من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو

يَوْمَها كان الطّقس جميلا، والشّمس بازغة، والسّماء صافية كأحلى ما يكون أَوَّل يومٍ صيفيّ من شهر يونيو، في بلد متوسّطيّ مثل تونس. والحقيقة أنّ حالة الطّقس لم تكن تعنيني بالمرّة في ذلك اليوم الصّعب امتحانه، ولعلّ لكونه يوم امتحان، فقد بدأته بالمقدّمة المعهودة في إنشاءاتنا العربية الْمُسْتَلَفَةِ من مناهج التّدريس الفرنسية، فلا نُدرك معها أنّ المناخ وحالة الطّقس عندهُم تنطوي على حاجةٍ لهم إلى الشّمس والحرارةِ بقدر حاجتنا نحن إلى شيء من الرّطوبة وكثرة المطر، وإلاّ عمّت المجاعة وزَمُن القحط. لِنَقُلْ إذن أنّ الطّقس يومها كان رائقًا للمتجوّلين، ومصيبةً على الفلاّحين، وكارثةً على البلد، لولا تحوّل الشّمس الحارقة إلى صناعة سياحيّة تدرّ على البلد أكثر ممّا تدرّه الفلاحة.

والمهمّ أنّني كنت راكبًا في سيّارة وزارة الدّاخلية، ولأوّل مرّة كانت السيّارة فخمة، لا علاقة بما عوّدتني به الوزارة إلى حدّ ذلك اليوم، بدليل أنني لم أتعرّف على ماركتها. كنت بالخلف، وبالأمام يجلس مدير الأمن الوطني بعينه، وكنّا نتجاذب أطراف الحديث وكأنّنا أصدقاء قدامى جمعت بيننا الدّراسة أو كرة القدم في البطحاء، أو لعب الكجّة والخذروف اللّذْين لهما علاقة متينة بالـ”بيس” و”الزّربوط” عندنا في تونس، لأنّهما نفس الشّيء.

كنّا مجموعة من ثلاثة مساجين سياسيين (محمد الخنيسي، ونورالدين بعبورة وأنا) يُقتادون إلى القصر الرّئاسي بقرطاج لمقابلة طال التّفاوض فيها مع مدير الأمن الوطني، عبد الحميد الصخيري آنذاك، الذي زارنا في السجن المدني بتونس المعروف بـ 9 أفريل (أبريل)، ثمّ مع وزير الدّاخلية، إدريس قيقة، في مكتبه.

لا نعلم إلى حدّ اليوم، وبعد انقضاء سبعٍ وعشرين سنة على الحدث، سبب اختيارنا نحن بالذّات. وعلى كلّ، لم يعترض رفاقنا البالغ عددهم أربعة عشر نفرا، وقتها، على هذا الاختيار.

{{المفاوضات الصّعبة}}

لم تكن المهمّة سهلة، فمنّا من تجاوزَتْ مدّة سجنه الستّ سنوات وبَقِيَتْ أمامه نصفُ المسافة، على افتراض تقضيتها كاملة. كنّا نعلم أنّ إمكانيّة سراحنا واردة نظرًا لخروج فوجٍ أوّل منّا منذ عشرة أشهر تقريبا – جلبار نقّاش ورشيد بللونة ونورالدين خضر وعزالدين الحزقي وأحمد بن عثمان الردّاوي، وعزالدين الحزقي، ومنجي اللّوز، والنّوري بوزيد، وعبد اللّه الرّويسي وغيرهم كثير.

لكنّ الذي يفكّر من داخل الزّنزانة ليس كالّذي يفكّر من خارجها، فهو لا يصدّق بالأمر إلاّ عندما يضع قدمه خارج عتبة الباب الكبير، وقد يظلّ لأيّام بعد تسريحه يبحث عن الأدلّة الماديّة الملموسة بأنّه خارجه، وفينا من حمل السّجن سنوات طوالا بين أضلاعه، وهو خارجه.

كان مدير السّجن مُنـزويًا على نفسه في ركن من مكتبه وهو ينظر مشدوها إلينا نُفاوض مدير الأمن الوطني على شروط خروجنا، وكلّه تأهّب للتدخّل عضليّا وبقيّة الحرّاس، في حالة تجاوزنا “حدود اللّياقة” تجاه ممثّل الدّولة. وكان هذا الأخير على قدر كبير من المرونة وسعة الصّدر والحنكة في امتصاص توتّرنا النّاجم عن بحثنا على إقامة معادلات عدّة في نفس الوقت :

–أن نُفْهِم الطّرفَ المقابل أنّنا لا نستجدي عطفا أو هِبَةً، وقد قضّينا سنواتٍ نرفض فيها إبداء أيّ إشارة يُقرأ منها طلبُ عفوٍ كان واردًا بسهولة لكلّ من طلبه.

–أن نحصُل على ضمانات بأن لا يتحوّل الأمر إلى عمليّة دعائيّة لفائدة النّظام بإعلانه عن امتناننا لبورقيبة بإطلاق سراحنا، أو تقديمنا في صورة التّائبين عن ضلالة شبابيّة عالجها الأب بما تقتضيه الأبوّة،

–أن نتصرّف في الخوف من إجهاض المفاوضة بوضع شروط “يسراوية” أو “دغمائيّة” تستفزّ بورقيبة بما يجعل أناويته تتغلّب على اختيارات (أو إلزامات) حكومة مزالي، بتوخّي سلوك انفتاحي جديد.

والحقيقة أنّه منذ إنزالنا “الحبس الجديد”، كما يُسمّى على قِدَمِه، ومغادرتنا معتقل “برج الرّومي”، كنّا نلمس بعض التغيّر في التّعامل معنا بما يشير إلى أنّنا خارجون لا محالة. ومن مفارقات الصّدف أنّنا عشنا هذه الفترة على وتيرة أشدّ على أعصابنا من وتيرة حياتنا في برج الرّومي والسّجون التي وُزّعنا عليها من قَبْل، بمدن الكاف أو قرمبالية أو صفاقس أو القصرين أو بنزرت أو باجة أو القيروان.

كانت الشّائعات والتكهّنات تَسْتَنِدُ إلى صور الأخبار التّلفزية التي تأتينا عن بورقيبة، بدون صوت بورقيبة. فالرّجل كان مريضا ويتكلّم بصعوبة، ويقول أشياء قد تكون في الموضوع أو خارجه، بحسب مزاجه ووضعه الصحّي، لذا قطعوا عنه الصّوت، وظلّ يحكم البلاد في سنواته الأخيرة، بالصّورة دون الصّوت، وهو الّذي نحتَ صَوْتُه وصقلت كلماته وخُطبُه وتوجيهاته، وجه البلد وأذهان العباد.

كانت هذه الصّور التّلفزية، وما يصحبها من قراءة على الشّفاه، وتأويلات، ومقاربات، وتحاليل، وإشاعات، تجعلنا على أهبة الخروج عشيّة كلّ مناسبة وطنية. وبقدر كثرة هذه المناسبات والأعياد في وطننا، كانت أعصابنا عرضة للشدّ ليلة الأعياد، وللارتخاء في اليوم الثاني منها (أعتقد أنّه من وقتها أصبحت لي مشكلة مع لفظة “ثاني عيد” !).

خرجنا من ورطة هذه المقابلة الأولى بفضل أحد ثلاثتنا -و لم أعد أذكره-، قال أنّنا مفوّضون من قبل بقية رفاقنا ويستوجب الرّجوع إليهم عملا بفكرنا الديموقراطي وتقاليدنا التّشاوريّة في أخذ القرار –لم نقل، طبعا، أنّ أمرنا شورى بيننا- وقَبِل “الصّخيري” الأمر على أن يعود إلى زيارتنا ثانية.

{{اجتماع في “الشّمبري”}}

أذكر أنه عندما عدنا إلى “غرفة النّوم” (بدا لي وقتها أنّنا نقطن فندقا، لمجرّد تغيّر نظرة الحرّاس ومدير السّجن إلينا، نتيجة ما لمسوه من حسن استقبال مدير الأمن الوطني لنا، وتبعا لذلك تَغُيُُّرُ نظرتي في تلك اللّحظة إلى الـ”شّمبري”)، جهدنا في تقديم عرض ضاف ومفصّل عن حيثيّات ودقائق المقابلة، وحواشيها، وجوانبها، بما لا يدع شكّا لدى قاطني “الشمبري” (العنبر) أجمعين بأنّه لم يقع تفريط، من أيّ نوع كان، في المبادئ والقيم، أو أيّ شيء من هذا القبيل من شأنه أن يُقرأ على أنّه تخاذل أو تسرّع في قبول سراح قد يَنْسَخُ سنواتِ طوال من الصمود والنضال.

وأذكر أنّني استغللت يومها الفرصة لطلب سجائر إضافيّة بتعلّة “حرق” نصيبي، المقرّر يوميّا من رصيدنا الجماعي، أثناء هذا الحدث الطّارئ الذي لم يكن مبرمجًا في خصومتي اليوميّة مع الوقت لتقسيط سجائري بين الليل والنّهار. والحقّ أنّ الرّفيق المسؤول عن “الكنتينة” (أي ميزانية التّصرّف التي تخوّل لنا اقتناء بعض الحاجيات من متجر السّجن على حسابٍ جارٍ مفتوحٍ لدى الإدارة ومُمَوَّلٍ من عائلاتنا)، لم يُمانع في الأمر حرصا على اختصار الوقت للمرور إلى ما هو أهمّ، بل بلغ به الكرم إلى حدّ السّماح بقهوة إضافيّة للمفاوضين ثمّ عمّمها على الجميع، من باب الإنصاف والعدل أوّلا، وبسبب طول سهرنا في الاجتماع العامّ المخصّص لتحضير المقابلة القادمة مع السّلطة المجسّدة في أحد أعلى إطاراتها الأمنية.

يصعب على ذاكرتي اليوم استعادة جميع التّفاصيل، فبقدر ما كانت تجمعنا قواسم سلوكية كمجموعة في مواجهاتنا لإدارة السّجن، واتّفاقنا على تسيير حياتنا الجماعيّة من حيث تقاسم “القفّة” (السلة التي تأتي بها العائلات)، والمال، واستعمال الراديو المهرّب (رغم أنّ بعضنا كان يُفضّل الاستماع إلى إذاعة “تيرانا” الألبانيّة أكثر من استماعه إلى صوت العدوّ المنتشر في كلّ ربوع العالم تقريبا)، بقدر ما كنّا مختلفين سياسيّا وفكريّا على أشياء بعضها واضح، وبعضها مبهم، وبعضها سياسي وإيديولوجي، وبعضها الآخر لا علاقة له بالسّياسة، وإن لبس ثوبها. أشياء من نوع حكايات حبّ تعود إلى ما قبل السّجن تقاطعت فيها الأقدار بين رفيقين على حبيبة واحدة مثلا، لأسباب إحصائية بسيطة مردّها انخفاض عدد الإناث نسبة إلى الذّكور في عالم السريّة النّضاليّة، أو صداقات مسترابة أكثر من اللّزوم مع قدماء مجموعة “برسبكتيف” الذين جمعنا بهم معتقل برج الرّومي، وكان يرى فيهم البعض خطر تلويث فكري في زمن لم يكن فيه تلوّث البيئة ورادا في قاموسنا، أو قراءات لكتب برجوازية أفتى فيها البعض أنّها مارقة ككتب “سولجنتسين” أو “الفلاسفة الجدد”، وأحيانا مجلاّت خليعة لفاتنات عاريات تصلنا عن طريق حرّاسنا مقابل ثمن كان يرى البعض أنّه من الأجدر صرفه في أمور تهمّ الثورة والوطن دون تحديد واضح لما هو نافع. فقد كنّا بشكل عامّ أقدر على معرفة ما لا ينفع من تمييز ما ينفع.

وعلى كلّ لم تكن اختلافاتنا أو مخالفات بعضنا لضوابط التّصرّف السّليم لمناضل ماركسيّ لينيني تطرح عائقا كبيرا أمام تعايشنا اليومي، خاصّة في السنوات الأخيرة من السّجن. ربّما يعود الأمر إلى يأس النّواة الصّلبة من إصلاح الثّلثين، أو لرتابة الزّمن، وتداخل الأيّام، وارتخاء اليقظة الإيديولوجية ممّا جعل بعضنا يفجّر، أحيانا، نكتا نضحك لها جميعا كالإعلان عن ضياع مجلّة “هو Lui”[1] العارية، والتّظاهر بالبحث عنها لنجدها، في آخر الأمر، وقد دسّها أحدنا، تحت مخدّة رفيقنا الـ”كي”، الطيّب طينة والمتشدّد إيديولوجيةً. (أحد مساجين الحقّ العامّ من أبناء حيّي، كان لا ينفكّ عن الحديث عن خطيبته التي تركها في انتظاره، وأصرّ يوما على إطلاعي على صورتها… كان وجها رائع الجمال لصورة عفى عليها الدّهر…مقتطعا من مجلّة عربية متخصصة في نجمات السينما…وهو يعلّقه حذو رأسه…وينزل ضربا في كلّ من رأى فيه غير خطيبته الحقيقية).

كنّا نحتاج إلى الضّحك بقدر حاجتنا إلى الحريّة وكان الوقت يقتلنا بطوله وتمططّه، فنقتله بابتداع حكايات، وأوهام، وخصومات، وسهرات، ونقاشات تعطي معنى لوجودنا كبشر قبل وجودنا كمناضلين وسجناء رأي وسياسة.

ليلتها تمّ الاتّفاق بيننا، دون خلافات تذكر، على مواصلة التّفاوض على أسس واضحة : أنَّ قبولنا مغادرة السّجن يكون مشروطا بالاتّفاق المسبق على صيغة البيان الّذي سينشر بالصّحافة ، وقد فاتني القول أنّ مدير الأمن الوطني فاجأنا منذ الزّيارة الأولى بأنّ الرئيس بورقيبة يريد استقبالنا بالقصر الرئاسي، وأنّه لا مناص من قبول الأمر لأنّه في حالة مرض، وقد يستفزّه رفضنا بما قد يترتّب عليه إبقاؤنا في السّجن لسنوات أخرى، وقد يبلغ الأمر التّراجع في العفو عن المجموعة التي أُطلِق سراحها لعشرة أشهر خلت. وكنّا نعلم أنّه قادر على ذلك، فقد سبق أن أعاد إلى السّجن سنة 1972 كلاّ من رشيد بلّلونة، ونورالدين بن خضر، وجلبار نقّاش دون محاكمة بدعوى تراجعه عن العفو الرئاسي الذي شملهم سنة 70 إثر محاكمة 1968 الشهيرة.

أذكر أنّنا رددنا عليه، يومها، بأنّهم لن يستطيعوا نقلنا إلى القصر عنوة، وأنّنا سنعلن رفضنا بكلّ الطّرق، وهدَّدْنا بالفضيحة أمام الرئيس ذاته، وبتمزيق ثيابنا للتّعبير عن احتجاجنا، والحال أنّه كان يتحدّث عن مدّنا بملابس لائقة…

{{في حضرة الوزير}}

ما إن طلع صبح اليوم الموالي حتّى دُعينا من جديد إلى إدارة السّجن لمقابلة ثانية مع نفس المسؤول، فبادرناه بشروطنا، فردّ بأنّ مثل هذه الأمور تتجاوزه، وأنّه من الأفضل مقابلة وزير الدّاخلية والتّفاوض معه مباشرة. وهو ما تمّ فعلا في نفس اليوم حيث تمّ نقلنا إلى مكتب الوزير، إدريس قيقة، الذي استقبلنا كما لم نُستقبل يوما في حياتنا، وكنّا نعرف تحديدا مقرّات الدّاخلية التي استضافتنا أيّام إيقافاتنا المتتالية، غير أنّ الأمر كان، في هذه المرّة، مختلفا بعض الشيء من حيث الشّكل والمحتوى وكمية الوجع وتفاصيل أخرى، أجسادنا أقدر على الإفصاح عنها من أفواهنا وكلامنا.
لم نكن في هذه المرّة معلّقين بين الأرض والسماء بل كنّا جالسين على مقاعد فخمة من الجلد الطّري.

كان الوزير أكثر عصبيّة من مدير الأمن، لاختلاف في الطّباع والمزاج، دون شكّ، وأيضا لـ”قرب رأس الفرطاس (الأقرع) إلى ربّي” على رأي المثل التّونسي، أو ربّما لعدم اقتناعه الكامل بأنّ تشريفات من هذا القبيل لسجناء سياسيين لا تليق كثيرا بمقام وزير داخلية لم يتمرّن بعد، بما فيه الكفاية، على ممارسة هذه الدّيموقراطية الجديدة.

قدّم لنا بسطة ضافية عن توجّه الحكومة الجديدة في طيّ صفحة الماضي وتدشين عهد الحريّات والدّيموقراطية، وعَلِمْنا منه، يومها، أنّنا أبناء هذا الوطن، واستبدّت به العاطفة فقال أننا أبناؤ”هم” أيضا (هم العائدة على أصحاب الوطن)، ولم يبلغ الأمر درجة تقبيلنا أو ضمّنا إلى صدره، وأفهمنا، بكثير من الإيحاء، بأنّ مدارك الرئيس ليست على ما يرام، وطالب منّا مساعدته على تخطّي هذه العقبة بضبط أنفسنا إذا ما صدر عن بورقيبة، لا سمح اللّه، ما لا يسرّ سماعه، وما قد يعكّر صفو المحبّة الجديدة بين الحكومة ومساجينها، ونحن نستمع ولا نفقه إن كان الرّجل خائفا من الحبيب بورقيبة بأن لا يكون في مستوى المسؤولية المنوطة بعهدته، كرئيس دولة، في تكريس سياسة الحكومة، أو خائفا من ردود فعلنا الطّفولي لما يعلمه عنّا من “صحّة رأس” وعدم تقدير لهيبة الدّولة، أو خائفا على نفسه من الورطة التي حلّت به. ولا أظنّ سوى أنّ خوفه كان ثلاثيّ الأبعاد، وهو ليس بالأمر الهيّن.

الحقيقة أنّني في تلك اللّحظة رقّيت لحاله، وكدت أن أربّت على كتفه، وأن آخذ بيده وأواسيه بكلمة طيبة من نوع “ما تحطّ شيء في بالك، غصرة (ضائقة) وتفوت”، ولكنّي لم أفعلها لسببين اثنين. أوّلا: وجدت هذه الجملة غير لائقة لانتمائها إلى قاموسي السّجني العالق بي، فكثيرا ما كنت أقولها لبعض مساجين الحقّ العامّ الذين سنحت لنا الظّروف بتبادل بعض الأحاديث معهم، وكنت أضيف إلى تلك العبارة “الحيّ يروّح والحبس كذّاب”، وهو كلام لا يليق بحضرة وزير على رأس أهمّ وزارات السيادة. وثانيا : تذكّرت بأنّي لست هنا أصالة عن شخصي الكريم، وإنّما أنا حاضر بصفتي نائبا عن رفاقي المساجين السياسيين القابعين بالسّجن، وأولئك الذين خرجوا منه، وعن جميع أطراف الحركة الدّيموقراطية في البلاد التي تحمل تطلّعات شعبنا في الخبز والحريّة، وبالتّالي فأنا أنوب عن كلّ الشّعب، وإن لم ينتخبني، ولكنّه تمثيل حقيقي بآليات معقّدة يصعب شرحها لضيق المجال.

عندما فُسح لنا المجال أخيرا للحديث كنّا، على صغر سنّنا، وطراوة تجربتنا السياسية، وانعدام خبراتنا التّفاوضية، أقدر منه على الإيجاز والوضوح والبيان : أوّلا: صياغة البيان الصحفي الذي سيصدر عن الرئاسة وينشر في الإعلام بما لا يدع شكّا لأيّ تأويل قد يفسّر أننّا طالبون لعفو رئاسي، مع التّنصيص على صفتنا كمساجين سياسيين يُطلق سراحهم. ثانيا : مهما كانت حالة الرئيس أو أقواله، فإنّنا سنطرح عليه مطالبنا في حرية التّنظيم، والصّحافة، والتّعبير، ومحاكمة المسؤولين عن التّعذيب، ثالثا : سنّ قانون عفو تشريعي عامّ، واسترداد حقوقنا كاملة، رابعا : أن يشمل العفو جميع المساجين السياسيين، إذ أنّ الوزير سبق أن أشار في حديثه إلى دفعة أولى يتحدّد من خلال تصرّفها شمول البقيّة.

اغتاظ الوزير لكلامنا وبدا عليه التبرّم وضيق الصّدر، ولاحت في الأفق بوادر مشادّة، قد لا تحمد عقباها على الجميع، ولم نكن نعرف مدى المناورة الذي يمكننا التّصرّف فيه، فقد كنّا نقرأ عن براعة الرفيق الفيتنامي ” لو دوك تو” في قهره للأميركان على طاولة المفاوضات، كامتداد لقهره لهم على الميدان، أمّا الآن فالوضع مختلف، فليس عندنا مناطق محرّرة ندخلها في المعادلة التّفاوضيّة، ولا دراية لنا بتقنيات رفيقنا الفيتنامي وأساليبه، ولم نناقش كثيرا، فيما بيننا، قضية الحدّ الأدنى والحدّ الأقصى. قوّتنا كانت في تلاقي الأدنى بالأقصى. ولحسن الحظّ أنْ تَدَخَّلَ مدير الأمن الوطني ليلطّف الجوّ بأريحيَّتِه الطّبيعية، ولأسباب أخرى يتّصل بعضها، كما فهمت بعد خروجنا، بميول ٍلا علاقة لها، مباشرة، بالسياسة والدّولة، وبأخرى تَمُتُّ إلى صلته المتينة بوسيلة بن عمّار بورقيبة، زوجة الرئيس، التي كانت حريصة بدورها على خروجنا لأسباب فيها السياسي وغير السياسي. ويبقى هذا الأمر من قبيل تقديري الشّخصي البحت… وليس المجال للتبسّط أكثر.

[1]- مجلّة إباحية كنّا نجد فيها أجمل فاتنات العالم، كما ولدتهنّ أمّهاتهنّ، فيستسلمن لنا طائعات. يجدر اعتبارها، بحقّ، أروع ما يمكن للسّجين الحصول عليه من أمّهات الكتب، والمراجع الثّابتة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق