من صوَر الآخَر الغربيّ إلى مخترقي الحدود / كاظم جهاد

تحت عنوان “صوَر الغيريّة – تحليل تمثيلات الغيريّة الغربيّة في روايات عربيّة وفرانكفونيّة معاصرة” Les figures de l’altérité – Analyse des représentations de l’altérité occidentale dans des romans arabes et francophones ، صدر مؤخّراً في منشورات لارماتان L’Harmattan الباريسيّة كتاب للباحثة التونسيّة سلوى بن عابدة ترصد فيه شاكلات حضور الآخر الغربيّ في نماذج هامّة من الإبداع الروائيّ العربيّ المكتوب بلغة الضادّ أو بالفرنسيّة. فالكتاب مبحث نقديّ ضخم في صوَر غيريّة الغرب، أو آخريّته، هذه الآخريّة التي اتّخذت في القرنين الأخيرين، منذ ممهّدات الاستعمار التي تزامنت مع بشائر الحداثة، حضوراً حادّاً جعل منها مصدر افتتان كبير من جهة، وعقدة إشكالات باهظة من جهة أخرى. ولمتابعي كتابات سلوى بن عابدة، التي نهضت وحدها تقريباً بعبء نقد الإصدارات الأدبيّة الجديدة في “مجلّة الدراسات الفلسطينيّة” في طبعتها الفرنسيّة طيلة خمسة عشر عاماً، والحاضرة منذ عقدين من السنوات في عديد الملتقيات الأدبية والفكريّة والمؤلّفات الجماعيّة والتعليم الثانويّ والجامعيّ للأدب العربيّ المكتوب بالعربيّة والفرنسيّة، لهؤلاء المتابعين كانت هذه الدراسة منتظرة، وهي تأتي الآن ملبّيةً انتظارهم على أحسن وجه. فإلى الرصانة المنهجيّة والعمق النقديّ والانتباه الدائم للسياقين التاريخيّ والاجتماعيّ – الثقافيّ تعرب الكاتبة عن مهارات أسلوبيّة تضيف إلى متعة الإبحار الفكريّ في عملها لذّة جماليّة خالصة.

تنطلق الكاتبة من اعتقاد باحثين عديدين توافقهم هي القول في كون ولادة الرواية العربية قد تزامنت وملاقاة العرب للغرب أو اصطدامهم به، ومع هجمة الحداثة. وهي تعيد التذكير بمقارنة عبد الفتّاح كيليطو في هذا الصدد بين الحركيّة الموجِّهة لمقامات الهمذاني والحريري، باعتبارها من نماذج السرد العربيّ العليا، وتلك المتحكّمة بالرواية العربيّة حتّى أيّامنا على أرجح تقدير. فرائدا المقامة العربية يتكلّمان على عالَم مألوف هو عالم الامبراطورية الإسلامية. أمّا السّارد العربيّ الحديث، بدءاً بالشدياق، فغالباً ما تقوده ضرورة قاهرة إلى إنشاء مقارنة أو موازنة مع أوروبا وعالمها الخاصّ. هذا ما نجده بوضوح في أعمال المويلحيّ وتوفيق الحكيم وطه حسين ويحيى حقّي والطّيب صالح وآخرين، وما يفرض نفسه على المعاينة حتّى في أعمال تبدو للوهلة الأولى معنيّة بالفضاء الإنسانيّ العربيّ وحده، كما في الكثير من كتابات نجيب محفوظ وميخائيل نعيمة وعديد الكتّاب المعاصرين. هذا اللّقاء، الذي يتّخذ سمة الحوار والاستكشاف تارةً وطابع المجابهة العنيفة طوراً، هو في نظر الباحثة ضرب من حدث أوّل يتعهّد بمساءلته جنس أدبيّ يدين بالكثير لفنّ المقامة القديم ويتخطّاه في ما يشبه فعلاً انفجاريّاً.

وليس تكتفي المؤلّفة بنصوص الكتّاب المذكورة أسماؤهم أعلاه وبأمثالهم ممّن اضطلعوا، مع بعض الفوارق الزمنيّة، بأدوار رياديّة في الرواية العربية، بل تضيف إليها كتابات حديثة العهد، ككتابات عبد اللّه العرويّ وصنع اللّه ابراهيم ورشيد بوجدرة والطاهر بن جلّون ونبيل فارس وعبد الرحمن منيف وموسى ولد إبنو وابراهيم أصلان وعلاء الأسواني ومحمّد أبي سمرا وحسين البرغوثي وآخرين عديدين. وهي ترينا كيف تظلّ صوَر الآخر الغربيّ حاضرة في هذه الروايات عبر محاورات الشخوص السرديّة واستيهاماتها وصراعاتها الفكريّة، بما يتمخّض عن تقطّب ثنائيّ يجترح في الكتابة مكاناً للأنا، ومكاناً للآخر. وهذا التقّطب شبه البنيويّ ترصد المؤلّفة تشكّلاته وتعبيراته الأدبيّة المتباينة، فإذا بالقسم الأعظم من الروائيّين يستعيد كلّ منهم على شاكلته معالجة هذه الصوَر في نصوص تُبرز دمغة العلاقة التاريخيّة بالآخر بِجَلاء.

بين دراسات عديدة رجعتْ هي إليها بالعربية والفرنسية، تنوّه الناقدة بما كتبه جورج طرابيشي في “شرق وغرب/رجولة وأنوثة – دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية” (دار الطليعة، 1978)، وإن كانت تأخذ عليه انحباسه في إطار “الجنسانيّة”، إذ يدرس من هذا المنظار حفنة من الروايات شكّلت فيها المرأة الغربيّة بالفعل، في نظر الشخوص الذكورية العربية، كناية عن الغرب نفسه، بما أسفر، على ما ترى الباحثة، عن “جَنْسَنة” مفرطة للعلاقة بالآخر، إنْ في الروايات المعنيّة أو في دراستها. هذه المقاربة الجنسانيّة المحض صير إلى تجاوزها منذ سنوات، وهو ما قاد الكاتبة إلى تقصّي أثر التاريخ في تطوّر صوَر الآخر هذه، آخذةً بعين الاعتبار في كلّ مرّة تحوّل العلاقة بالآخر أو استضافتها تعقيدات جديدة، وكذلك تحوّل النظام الأدبيّ وأنماط الكتابة السرديّة. فالمخيال العربيّ، وبضمنه بطبيعة الحال خيال الأدباء، يظلّ ابن زمنه ويتأثّر بالأحداث الكبرى وانعكاساتها البائنة أو المجهريّة على سجال الأفكار وعلى التمثيلات الفكريّة وإسقاطات الشّعور. وهذا كلّه، وهنا يكمن أحد مصادر جدّة هذه الدراسة المتشعبّة وجدّيتها، دفع الباحثة إلى الاستعانة بمقاربات ومفاهيم آتية من الدراسات ما بعد الاستعماريّة تقدّم كثيراً من العون في رصد خطوط القوى المتعارضة التي تتحكّم بالإبداع الروائيّ، من قيم متصادمة وأشكال رغبة وضروب انتماء متباينة. وعليه، فالباحثة نفسها تموقِع دراستها بين النقد المقارن والفكر ما بعد الاستعماريّ، هذا الفكر الذي تمخّض في العقود الثلاثة الأخيرة عن نتائج تحليليّة باهرة، والذي يقف بين مؤسّسيه المفكّر الراحل إدوارد سعيد وبين مطوّريه الكبار الناقد الأميركيّ، الهنديّ الأصل، هومي بْهابْها Homi Bhabha. وتنبع أهميّة هذا التيّار من كونه يفيد من انخراطه في فكر الغيريّة والاختلاف (دولوز، فوكو، دريدا)، ليدرس حركيّات التصاهر والخلاسية والهجْنة والتأثيرات المتبادلة بعيداً عن المفهوم الاختزاليّ الشائع للعولمة بما هي عمليّة توحيد أو تنميط قسريّة ماحية للفروق وصانعة لتشابهات سطحية للمخيالات والتقاليد الأدبيّة.

تدرس الكاتبة صوَر الآخر وتمثيلاته في الرواية العربيّة وما رافقها من سجالات كبرى ومقاربات واقعيّة واستيهاميّة. وباختراق أطوار الاستعمار فالاستقلال الوطنيّ لأغلب الأقطار العربيّة فالاستعمار الجديد، ترينا صوَر الآخّر هذه في تجلّياتها العديدة، التي لم تعد محصورة بالمرأة الغربيّة أو بالحاكم الأجنبيّ بل تعدّتهما إلى الزائر المتعاطف أو السائح، فالأستاذ الوافد، فعالِم الآثار، إلخ. وبين النتائج الرئيسة لهذا البحث المتعمّق الطويل تسجّل الباحثة وترينا عبر النصوص كيف أنّ الرواية العربيّة لم تبق حبيسة النظرة الثنائيّة للآخر ولجدل القديم والجديد والأصيل والمستورد والمركز والأطراف والمهيمِن والتّابع، إلخ. لا بل عملت هذه الرواية في نماذجها الأكثر حداثة بخاصّة على زحزحة مفهوم الحدود، طبيعية كانت أو فكريّة؛ ومثلما بات الآخر حاضراً داخل الأنا (العربيّة) في عديد الأعمال، فإنّ الأنا نفسها أصبحت تُساكن الآخر في “مركزه” الجغرافيّ والفكريّ وتؤثّر عليه فيه، وذلك بفعل تجربة المنافي والهجرات والسياحة وتعقّد أنماط التبادل الاقتصاديّ والثقافيّ والإعلام الجماهيريّ ونشوء ثقافة جديدة تعمل في نماذج منها عديدة بأواليّات الخلاسية والتصاهر و”الانعداء” المتبادل. هكذا يتمثّل أحد الآثار العميقة للعولمة في تحويل أنساق الانتماء القوميّ والثقافيّ وإعادة توزيع الخرائط والأدوار. وهكذا نكون انتقلنا من النمط إلى الفرد، ومن الثنائيّة إلى التعدّد، ومن المجابهة الضدّية الباترة إلى الغيريّة الصاحية وفكر الاختلاف. هذه الانقلابات كلّها تقابلها بالطبع تحوّلات مماثلة في أنماط الكتابة وفنون السّرد وصناعة الأشكال، تمنحها المؤلّفة أيضاً ما يكفي من الانتباه، إذ تضمّن دراستها تقصّياً للتطوّر الأجناسيّ أو النوعيّ للأنماط الكتابيّة، ما تدين به هذه الأنماط للغرب وما تلقّته في النصوص العربية والفرانكفونية من تحويلات وتكييفات وإضافات.

بالتزامن مع هذه الدراسة صدر للكاتبة نفسها، في منشورات Encre d’Orient (“مداد الشرق”) بباريس كتاب آخر عنوانه “حرّاقة – مخترقو الحدود” Harragas – Les brûleurs de frontières، رافقته في أغلب صفحاته رسوم رائعة للتونسيّ وسام العابد تعمّق أثر الكتاب وتصبّ في صلب موضوعه. ولئن اختلف هذا النصّ في لغته الأدبيّة عن الكتاب السابق، فهو ينطلق مثله من البؤرة اللاّهبة نفسها التي يلتقي فيها الأنا والآخر ويتقاربان ويتباعدان في معترك مصيريّ تشير إليه أو تسمّيه مفردات الجوع والنار والهجرة الموفّقة تارةً والمحبطة طوراً ومشاهد التهميش الجماعيّ وقنوط الأفراد.

تتبنّى سلوى بن عابدة في هذا الكتاب لغة الأدب السوسيولوجيّ وتتخيّل، بلغة الوقائع وانعكاساتها الشعوريّة، سيرة شابّ مغاربيّ ورحلته من أجواء الفاقة والحرمان في حارته الأصليّة حتّى انخراطه في تجربة “الحرّاقة”، وهي المفردة التي شاعت في أقطار المغرب وتبنّتها اللّغات الأخرى بنطقها العربيّ لتسمية المهاجرين العرب السرّيّين، الذين يبدأ كلّ منهم رحلته بحرق بطاقة هويّته وجواز سفره، منطلقاً من غفليّته العارية هذه إلى معانقة المجهول. ومن المصادفات اللغويّة الرائعة أنّ التعبير العربيّ “مخترقو الحدود سرّاً” يقابله التعبير الفرنسيّ brûleurs de frontières، ودلالته الحرفيّة هي “حارقو الحدود”، إذ يدلّ “حرق المسافة” مجازاً على تجاوزها وعبورها. وعلى هذه الشاكلة تجتمع في العنوان دلالتا “الحرق” و”الخرق” وتتكرّر المفردة الأولى مرّتين، مرّة عبر التسمية العربيّة، التي صارت دوليّة، لهؤلاء المغامرين المضطرّين، ومرّة ثانية عبر الدلالة الحرْفيّة للتعبير الفرنسيّ. وإذا كنتُ أطلت الوقوف عند مفردات العنوان، فلأنّ المؤلّفة وضعت كتابها هذا في 2009 ولكنّ ملابسات النشر جعلته يصدر في ربيع 2011، فيبدو لمن يقرأه وكأنّه جاء لتقديم تحيّة إجلال لتجربة التونسيّ محمّد بو عزيزي، والحال أنّ الكتاب في واقع الأمر قد تنبّأ بها.

بحيويّة وبدون الغرق في التفاصيل، يسرد راوية الكتاب الشابّ أوديسته الفذّة، من الإبحار بصحبة مغامرين مثله على متن قارب مهترئ، فالخوف من “شياطين البحر”، الذين هم في المخيال الشعبيّ المغاربيّ المعادل الرجوليّ للندّاهات أو حوريّات البحر في “أوديسة” هوميروس، يتسلّون بحرف المسافر عن وجهته، فموت بعض المهاجرين بباعث من التعب واليأس، فتخلّع القارب وهو على قاب قوسين أو أدنى من بلوغ الشاطئ المقابل، إلى تدخّل حرس حدود البلد الآخر وإيداعهم “الحرّاقة” في مركز للمراقبة ينفذون منه إلى عالم أحلامهم أو يعودون إلى عالمهم الأصليّ بخفّي حنين وبجمرة مشتعلة في القلب. وفي وسط فصول الكتاب الوجيزة المكثّفة تنتصب صفحة عنوانها “النّار”: “حريق يجعل مسيرة الزمن تتسارع. أولاء هم يشتعلون، لا تدري متى تبدأ حكايتهم، ولا كيف ستُختَتم، ما داموا، على هذا الخطّ الذي تلتقي فيه الخاتمة وبداية مغامرة أخرى، يشرعون بالرّقص كالحواة ما إن ترسم النّار بحلقاتها المتصاعدة صورة البلد القادم”. “نحرق كلّ شيء، يقولون، الحدود وماضينا وأسماءنا، لا بل نحن مستعدّون لإحراق حتّى أنفسنا، ما دمنا نعتقد بأنّنا ما عاد لدينا ما نخسره”…”.

 

عن ملحق السفير الثقافي – 11/11/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق