من صاغ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ / توفيق بوعشبة

يتحدث عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ويُحتفي به ويُستند إليه باستمرار سواء في العلاقات الدولية أو على الأصعدة الوطنية، في المواقع الرسمية كما في المجتمع المدني. يتحدث عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من حيث أنّه وثيقة أساسية تم وضعها في نطاق الأمم المتحدة واعتمدتها الدول في هذا النطاق أيضا. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو إعلان رسمي وهو إعلان دولي. هو منسوب إلى الأمم المتحدة باعتبارها تنظيما وكيانا دوليين ولنقل دون إطالة باعتبارها منظمة دولية ذات طابع عالمي.

لكن لا يُلتفت إلى «جنود الخفاء» بالمعنى الإيجابي والنبيل للعبارة أولئك الذين حرّروا النص أي الذين تولوا صياغته بأقلامهم والذين وإن كانوا مطالبين بإنجاز صياغة وفق التكليف الرسمي الذي أُسند لهم، فإنّهم وضعوا في النص بعض لمساتهم الخاصة، وبعض مرئياتهم وكذلك بعض العبارات التي فضلوها والكلمات التي انتقوها، ممّا لا يمكن إنكاره. لذا كثيرا ما يُذكّر بالدور الذي قام به وبالجهد الذي بذله الأستاذ (البروفيسور) روني كاسان لحدّ أن البعض يشير إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنّه إعلان روني كاسان مع ما في مثل هذا القول من مبالغة. صحيح أن روني كاسان كان أبرز عنصر في الفريق الذي عهد إليه بصياغة نص الإعلان في نطاق الأمم المتحدة ولكن هناك آخرون ممّا لا يجب تجاهلهم لذا سأذكرهم في هذه الورقة المخصصة كما أشرت «لجنود الخفاء» إذ هم موجودون في عديد المجالات يعملون ليلا ونهارا ويقدمون باقة ما تكون قد جادت به قريحتهم ودرايتهم وخبرتهم ثم ينسحبون وإلى ما وراء الستار ويُنسب ما انتجوه للجهة الذي يجب أن يُنسب إليها رسميا ويكون دور الخبراء قد انتهى وقد لا يتم ذكرهم أبدا وهذا من طبيعة الأمور. فلكل طرف الدور الموكول إليه وفي حالات يمكن القول أنّها استثنائية للغاية قد يتم ذكرهم وذكر مجهودهم في التصميم والهيكلة والصياغة وفي إعطاء نفس معين للنص وهو ما يمكن أن يحصل بشأن أحد أكثر النصوص الدولية شهرة ألا وهو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فمن هم «جُنود الخفاء» صائغو هذا النص وفي أيّة ظروف كان ذلك ؟

بطبيعة الحال لا ننسى الظرف العام الذي تنزّل فيه مشروع إعلان عالمي لحقوق الإنسان. فلقد كان ذلك في فترة تميّزت بانتهاء الحرب العالمية الثانية وما خلفته من مآس وضحايا وأوضاع رهيبة. وضعت تلك الحرب أوزارها وكسبت الإنسانية ميثاق الامم المتحدة كميثاق جاء معلنا قانونا دوليا جديدا ينبذ الحرب، ينبذ النيل من كرامة الإنسان، ينبذ الاستعمار، يعلن حق الشعوب في تقرير مصيرها بذاتها، يدعو إلى التعاون البنّاء بين جميع الدول، ينادي بالرفاه للكافة، ينادي بالسلم ويؤكّد أهمية احترام حقوق الإنسان. فدخلت حقوق الإنسان بكامل الأحقية في المنظومة الجديدة للقانون الدولي. وتعزيزا لذلك ارتأت الحكومات التي أقامت منظمة الامم المتحدة ضرورة تفصيل حقوق الإنسان التي صار احترامها التزاما على عاتق الدول. فتقرّر وضع نص أو كما يقال في مثل هذا المجال صكّا تكون له صبغة عالمية يخصّص لحقوق الإنسان المتنوّعة والتي يجب على الجميع إقرارها واحترامها. كان من الضروري كما في جميع الأعمال الدولية وعلاوة على المشاورات والمفاوضات الرسمية، تكليف فريق من الخبراء بصياغة مشروع النص أو الصك. تم اختيار نخبة من المشهود لهم بمثل تلك الخبرة المطلوبة فكانت تلك النخبة متكوّنة كما سبق ذكره من الفرنسي ذي الأصول اليهودية روني كاسان وهو شخصية عانت كثيرا في فترة الحربين العالميتين كما ناضل ضدّ النازية ضمن الحركة التي قادها الجنرال دي غول من لندن. وقد التحق كاسان بالولايات المتحدة الأمريكية إثر الحرب العالمية الثانية لتولي المهمّة المتعلقة بحقوق الإنسان في نطاق الأمم المتحدة وكان ضمن فريق الخبراء الذي وقع تكليفه بصياغة مشروع أوّلي لإعلان عالمي لحقوق الإنسان. ذلك المشروع الأولي هو الذي كان منطلقا لأعمال الفريق الذي كان متكوّنا بالإضافة إلى روني كاسان من الأمريكية إيليانور روزفيلت والصيني ب.س.شانغ واللبناني شارل ماليك وقد شكل هؤلاء «النواة الصلبة للفريق» الذي اتّسع إلى أشخاص آخرين هم البلجيكي ديهوس والأسترالي هودغسن والهندية هانسا مهتا والكندي همفراي وكانوا في معظمهم إمّا من أستاذة القانون ومن الخبراء في المجال القانوني والحقوقي أو من المتخصصين في الفلسفة. وضمن الفريق المكوّن على ذلك النحو كانت رئاسة اللجنة المكلّفة بالصياغة للأمريكية إيليانور روزفيلت فيما كان نائب الرئيسة الصيني شانغ ومقرّر اللجنة اللبناني شار ماليك. ومع ذلك فإن الذي قام بالدور الأكبر والذي وضع لمسات خاصة على نص المشروع هو عضو اللجنة روني كاسان كما تُبرز ذلك مختلف الدراسات والوثائق التي تعلقت بعمل اللجنة. ويبدو أن رئيسة اللجنة وأعضاءها الآخرين كانوا يفضلون أن يتولى أستاذ القانون روني كاسان صياغة المشروع الأولي بمفرده قبل تناوله من قبل اللجنة بكامل أعضائها، وذلك ما تم إذن.

وإذ قدّمت لمحة صغيرة عن روني كاسان الحقوقي الفرنسي فإن اللمحة مستحقة أيضا بشأن الأمريكية إيليانور روزفيلت. فهي أرملة رئيس الولايات المتحدة فرنكلين روزفيلت الذي تميّز بمناهضته للفاشية وبمناصرته للسلام وللحرية على غرار رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسن الذي كان يشار إليه دائما بأنّه «رجل سلام». فلمّا توفي فرنكلين روزفيلت طلب الرئيس ترومان الذي حلّ محلّ هذا الأخير بالبيت الأبيض من زوجة الرّاحل أن تلتحق بأوّل بعثة للولايات المتحدة الأمريكية بالأمم المتحدة.

ولمّا تقرّر تكوين لجنة لصياغة مشروع إعلان عالمي لحقوق الإنسان، الأمر الذي سعت إليه الإدارة الأمريكية آنذاك تم اختيارها كرئيسة للجنة التي تم تشكيلها للغرض المذكور.

وأمّا الصيني شانغ فقد كان له منحى فلسفي وكان يدعو ضمن اللجنة إلى عدم الاقتصار على إفرازات الفكر الغربي بشأن حقوق الإنسان وضرورة التفتح على فلسفات أخرى وكان له ميل على ما يبدو إلى مبادئ كونفيسيوس الذي يعتقد فيه الصينيون كثيرا باعتبار الفلسفة التي ارتبطت به.

وأما اللبناني شارل ماليك وهو مسيحي أرتودوكسي إغريقي فقد كان متخصّصا في الفلسفة ومتخرّجا من جامعة هارفارد بعد الدراسة في بيروت أين تولى التدريس أيضا بعد التخرّج.

وأمّا البلجيكي دوهوس فقد كان أستاذ قانون بجامعة لياج وناضل هو أيضا ضدّ الاحتلال الألماني من خلال نشريّة سرية.

وأمّا الأسترالي هودغسن فقد كان عقيدا في الجيش ومن الموسمين لجهودهم أثناء الحرب العالمية الأولى.

وأما الهندية هانسا مهتا فقد كانت من الأعضاء الناشطين للمؤتمر الوطني الهندي وقد سُجنت من أجل نضالها في فترة الاستعمار وكانت محلّ تقدير من وزارة الخارجية الأمريكية.

وأمّا الكندي همفراي فقد كان من ناحيته أستاذ قانون كما كان عميد كلية الحقوق بجامعة ماك جيل بكندا وكان محلّ تقدير كسائر أعضاء اللجنة من وزارة الخارجية الأمريكية التي كانت شديدة السهر على توصل اللجنة إلى الصياغة المطلوبة لمشروع إعلان عالمي لحقوق الإنسان في نطاق الأمم المتحدة لعرض ذلك النص على الدول الأعضاء بغية اعتماده بعد مناقشته. فقامت اللجنة عن طريق أعضائها المذكورين وبخاصة «النواة الصلبة» التي احتوتها وعلى رأسها روني كاسان بما عليها من صياغة وقامت الأمم المتحدة التي كان عدد الدول الأعضاء فيها آنذاك محدودا، بما عليها من اعتماد.

عن جريدة الصباح 16/1/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق