة العاصمة في ذهني وأرى النّاس يتجوّلون في الفضاء الواسع. بدا لي أوسع بكثير ممّا كنت أعرفه. نوع من البرمجة تتمّ في دماغ السّجين في إعادة صياغة مقاسات المسافة والزّمن داخل بضعة الأمتار المربّعة التي يعيش فيها، وبفعل تعاقب اللّيل والنّهار في حلقة دائرية مفرغة، تقطعها بين الفينة والأخرى أخبار ترد علينا من الخارج مثل أحداث المواجهة بين النّظام والاتّحاد العام التّونسي للشّغل، أو أحداث قفصة أو غيرها، فندرك معها أنّ الزّمن يسير بخطاه الطبيعية خارج أسوارنا. وذات الأمر نقف عليه كلّما زارنا أخ أو أخت تركناهما صغيرين ونراهما يكبران مع مرّ السّنين ونحن نشعر بأنفسنا وكأنّنا لم نتغيّر.

{{وجه الحبيبة}}

لم أعد أتذكّر المسار الذي سلكته السيّارة الفخمة التي عادت بنا إلى رفاق ينتظرون على أحرّ من الجمر. كنت خارج السّجن تماما بذهني ومخيّلتي. صورة صديقتي ترتسم في الأفق وتسكن كامل كياني. شوق عارم إلى اللّقاء وخوف كبير من التّلاقي. ماذا سنقول لبعضنا بعد خمس سنوات وشهرين من الانقطاع وحكاية الحبّ بيننا لم تكد تنشأ.

كان الزّمن زمن تساقط الرّفاق الواحد تلو الآخر تحت ضربات البوليس السّياسي، وكنت عائدا من فرنسا لمساعدة مناضلي الدّاخل على إعادة هيكلة المنظّمة. كنّا نعيش في السريّة بهويّات مزيّفة، ونتنقّل بصعوبة بين المناطق، وعمري وقتها لم يتجاوز العشرين سنة، وهي في نفس السنّ تقريبا.

آوتنا في بيتها لزمن كنّا نغيّر فيه سكننا حسب ما تتيحه إمكانيّاتنا الماديّة شبه المنعدمة، وقد أصررنا على طبع الجريدة السريّة في أوج حملة الإيقافات للدّلالة على أنّنا واقفون لا نركع، وأنّنا نقاوم. كنّا لا نعرف من الكرّ والفرّ سوى اللّفظة الأولى، ولم يكن لدينا متّسع من الوقت أو البال للحديث في مثل هذه الأشياء، أو ضبط استراتيجية تتوافق مع الأوضاع.

وكان مثل هذه العقليّة والتّصرّفات يمنح المناضل هالة رومانسية، ومسحة من التّراجيديا، ولحظة من الهشاشة العاطفية التي تستند إليها صلابة المعنويات وفولاذية العزيمة اللّتان يفرضهما الوضع. وإذا ما تقابل مناضل ومناضلة في مثل هذه الأحوال، تنشأ بالضّرورة مشاعر من نوع خاصّ تمتزج فيها العاطفة بالشّهوة، والحبّ بالشّبق، وأحاسيس الذّنب بما يصعب كبحه، وإن كُبِحَ فليُولّد سراب حبّ ينضاف إلى لائحة الحوافز التي نبحث عنها لصناعة فولاذ العزيمة، ومجابهة إيقاف يلوح في الأفق، ونحن نعلم أنّه قادم لا محالة.

كانت تجلس إلى جانبي وأنا بصدد تحضير أوّل عدد من جريدة “العامل التّونسي” سيصدر بالدّاخل، بعد أن كانت تأتينا مهرّبة من رفاقنا بفرنسا بطرق شتّى، والشّيخ الإمام يغنّي “تجمّعوا العشّاق في باب القلعة…”، وأنا أشرح لها بعض الكلمات المصريّة. كان صوتها أجمل من صوت الشيخ في أذني عندما تعيد على مسامعي بعض المقاطع، وأنا أتلو عليها قصيدة “بلدي وحبيبتي” لِمَلَكَةٍ طبيعية ِفيَّ لا يستقيم معها الغناء. كنتُ ظاهرة صوتية وكانت ظاهرة موسيقية. وفيها حلاوة النّكتة التي لم تكن حتّى لتحتاج إليها، لفرط جمالها. كانت تقول : أُحِبُّ أن أكون غَانِيَتَك لتعملَ أفضل. وعندما فسّرت لها معنى “الغانية” في العربية، اعتذرت عن عدم ضلوعها في اللّغة، لكنّها سرعان ما تنسى شروحي، ككلّ الفاتنات، فتقول: أنا غانيتك وأنت نَجْمِي (إشارة إلى أحمد فؤاد نجم) قبل أن تعتذر من جديد عن ضعفها…في اللّغة العربية.

تفارقنا على عِناق. كان لزاما عليّ أن أغادر المحلّ لأنّ أحد الرّفاق القياديين، الذي كان لاجئا إليه مثلي، قد “سقط” بمعنى أُلقِي عليه القبض. كنّا نشعر بأنّنا لن نتقابل بعد اليوم، لمدّة طويلة على الأقلّ. خرجت تائها وقد انقطعت جميع خطوط الاتّصال بيني وبين من تبقّى من الرّفاق الّذين لم يوقَفوا بعد.

من يومها حملتها حلما خفّف عليّ إلى حدّ كبير وطأة سنوات السّجن وعُمْقَ الحاجة لدى السّجين إلى خيال أنثى تؤثّث فراغ الوجدان و تملأ وحشة الجسد.

(1)- استفاقت البلاد في شهر يناير 1980 على مجموعة من المسلّحين قدموا من ليبيا وسيطروا على مدينة قفصة. قرأ البعض هذا الحدث كردّ فعل من “الأخ” العقيد القذّافي على تراجع بورقيبة عن اتّفاقية الوحدة بين تونس وليبيا التي وُقعت في ظروف سريالية سنة 1974.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق