من صنوف الرقابة الموازية : دعاوى إيقاف الأعمال الدراميّة


دمشق – سورية: 16رمضان 1350 هجري الموافق ل24 جانفي 1932

جلس الحكواتي على كرسيه المعتاد محاطا بزمرة السمّيعين الأوفياء، منتصف شهر رمضان، ولم يدبّ الملل في السامع ولم ينل الكلل من الرّاوي.

كان يحدّثهم عن عنترة وصولاته، وكانوا يهللّون بفخر واعتزاز،  و يحكون انتفاخا صولات البطل.

في تلك الليلة الباردة  من شهر كانون الثاني لم يعزف الحكواتي أنشودته المعهودة وغيّر إيقاعه هذه المرّة، فقد تعثّر عنترة ولم يتغلّب على أعدائه ، وشارفت حصّة الحكاية على النهاية ، و كانت مصابيح المقهى تلفظ أنفاسها الأخيرة، غير أنّ المستمعين رفضوا  تلك النهاية  الوقتية ، و طالبوا صاحب المقهى بتغيير الخاتمة أو على الأقلّ تعديلها .
"إمّا أن ينتصر عنترة ، و يخرج من ضيقه، وإمّا ضاعت عليك أموال المشاريب ولن نرتاد المقهى مجددا".


حار دليل " المعلّم" و حاول في " مقصورة " المقهى اقناع الحكواتي بتلبية طلب السمّيعين وتحسين وضعية عنترة  حتى لا يبيت الجمهور مكمودا. كان ردّ الحكواتي مقنعا لمن له حاجة للاقتناع : " الليلة فقط سيكون عنترة في ضيق، تلك أصول الحكاية و لا بد من التشويق. غدا، سيعود عنترة لصولاته ".


كانت الضوضاء في ازدياد و بلغ الأمر حدّ الوعيد . عندها ، قرّر الحكواتي التنازل وتغيير النهاية الوقتية مؤكّدا انتصار عنترة و خروجه من الضيق .
لاحت علامات السرور على جمهور المرتادين . أغلق الحكواتي كتابه و جمع عدّته في محفظته العتيقة وعرّج على المعلّم مودّعا : ابحثْ عن حكواتي جديد . إنّي عازم على السفر…

في مساء اليوم الموالي، جاء الحكواتي الجديد. كان طيّعا و بشوشا ، واستهل السهرة بتخيير المستمعين بين بطولات شمشون الجبّار أو انتصارات سيف بن ذي يزن فاختاروا السيف…

صيدا – لبنان: 4 رمضان 1431هجري الموافق ل 14 أغسطس 2010

ابتاعت الجريدة، وقرأت الخبر. تأكّد لها الآن وقف مسلسل " السيد المسيح " بعد استجابة قناتي ( المنار) التابعة لحزب الله، و ( أن بي آن ) التابعة لحركة  أمل الشيعية لنداءات وضغوطات متعددة أبزها صادرة عن السلطات الأمنية اللبنانية  والهيئات المسيحيّة الكاثوليكيّة و خاصّة المركز الكاثوليكي للإعلام.
 " قرّرتا وقف عرضه مراعاة منهما لبعض الخصوصيات وللحؤول دون أي محاولة للتوظيف السلبي".


اُنتج المسلسل المذكور في ايران سنة 2008، وكان يجسد قراءة محلية لحياة السيد المسيح، وفيه محاولة لتفنيد ما جاء في شريط "آلام المسيح " الذي انتجه ميل جيبسون سنة 2004.


أن تُقبل قناتا ( المنار) و ( أن بي آن  ) على بثّ الدراما الايرانية فالأمر أكثر من بديهي غير أنّ قولبتها  المخصوصة لتاريخ الرسل و الأنبياء لم تتقبّله مجموعات   وهيئات متعددة وعلى رأسها هذه المرّة الهيئات الكاثوليكية في لبنان التي اعتبرت المسلسل عبارة عن فيض من المغالطات ويبطن مساسا بالعقيدة المسيحية لأنّ مادته "مستقاة من إنجيل برنبا المنحول والمرفوض"، برأي المتحدث بلسان المركز الكاثوليكي للإعلام، و كل ما جاء في المسلسل ، حسب رأيه، هو محرّف أو غير صحيح أو غير دقيق.

المرسى – تونس 7رمضان 1431 هجري الموافق ل 17 أغسطس 2010

نهض من نومه متثاقلا، وتفطّن إلى أنّ المساء أقبل أو يكاد .  قلّب جريدة الصباح . لفت انتباهه مقال حول تفاقم الاستياء من الممثلين والمخرج وإدارة  قناة  ( نسمة ) والدعوة إلى ايقاف مسلسل "نسيبتي العزيزة" أو مقاطعة القناة، بسبب ما يثيره المسلسل من استهزاء باللكنة "الصفاقسية". قرأ في المقال عن تزايد النقمة على الممثلة "منى نورالدين" التي أساءت ، كما جاء، "لمدينة  صفاقس  وتاريخها العريق، وبالغت في ابتذال مكانة المرأة الصفاقسية برسم صورة قاتمة عنوانها البخل والتقتير …"
وعلم بأخبار عن تكوين خلايا افتراضية في الشبكة الاجتماعية ( الفايس بوك ) للمطالبة بوقف المسلسل و إدانة القناة!!


ما رويناه عن حكواتي المقهى الدمشقي ليس إلاّ محض خيال تاريخي . لم تقع حادثة المنع يومها بالتأكيد، لكنها جدّت قبلها و بعدها وهي نتاج ذهنية كاملة تستبطن المنع وتقر الوصاية و التوجيه. أمّا ما رويناه عن "صيدا " اللبنانية و"المرسى " التونسية فهو من صميم الواقع.

 

أمّا  المتشابهات والمترادفات فكثيرة بلا عدّ :

منذ أيام قليلة قامت نقابة الممرضين في مصر برفع دعوى استعجالية لايقاف بث مسلسل   "زهرة و أزواجها الخمسة " لأنه يسيء لحرمة المهنة النبيلة وينتقص من شأن " ملاك الرحمة".
وخلال الأسبوع الأول من شهر رمضان، أيضا، قام لفيف من المحامين التونسيين بمطالبة مفتي الجمهورية بايقاف بث المسلسلات التي تصور " الأنبياء " و منع عرضها على القنوات التونسية والمقصود، طبعا ، مسلسلان إيرانيّان أيضا: يوسف الصدّيق، ومريم العذراء.

 

لم أشأ أن أثقل على القارئ بتفاصيل لأحداث مشابهة خيطها الناظم هو تدخّل جهاز الرقابة الشعبية أو الجماهيرية أو العامة- في انتظار البحث عن مصطلح مقنع – لمنع عمل درامي أو "ابداعي" .
تكاثرت الظاهرة في شهر رمضان لأنه شهر "التسونامي " الدرامي ففيه تنشط سوق المسلسلات، وفيه تنتقل الفضائيات التلفزية إلى منارات جذب و توجيه رغم إن الوقت المخصص للاشهارات يكاد يفوق الزمان المخصص لعرض المشاهد التلفزية.
لقد تطورت الصناعة الدرامية  في البلاد العربية و هذا من نتاج العولمة المكثفة لكن القوانين و التشريعات و خاصة الذهنيات لم تواكب هذه التطورات.
وجرت العادة أن تصدر عمليات الرقابة والمنع من أجهزة السلطات الحاكمة والماسكة بزمام الأمور، غير أنّ الأمور تسير أحيانا في اتجاهات مختلفة أو حتى معكوسة هذا ما أصبحنا نلاحظه في السنوات الأخيرة وقد يرى البعض أنّه علامة من علامات  الدمقرطة الثقافية في البلاد العربية و دليل على الحراك الثقافي الدؤوب ومؤشّر على  وجود التطارحات و البدائل الفكرية وتسلّل النضج و الوعي لخلايا " المجتمع المدني" التي أصبحت تنسج لذاتها ركائز سلطة موازية تنافس بها سلطة السلطات الحاكمة.


من المفيد أن يناقش الناس دور الصورة والتمثيل الفني في التاريخ و الدين وكيف  استوعبت وتعاملت الحضارة الاسلامية بروافدها الأندلسية والفارسية والهندو اسيوية والإفريقية  مع فكرة الايقونات الدينية والصورة والتجسيد الفني و كيف وظفتها- تماما مثل القصص القرآني- في نشر الإسلام و قيمه وتعاليمه ؟ هذه مواضيع فكريةّ وحضاريّة هامة وجب طرحها للنقاش المعمّق لا فقط التعريج عليها مناسباتيا في شهر رمضان، و توظيفها في القمع  المعمّق و المنع المتوتر.


  إنّ الرقابة  – على ذكر النابهين – ليست جهازا ثابتا بل ذهنية  متجددة لا تستقر على حال. ولعلّ هذا الصنف من الرقابة الشعبية أو الموازية الذي أشرنا إلى بعض مظاهره له بالتأكيد مبرراته فمن من العقلاء يقبل بمادة تشجع على العنصرية أو الجهوية أو البغضاء أو الحقد و التعصب ؟
 المشكل يكمن فقط في القوانين الضابطة بدقة لمثل هذه الانحرافات و الأخطاء  إن وُجدت.

من البديهي و الحالة تلك أن تتزايد الرقابة الموازية، فقد انتصرت الفتاوى على القوانين في مجتمعاتنا المعاصرة، وكلّما التبس فهم  القانون واستعصى تطبيقه أو ندر وجوده  تشتد الرقابة وتتفاقم. وهذا أمر بديهي في مجتمعات لا تحسن إلاّ عزف "القانون" !!

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق