من سينما الصين واليابان: كونفوشيوس وأنشودة ناراياما

كونفوشيوس جسر متين بين الحكمة والسياسة:
ليست مهمة المصلحين في الأرض سهلة، ولا سيما إذا كان الحكيم يعيش بين أكناف قوم يجهلون. فكيف يمكن للحكماء أن يغيروا المجتمع، ويزيلوا الظلام الذي يسكن في العقول؟ إلى أي حدٍ يمكنهم أن يقتربوا من السياسة، ومتى ينبغي أن يبتعدوا؟ ومن أين عليهم أن يبدؤوا الإصلاح، ومع من؟ كيف يمكنهم تطهير القلوب من إرث الفساد وإزاحة الليل الجاهل ليشرق شمس العدل والعلم؟ مسيرة كونفوشيوس- كما عرضها الفلم الذي يحمل اسم الحكيم الصيني ومن إخراج المخرج الصيني (هو مي) بإنتاج عام 2010 – يقدّم إجابات مختصرة على هذه التساؤلات الصعبة.


لنبدأ أولاً بعرض البيئة التي كان كونفوشيوس يعيش فيها. فعلى المستوى السياسي إمبراطورية "زاو" تحيا صراعاً قوياً على السلطة في داخلها بين الممالك الثلاث؛ مملكة "لو" التي يعيش فيه كونفوشيوس، ومملكة "تشي"، ومملكة "ويي"، وكل واحدة من هذه الممالك الثلاث تكيد للأخرى وتتربص بها. والمجتمع مقسّم بين طبقتين سياسيتين هما الأسياد والعبيد، إذ لا مكان لمواطنة حقيقية في تلك الممالك، وإنما هناك طبقات حكم وعائلات تتقاسم النفوذ في المملكة الواحدة، والعدل مفقود بين الرعية والحكّام. وعلى المستوى الثقافي والديني فالقرابين التي تُقدّم للإله بشرية، والغايات فوق المبادئ، والقوة فوق العقل، والإنسان ذخيرة الحروب، ومصلحة القادة والعائلات فوق مصلحة الوطن بطبيعة الحال. وعلى المستوى الاقتصادي إما أن تكون ممن يبحثون عن لقمة الخبز، وإمّا أن تكون على شاكلة قارون!! والسؤال الثقيل هنا هو كيف يمكن لكونفوشيوس وسط هذا المحيط الجاهل والظالم أن يبدأ؟


البداية كما يُقدّمها الفلم كانت مع الحكمة، فالحكمة بوصلة الدولة ويحتاجها القادة كلّهم، وإن كانوا يرمونها بعيداً إذا تعارضت مع مصالحهم قصيرة الأمد، أو تصوراتهم الضيقة. الحكمة والعلم الاجتماعي والسياسي الذي يتمتّع به كونفوشيوس تُقرّبه من الحاكم الذي يضعه والياً على إحدى ولايات مملكة "لو"، وينجح الحكيم في إدارة الولاية على أحسن وجه، ويذيع صيته في كل ممالك إمبراطورية "زاو"، وخاصة بعد أن ينجح في مهمة عظيمة وفي غاية الصعوبة والتعقيد إذ يتمكن من استعادة ثلاث ولايات كانت لمملكة "لو" وتم احتلالها فيما مضى من قبل مملكة "تشي" دون أن تضطر مملكة "لو" إلى خوض أي حرب مع مملكة "تشي"، مما أوضح دون شك رجاحة العقل ورفعة الحكمة التي يتمتّع بها كونفوشيوس، وأثبت لمن حوله من القادة والملوك أحد أكبر مبادئه في السياسة الرشيدة وهو أنّ قوة العقل تفوق قوّة السلاح ،فارتفعت مكانة كونفوشيوس عند حاكم ولاية "لو" وعيّنه وزيراً للداخلية رغم الاعتراضات التي أبداها أصحاب الوجاهة والسلطة من العائلات الحاكمة في "لو".
 

المبدأ الثاني الذي قدّمه كونفوشيوس لتلامذته ولنا بطبيعة الحال، أنّ المبادئ ليس مجالاً للمساومة، وأن السياسة يجب أن تتبع المبادئ، وأن السلطة وسيلة بيد العدل وليس العكس ، فقرر كونفوشيوس أن يهد الأسوار الثلاثة التي كان العائلات الكبيرة في مملكة "لو" قد أقامتها حول ولاياتهم ليخفوا عن الحاكم مشاهد الظلم التي تجري خلفها تجاه الرعية. ونجح السياسي الحكيم في هدم جدارين من الجدران الثلاثة لكن ضغط العائلات الكبرى والتهديد المبطن للحاكم بالانقلاب عليه أجبر الحاكم على إيقاف إجراءات الهدم ويعيد التاريخ كما كان في السابق، أي أنّ حاكم مملكة "لو" تاجر بالعدل في سبيل الحفاظ على عرشه، الأمر الذي وضع كونفوشيوس أمام مفترق طرق، فإمّا أن يبقى وزيراً ويحتفظ بسلطته دون حضور للعدل، وإمّا أن يترك السلطة حفاظاً على موقفه من العدل. ويعطي كونفوشيوس درساً عظيماً لتلامذته، إذ يرى أنه لا قيمة للسلطة إذا غاب العدل عنها، ويقرر، أن يهجر مملكته التي ساد فيها الجهل والظلم على الحكمة والعدل، لمّا يأس من تصحيح مسارهم أملا في إيجاد بيئة جديدة تلقي سمعاً لأفكاره ومبادئه السامية.


يتفاجأ كونفوشيوس وهو يخرج من مملكته أن تلامذته اتبعوه أيضاً فيتوجهون معاً صوب مملكة "ويي" التي يحكمها ظاهراً ملك عجوز وباطناً زوجته الشابة التي كان لها نصيب من الحكمة في الحكم لكن دون حضور للعدل. وفي حوار مباشر بين كونفوشيوس والملكة يتمكن الحكيم من زرع بذور مبادئه في قلب الملكة ويقول لها مقولة في منتهى القوة والجمال: "أنّ مَن يؤمن بهذه المبادئ في الصباح، لا يأبه إن مات لأجلها في المساء"، وتقوم الملكة بتغيير سياسة حكمها تجاه الرعية نحو العدل والإنصاف، لكن كما حدث في مملكة "لو" فهناك دوماً من يقف ضدّ الإصلاح والعدل، فيتم اغتيال الملكة بسهم في قلبها، إلا أنها تتذكر مقولة كونفوشيوس تلك فتموت وهي مبتسمة!


يهاجر كونفوشيوس مع تلامذته مملكة "ويي" وتستمر رحلتهم سنيناً طويلة يداوم فيها كونفوشيوس بتعليم تلامذته الحكمة والعدل والخير، ويطلب منهم أن يطبقوا تلك المبادئ في حياتهم، وتأتي العروض من هنا وهناك لتلامذته ليساهموا في الحكم في ولايات إمبراطورية "زاو"، والتلاميذ يتحمسون لذلك لأنها الفرصة ليروا مبادئهم وقد أصبحت أعمالاً تُرى لكنّهم يأبون أن تسود المصلحة والسلطة على المبدأ شأنهم في ذلك شأن معلمهم، فإمّا أن يحكموا بالعدل والخير، وإمّا أن يعتزلوا أو يموتوا شهداء في سبيل المبادئ.


أحد المشاهد في الفلم فاقت الأخرى لقوة الفكرة التي طرحتها للمتلقي، ففي أثناء مسير كونفوشيوس مع تلامذته على بحيرة جليدية، يتكسر الجليد تحت أقدامهم وتسقط لفافات الحكمة التي كان كونفوشيوس يكتبها في الماء القارص تحت الجليد فيقوم أحد التلاميذ برمي نفسه في البحيرة الجليدية ويغطس في أعماقها لينقذ ما يستطيع من تلك اللفافات ويتمكن من إخراج العديد منها لكن البرد كان أقوى من قدرته فيتوقف قلبه عن النبض ويموت بين الجليد ولفائف الحكمة!! هذا الحادث كان له كبير الأثر في قرار كونفوشيوس الذي اتخذه حينما أرسل رئيس حكومة مملكة "لو" في أثره طالباً منه العودة إلى مملكته فيوافق كونفوشيوس على العودة شرط ألا يعمل في السياسة وإنما في التربية والتعليم فقط. ويؤسس كونفوشيوس حين عودته مدرسة كبيرة في مملكته ويبدأ بتعليم مبادئه بشكل موسع وكأنه استقر أخيرا على الحلّ الأمثل لمشكلة التغيير، وهي التربية والتعليم وتنشئة الأجيال على المبدأ القويم، ولسان حاله يقول: بهذا سوف نصلّ!!!

"أنشودة ناراياما": غرائب المجتمع البدائي:
تحنّ السينما لإرث البشرية القديم، فشاهدنا على شاشات العرض أفلاماً تتوغل في التاريخ القديم بنسب متفاوتة، كفلم الرسالة، وعمر المختار، والإسكندر، وتروي، وكونفوشيوس. أمّا الفلم الياباني "أنشودة ناراياما" فيعود زمانه إلى القرن التاسع عشر ورغم ذلك فأنّ الجمهور يشعر بأنه يرى مشاهد من عصور ما قبل التاريخ.
الفلم مأخوذ من رواية للأديب الياباني "شيشرو فوكازاوا" ومن إخراج "شوهي إيمامورا" الذي نال عن فيلمه هذا جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي.


تجري أحداث الفلم في قرية جبلية نائية وشديدة الفقر، بين الغابات والجبال في شمال اليابان. يتمكّن المخرج بنجاح من تصوير مشاهد الحياة البدائية للإنسان في تلك البقعة الجغرافية من الأرض لتعطينا فهماً واضحاً حول ماهية تلك الحياة والدوافع المحركة لسلوك الإنسان البدائي. وأدرج المخرج ضمن المشاهد الحياتية لسكان القرية مشاهد من الحياة الغريزية لبعض الحيوانات التي كانت تعيش بتناغم قرب الإنسان. فشاهدنا مثلاً السلوك الجنسي للأفعى والفراش، والسلوك الافتراسي للبوم، وشاهدنا الإنسان ينام بين القش وبالقرب منه ترقد أفعى دون أن يخاف أحدهما من الآخر. مثل هذه الإدراجات كانت الغاية منها وضع المشاهد في صلب العالم البدائي  حيث الغرائز تتحكم بالحياة وتوجّه السلوك الإنساني والحيواني على حد سواء فيما يُعرف بالسلوك البيولوجي الذي تقف خلفه الدوافع الأساسية للحياة كما اصطلح تسميتها بحسب علماء النفس للتمييز بينها وبين الدوافع الثانوية.
 

دافع البقاء: ومن الدوافع الأساسية التي ظهرت في الفلم بقوة دافع البقاء. وإذا كانت الحيوانات تندفع نحو الفتك والقتل والافتراس لتبقى على قيد الحياة، فإنّ سكان القرية اليابانية كانت لهم فلسفة أخرى للبقاء، منها رمي الفتاة حين ولادتها أو دفنها وهي حيّة إذا رأت العائلة أنها غير قادرة على إطعامها وإكسائها! والإسراع في أخذ المسنين من الآباء والأمهات إلى الجبل بما أنّهم أصبحوا أناسا استهلاكيين غير قادرين على الإنتاج. والابن البكر في العائلة التي كانت محور الفلم "كيساكيشي" اعترف أخيراً لأمّه بأنّه قتل أباه، أي زوجها، لأنّه رفض أخذ أمّه، أي جدّته، إلى الجبل. وأخذ المسنين إلى الجبل يحتمل عدّة تأويلات منها تخلّص العائلة من أفرادها المستهلكين لتوفير الطعام للآخرين. أو أنه طقس ديني واجب على الأبناء تجاه الوالدين. وأغلب الظن أنّ التأويل الثاني الظاهري يأتي ليغطّي ويضفي الشرعية على التأويل الأوّل الباطني.


دافع الأمن: الأمن كان الدافع الأساسي الثاني لسلوك أهل القرية. وتضمن الفلم حدثين متتاليين أشار من خلالهما إلى حرص الإنسان البدائي في تلك القرية على مسألة الأمن، ولا سيما فيما يتعلّق بالأمن الغذائي. حيث شاهدنا كيف عاقب أهل القرية العائلة التي قامت ابنتها بسرقة مؤونة عائلات القرية، إذ انقضوا معاً على تلك العائلة وأخذوا كلّ مؤونتهم جزاء على فعلتهم. أمّا البنت التي سرقت والتي كان من المفروض أن تصبح زوجة لأحد أبناء عائلة "كيساكيشي" فقد دبّرت الجدّة "أورين" أمر دفنها وهي حيّة عبر تحريض شباب القرية عليها. ولم يكن سلوكها هذا سلوكاً انتقامياً وإنما كان سلوكاً احترازياً ووقائياً لتحفظ الأمن الغذائي لعائلتها، إذ كان أحد أحفادها يريد الزواج منها. وفكرت العجوز إنها لو أصبحت زوجة لحفيدها وفرداً من العائلة فما الذي يضمن عدم عودتها للسرقة ثانية، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي لعائلتها للخطر فرأت وجوب التخلّص منها!


الدافع الجنسي: الدافع الجنسي شِهد حضوراً كثيفاً في الفلم وتمّت معالجته على أكثر من صعيد، كان أهمها طلب الابن "تاتسوهي" من زوجته الجديدة النوم لليلة واحدة في سرير أحد أبنائه الذي يعاني من كبتٍ جنسي مزمن، فالفتيات يرفضنه لرائحته الكريهة. إلا أنّ الزوجة ترفض بنصيحة من الجدّة. ولا تنتهي حكاية الدافع الجنسي هنا فالابن النتن وللتنفيس عن كبته الجنسي يمارس الجنس مع كلبة!! لكن دون أن يجهر بذلك لأنّ القيم الأخلاقية لأهالي القرية ترفض مثل هذا السلوك وتستهجنه. وربما الخوف من الفضيحة هي التي دفعت الأب إلى الطلب من زوجته لتنام ليلة واحدة مع ابنه.
وتجد الجدّة حلاً لحفيدها النتن، إذ تطلب من صديقتها العجوز أن تسمح لابنها بالنوم معها، وتخفف من حدّة الأقاويل التي كثرت عن الرائحة النتنة لابنها.


الذكورة والأنوثة: الذكورة والأنوثة كان لهما حضورٌ ملفتٌ في الفلم، فثقافة سكان القرية كانت ذكورية والأنثى غائبة ثقافياً رغم حضورها الاقتصادي والاجتماعي. وأوّل ما يدل على ذكورية المجتمع رمي الأنثى أو وأدها أحياناً بعد ولادتها مباشرة. أمّا الذكر فهو مكرّم والسبب طبعاً يعود إلى قدرته الفائقة على الإنتاج في مجتمع زراعي بدائي ذي طبيعة قاسية. ورغم ذلك كان يتم استثمار طاقات المرأة في الاقتصاد العائلي فكانت تجمع الثمار وتبحث عن الحشائش في الغابات وأحياناً تصطاد السمك إلى جانب أعمالها المنزلية. لكنّ الطبيعة البشرية ترفض الظلم والقهر واللامساواة، لذا ما كانت المرأة تخسره من حقوق اجتماعية وسلطة قبلية كانت تستعيده بطرق أخرى في المنزل، فكانت تربي الأبناء بطريقة تفرض عليهم بشكل ناعم قدسيتها كأم. فكان الأبناء ينضوون تحت جناحيها داخل الأسرة وتساهم معهم أو تتفرد أحياناً في اتخاذ قرارات تخصّهم كما فعلت الجدّة حين حرّضت شباب القرية على قتل الفتاة التي سرقت المؤونة. ويمكن ترجمة ذلك الواقع فيما يخص الذكورة والأنوثة بالقول إنّ السلطة العامة وقوانينها كانت ذكورية، أمّا السلطات الخاصة داخل الأسرة والعائلة الكبيرة فكانت بنسبة كبيرة أنثوية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق