من سلالم الصدى..

غرقت نظراتها المالحة في ضوء ناحل، يلهث بين جوبات الظلال، فتعربش على بحّات صوتها حبق بري.

* * * *

تمطّت في مرقدها بين الشراشف البيض، تحتمي من نصل الذكريات.. اقشعرّ جلدها بحدس نسائيّ بأنها على أبواب حبّ خائب.

* * * *

تنحّى جانباً صوب اللامبالاة، فقدّمت له بيدها المعروقة باقة أزهار بطعم الرحيل.

* * * *

كانت تبسط صرّتها، وتحكي له كل أسرارها، إلى أن اشتبكت معه بحبّ عنيف، فتحوّل إلى سرّ مكنون، ولم يعد لها من أحد تنشر أمامه عريها وتبوح.

* * * *

رفع يده مهدداً.. كتبت في مفكّرتها: "المرآة التي أنظر فيها تتملى في ملامحي، تستبين سكينةً تجرح وجه العاصفة".

* * * *

أخذت تقرأ سورة يس، وهي تمرّر حبّات سبحتها.

أيقظها عبق نقيع الميرمية المغلي من الغفلة، فارتطمت تمتماتها بشهوة غافية في مرآتها الكدرة على الطاولة المقابلة.

* * * *

عملتْ في الملاحة على تكسير بلّورات الملح، وتعبئته في شوالات بيضاء تفرقت بها الشاحنات إلى الجهات القصيّة. تصبب العرق من جبينها، وهمت الدموع من عينيها، ووَلَغ زمن الملح لسانه في حياتها، فانقلبت حنظليّة المذاق.

* * * *

تناولت فنجان القهوة من الصينية، تطلّع إليها زوجها الراحل من صورته المعلّقة على الجدار المقابل، عرّاها من الظلال، ارتمى على مخيّلتها وحاول عناقها. ذعرت من شهوانيته وهي تقبض على عنقها، فرشقته بقهوتها الساخنة غير مبالية بخشيتها من المكوث لوحدها.

* * * *

انغلق باب الزنزانة خلفها على زهوة شبابها. خرجت لا تلوي على شيء، ابتلعتها رمال المخيم المتحركة، فغابت عن الأنظار في دنيا الله الواسعة.

* * * *

سافرت بعينيها مع سرب السنونو فوق أسطحة البنايات العالية، فجفلت الطيور المحلقة من غربانٍ معشعشة في سويداء قلبها.

* * * *

ما أن رأت الأزرق المخضرّ حتى تفتّحت حواسّها للريح، هرولت كالمهووسة وهي تنزع ثيابها وترميها للرمال. فار نهداها مع النسمات، وتوهّج عريها بزبد تغلغل في برازخها، فغاصت بكلها في الماء تتبرّد من تباريح فُرُجاتها ووحشيتها الأولى.

* * * *

لأنها منحازة إلى ذاتها، تعاركت مع أمّها، وتمرّدت على تسلّطها، رغم الصفعات الأليمة التي هوت على خدها. ولأنها منحازة إلى ذاتها كرّرت نفس ما كانت تكرهه في أمها مع ابنتها.

* * * *

كان شابّاً يصغرها بأعوام. لم يعرف امرأة، فكانت جزيرته الأولى.

تلوت على رمال ذاكرته، فضّت معرفته وهي تربت على روحه، وتتسلّل بذراعيها إلى وسطه المضطرب، تحتوي خصره وهو ينازع البقاء…

لملمت ثيابها، أزاحت ستارة المطر المسدلة على باب الليل. خرجت مع الغلس، ولم تحتفظ منه إلا بحرز ذهول، وخواطر عن رائحة أعشاب بحرية.

* * * *

جلست أمام مفاتيح البيانو، أشرقت من عينيها التماعة إصرار، وبدأت العزف.

حضورها مع آلتها بلّغ عن تحدٍّ تخوضه، برفقة الموجات المهتزة صعوداً وهبوطاً، ضدّ طنينٍ هدّدها بالانبثاق من دهاليز سمعها. ويرجع ذلك لليوم الذي اعتقلت فيه، وطُرحت أرضاً في زنزانة انفرادية، لعلعت فيها مكبّرات الصوت بأقصى ترددات وحوشها المعدنية في كهف الظلام الذي أحاط بها.

* * * *

عند الظهيرة.. كل يوم

تتفيأ عريشة الكرمة أمام الدار، تنتظر عريس التثاؤبات.

ترتشف من كوب المتة، وتدرج سيجارتها بأصابع يابسة.

عند الظهيرة.. كل يوم

تتمشى في كيانها بحيرة راسبة الأعماق ينبعث منها ماض مقبور، فتلسعها الغيرة من قدرته على النهوض والانبعاث.

* * * *

نبشتْ في علم البلاغة أثناء تدبيج نصها الأدبي. سترت سرد الشبق بسياق ظلال البيان، ونقّبت عري الجسد بزخرف المفردات، وكسته بشعائر البديع والمحسنات من كنايات، واستعارات، ومجازات إلى ما هنالك من طوائف ومذاهب وأديان.

* * * *

رافقتْ ثلاثة رواة من هذه البلاد. اثنان بداعي صداقة وثرثرة صحفيّة، والثالث بلا داع على الإطلاق.

دعت الأوّل إلى مقهى في المدينة القديمة. ترك ظهره للجدار، فجلست قبالته وظهرها للبهو. تملاها عن كثب، قبل أن يجافيها الكلام شيئاً فشيئاً، ويحكم عليها بمصير الخائنة بسبب رمزيةٍ قضيبيّة لأراجيل اصطفّت في عمق المشهد خلفها.

دعت الروائي الثاني إلى مقهى في وسط البلد. أطرق ملياً وحدّق إليها في أعماقه بحبّ، وهو يختلي بها في ارتعاشات النص، إلا أنّ  طلاء أظافرها القاني أفسد عرى السرد، وأيقظ فيه كره النساء الغافي، مما حتّم على الشخصيّة قدر الحطام.

وبما أن الثالث لا يمتّ للرجل الذي تميل إليه كأنثى بصلة، فقد سبر ملامحها، وشكّك في طيات روايته بميولها الشبقيّة، لخيبة أفانين ذكوريته بإثارتها بين السطور في مقهى على أطراف المدينة.

كل واحد منهم قال لها بأن الكاتب الآخر لا يعرف كيف يدير حواراً روائياً مع امرأة.

* * * *

في كل عرس لها قرص، وكلماتها عُرفت بطعم القريص بين النسوان، هذا إن لم نقل حدث ولا حرج عن جاهزيتها للعراك. ولم يغفر لسيرتها، إلا قابليتها لقص الحواديت في كل في الأوقات والمناسبات، ويعود ذلك ليوم من الأيام حينما انزلقت قدماها في قمقم السراب، فتسمرت عيناها في بطنها المرتفع حتى العراء. نعب غراب فوق سطح البيت فتعسرت عليها الولادة الكاذبة. هرولت إلى فرادة فوراتها، سحقت سيجارتها في النفاضة، وبدأت باختلاق حكاية وروايتها.

* * * *

ضمّت حزمة الريحان إلى صدرها، تلامحت في ذهنها صورة عمتها، التي اشتهرت لقصر تنورتها بحلاوة ساقيها في العاصمة أواخر الستينات. جاءتها العمة من الذاكرة وهي في ربيع العمر تستلقي في حفرة فغرت شدقها تحت شجيرة زيتون، تقرأ في الوجودية أثناء العطل الصيفية في الضيعة.

من مكانها في المطلّ، سرحت بعينيها نحو البيوت المتناثرة حتى النهر في الغور. وضعت أغصان الريحان على كومة التراب المردوم للتو تحت شجرة الزيتون، كانت نداوة الموت تغرق الفضاء الرمادي بالصفاء وتثير شهوة الضفادع للنقيق.

* * * *

في المقهى، مدّ يده بمخطوط ديوانه لتطالعه وتبدي رأيها فيه قبل أن يرسله لدار النشر. توغل في أحشاء المدينة، تراكمت الظلمة على الظلمة، فاعتقل بعد يومين.

تأرجحت على روابي القصائد، لملمت شقائق النعمان من السطور، أمسى المخطوط أمانة في عنقها، فانتظرت خروجه من المعتقل.

رافقها الديوان كجواز السفر إلى كل البلدان التي عبرت حدودها، وأصبح جزءاً من حلها وترحالها.

مرت حفنات من السنين، وفي يوم من الأيام قرأت له في الإنترنت نصاً مذيلاً ببريده الالكتروني.

التقيا في المقهى، مدّت يدها بمخطوط ديوانه، تلقفه برفق دون أن يفتحه. تشبّثت عيناها برزمة الأوراق المستقرة بين أنامله، فحزن قلبها لفقدها جواز سفرها إلى تخوم الحنين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق